أنبياء الديجيتال| كيف يواصل "نظام الطيبات" كسب أتباعه؟

"يا عمتو، أنا بطلت أكل سلطة عشان مش في النظام"، بتلك الجملة الصغيرة داهمتني ابنة أخي التي لم يتجاوز عمرها بضع سنوات، خلال تجمعنا على مائدة والدي العائلية في يومنا الأسبوعي المعتاد، لينفجر بعدها النقاش عن الممنوعات فيما يسمى بـ"نظام الطيبات"، الذي كنت أظن أنه لم يداهم إلى هذا الحد العديد من الأسر والعائلات، والذي ادّعى صاحبه ضياء العوضي أنه مخصص لعلاج كثير من الأمراض، وبديل كافٍ عن استخدام الأدوية.

ومع اعتراض أبي على هذا النظام الذي يحرم أطفالنا في عمر الزهور من أساسيات الطعام التي تبني أجسادهم، حاول أخي مناقشته لإقناعه، قبل أن نسترسل جميعًا في ذكر ضحايا العوضي، والإشارة إلى التغير البدني الواضح على جسد أخي الشاب الرياضي صاحب البنية العضلية المميزة، التي بدأت في التراجع خلال الأسابيع القليلة الماضية، رغم حرصه المستمر على ممارسة الرياضة والذهاب إلى الجيم، مبررًا ذلك بأن النظام يعيد بناء هيكلة جسده. ومع احتدام النقاش بين مؤيد ومعارض، قطع صوت أمي الجدل لحسم الموقف بجملة صارمة، "اعملوا اللي أنتوا عايزينه، أنتم أحرار في نفسكم وكبار كفاية، لكن العيال لا، لازم يكلوا كويس عشان يتغذوا، وإلا هيتعبوا كتير".

ومنذ ذلك اليوم، لم تكفّ عشرات الأسئلة عن طرق باب عقلي، كيف يمكن للادعاءات الباطلة أن تغزو العقول؟ ولماذا ينجذب الآلاف نحوها؟ لا سيما أن ضياء العوضي لم يكن الأول من نوعه، إذ هناك تاريخ حافل لمدّعي استخدام الطب البديل لعلاج المرضى بطرق عدة، آل أغلبهم إلى المساءلة والمحاسبة القانونية. أفلم نتعلم الدرس بعد؟ أم أن عدد الضحايا لم يكن كافيًا للاقتناع؟

بداية الفتنة

لم يظهر ضياء العوضي من الفراغ، فقد شهدت مصر خلال السنوات الأخيرة انتشارًا واسعًا للمحتوى الصحي عبر السوشيال ميديا، ما ساهم في تداول معلومات ومعتقدات غير مثبتة علميًا عن الغذاء والعلاج. وفي هذا السياق، روّج العوضي لنظام "الطيبات" بوصفه بديلًا قادرًا على علاج الأمراض المزمنة والاستغناء عن الأدوية، ومع اتساع قاعدة أتباعه، نشأت حالة من "الفتنة الغذائية" دفعت بعض المرضى إلى التشكيك في العلاج الطبي، بما يحمله ذلك من مخاطر صحية قد تصل إلى تهديد الحياة.

وعادت قضية وفاة استشاري التغذية العلاجية ضياء العوضي إلى دائرة الجدل مع وصول جثمانه إلى القاهرة قادمًا من الإمارات خلال نهاية أبريل الماضي، وسط استمرار التساؤلات حول ملابسات وفاته، رغم صدور تقرير رسمي يحدد سببها. فقد أرسلت السلطات الإماراتية التقرير الطبي إلى القنصلية المصرية في دبي، الذي خلص إلى أن الوفاة نتجت عن جلطة مفاجئة بالقلب دون وجود شبهة جنائية، كما صرّحت الجهات المختصة بدفن الجثمان بعد استكمال الإجراءات القانونية ومراجعة المستندات الرسمية. ورغم ذلك، تقدمت أسرة العوضي بطلب لـإعادة تشريح الجثمان داخل مصلحة الطب الشرعي المصرية، وزادت تقارير إعلامية من حالة الجدل، بعدما أشارت إلى وجود آثار لمواد مؤثرة داخل جسم المتوفى، بينما أكدت في الوقت نفسه أن السبب المباشر للوفاة كان جلطة حادة بالشريان التاجي الأيسر، وهي حالة قد تؤدي إلى توقف مفاجئ في عضلة القلب. كذلك بيّن محامي العوضي، مصطفى مجدي، وجود فترة غامضة سبقت اكتشاف الوفاة، موضحًا أن الاتصال به انقطع لمدة ستة أيام، بين 12 و19 من الشهر ذاته.

مليارات المشاهدات

وبينما ظل الجدل قائمًا حول ملابسات وفاة العوضي، استمر ترويج أفكاره عبر المنصات الرقمية، فحسب مجتمع التحقق بالعربي، رُصد تصاعد الترويج لـ"نظام الطيبات" على السوشيال ميديا بعد وفاة ضياء العوضي، وتحوّل خلال أسابيع إلى موجة رقمية واسعة الانتشار. ورصد التقرير أكثر من 11600 منشور مرتبط بالنظام خلال شهر واحد، حققت ما يُقدَّر بنحو 3.1 مليار مشاهدة، وأكثر من 51.3 مليون تفاعل، وهذا ما يترجم إلى تدهور في صحة المرضى ووفيات وعدم ثقة في النظام الطبي والدوائي، حسب دراسات رصدت الظاهرة.

ومن بين تلك الدراسات "استخدام الطب البديل لعلاج السرطان وتأثيره على فرص البقاء"، التي نشرها الباحث سكايلر جونسون عام 2018، وحللت بيانات 840 مريضًا مصابًا بسرطانات قابلة للعلاج، واختارت مجموعة من المرضى الذين اعتمدوا على الطب البديل وحده بدلًا من الجراحة أو العلاج الإشعاعي أو الكيميائي، وأظهرت النتائج ارتفاع خطر الوفاة بمعدل 2.5 مرة مقارنة بالمرضى الذين التزموا بالعلاج التقليدي، كما ارتفعت معدلات الوفاة بصورة أكبر بين مرضى سرطان الثدي والقولون والرئة.

وأوضحت دراسة علمية أخرى، نُشرت عام 2018 في مجلة JAMA Oncology، أعدّها الباحث هوارد ويست، تناولت "استخدام الطب التكميلي والبديل في علاج السرطان"، مع التركيز على الفروق الجوهرية بين المفهومين، أن هناك ضرورة أساسية للتمييز بين العلاج التكميلي، الذي يُستخدم جنبًا إلى جنب مع العلاجات الطبية المعتمدة بهدف تخفيف الأعراض وتحسين جودة حياة المرضى، وبين العلاج البديل الذي يُطرح كبديل كامل للعلاج الطبي التقليدي. وأكدت النتائج أن الأدلة العلمية المتوفرة لا تدعم استخدام الأنظمة الغذائية أو العلاجات البديلة بوصفها بديلًا لعلاج السرطان القائم على البروتوكولات الطبية المعتمدة، محذرة من أن الاعتماد عليها وحدها قد يؤدي إلى تأخير العلاج الفعّال وتفاقم الحالة الصحية للمريض.

وتوضح الدكتورة هبة عبد اللطيف، وهي طبيبة بشرية، واستشارية التغذية العلاجية بالمعهد القومي للأورام، أن هناك خلطًا شائعًا بين دور الغذاء ودور العلاج الدوائي، موضحة أن الغذاء يؤدي دورًا وقائيًا وعلاجيًا مهمًا، لكنه يصبح جزءًا مكملًا للعلاج عندما يكون المرض قد ظهر بالفعل، ولا يمكن أن يحل محل الدواء في الحالات التي تستوجب تدخلًا طبيًا، محذرة من أن التوقف عن الأدوية الموصوفة طبيًا والاكتفاء بنظام غذائي قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، من بينها عدم انتظام مستويات السكر في الدم، أو التعرض لارتفاعات حادة في ضغط الدم، فضلًا عن تدهور الحالات المرضية التي تحتاج إلى متابعة وعلاج مستمر.

وتلفت الطبيبة البشرية إلى أن مرض السكري يمثل نموذجًا واضحًا لهذا الأمر، إذ يجب التمييز بين النوع الأول والنوع الثاني من المرض، فمرضى السكري من النوع الأول لا ينتجون الإنسولين أساسًا بسبب خلل في البنكرياس، ولذلك لا يمكن بأي حال من الأحوال الاستغناء عن حقن الإنسولين أو استبدالها بنظام غذائي، لأن أي طعام يتناوله المريض سيرفع مستوى السكر في الدم في غياب الهرمون المسؤول عن تنظيمه.

أما في السكري من النوع الثاني، فتوضح أن العلاج يعتمد على الجمع بين تعديل نمط الحياة والعلاج الدوائي، خاصة في المراحل الأولى من المرض، وقد يساهم ضبط الغذاء وممارسة النشاط البدني في تحسين استجابة الجسم للإنسولين، لكن أي قرار بتقليل جرعات الدواء أو إيقافها يجب أن يتم تدريجيًا وتحت إشراف الطبيب المعالج، وليس بناءً على اجتهادات فردية أو نصائح متداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وتشير هبة إلى أنها صادفت حالات تدهورت حالتها الصحية نتيجة التخلي عن العلاج الطبي، ومن بينها مرضى الأورام الذين اتبع بعضهم ما يُعرف بـ"تجويع الورم"، عبر الامتناع عن الطعام أو الصيام لفترات طويلة، اعتقادًا بأن الخلايا السرطانية تعتمد على الغذاء والسكريات، مؤكدة أن هذه الفكرة غير صحيحة، لأن الورم يستمر في الحصول على احتياجاته الغذائية من خلال تكسير عضلات الجسم ومخزونه من الدهون، بينما تكون النتيجة الفعلية إصابة المريض بالهزال الشديد وسوء الحالة العامة. وتوضح أن هذا الضعف قد يحرم المريض لاحقًا من الاستفادة المثلى من العلاجات المعتمدة، مثل العلاج الكيماوي أو الإشعاعي أو التدخلات الجراحية، لأن الجسم يصبح أقل قدرة على تحمل الآثار الجانبية للعلاج، كما أن سوء التغذية يؤثر سلبًا على الجهاز المناعي، الذي يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة الخلايا السرطانية.

وعن أسباب انجذاب بعض المرضى إلى الوعود التي تتحدث عن علاج الأمراض المزمنة بالغذاء وحده، ترى استشارية التغذية بمعهد الأورام أن الأمر يرتبط بعوامل نفسية واجتماعية، إذ يميل الإنسان بطبيعته إلى تصديق الحلول السهلة والسريعة التي تعده بالشفاء دون الحاجة إلى أدوية أو متابعة طبية مستمرة، كما أن بعض الخطابات المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي تعتمد على ما تصفه بـ"الحلول السحرية"، وتستثمر في نزعة البحث عن إجابات بسيطة لمشكلات صحية معقدة. وتضيف أن المحتوى الذي يروج لوصفات علاجية شاملة أو أنظمة غذائية تدّعي علاج جميع الأمراض يحقق انتشارًا واسعًا على المنصات الرقمية، بخلاف الرسائل الطبية الرصينة التي تركز على أهمية الالتزام بالعلاج والمتابعة الدورية، وترى أن بعض من يروجون لهذه الأفكار قد يفتقرون إلى الأمانة المهنية، أو لا ينتمون أساسًا إلى المجال الطبي.

كما تحذر من الانسياق وراء الأنظمة الغذائية التي تقدم نفسها باعتبارها صالحة لجميع الأشخاص أو قادرة على علاج جميع الأمراض، مؤكدة أن الطب لا يعرف الحلول المطلقة، فاحتياجات كل إنسان تختلف باختلاف عمره وحالته الصحية ونمط حياته والأمراض المصاحبة له، وهو ما يستدعي تصميم خطط غذائية فردية تناسب كل حالة على حدة. وفي رسالتها للمرضى، تؤكد عبد اللطيف أن بعض الأمراض المزمنة المرتبطة بنمط الحياة، مثل السكري من النوع الثاني أو ارتفاع ضغط الدم في مراحله المبكرة، قد تشهد تحسنًا ملحوظًا مع الالتزام بنمط حياة صحي يشمل الغذاء المتوازن والنشاط البدني والنوم الجيد وإدارة التوتر، إلا أن أي تعديل في العلاج يجب أن يتم تحت إشراف الطبيب المعالج، ووفقًا لتقييم دقيق للحالة.

وتختتم بتأكيد أن هناك أدوية لا يجوز إيقافها مطلقًا دون إشراف طبي، مثل الإنسولين لمرضى السكري من النوع الأول، وبعض أدوية القلب والسيولة، لأن الغذاء وحده لا يمكن أن يؤدي الوظائف العلاجية التي تحققها هذه الأدوية. وتدعو المرضى إلى استشارة الأطباء المختصين، وعدم اتخاذ قرارات علاجية مصيرية بناءً على نصائح عامة أو محتوى متداول عبر الإنترنت.

من نظام غذائي إلى عقيدة

ومن خلال تتبع تأثير تلك الفتنة على السوشيال ميديا، أظهر تحليل بيانات عشرات الصفحات التي تحمل اسم نظام الطيبات أو ضياء العوضي، أنه تحول من مجرد نظام غذائي إلى عقيدة يتبناها الآلاف من الناس في مختلف الدول.

ومن أبرز هذه المجموعات مجموعة "نظام الطيبات للدكتور ضياء العوضي" الخاصة، التي أنشأت بتاريخ 19 يناير 2025 تحت اسم "نظام الطيبات المغربية للدكتور ضياء العوضي"، ثم تم تغيير اسمها مرة أخرى في 23 أبريل من العام الجاري، لتختفي صفة "المغربية" من الاسم الرسمي، ويشارك بها أكثر من نصف مليون عضو، وينتظم النشر بها يوميًا، ويتبادل فيها الأعضاء ما يسمونه بتعليمات النظام.

وأظهر تحليل بيانات مجموعة تحمل اسم "نظام الطيبات" العامة، التي تجاوز عدد أعضائها مليونًا و800 ألف، أن "الهدف من هذا الفريق هو مناقشة برنامج الطيبات بما يخص الأكل المغاربي عمومًا، وهذا لكي يتسنى لنا تصنيف الأكلات المحلية الخاصة بنا من مسموح وممنوع". وتنوع محتواها بين الفيديوهات المولدة بالذكاء الاصطناعي ومشاركة المنشورات التي توضح التعليمات الواجب الالتزام بها، إلى جانب الأسئلة المتداولة بين الأعضاء.

وأظهر البحث صفحة "بروفيسور د. ضياء العوضي، نظام الطيبات" العامة، التي تجاوز عدد متابعيها 611 ألفًا، ويحمل وصفها "للشفاء الذاتي، هو نظام الطيبات البروفيسور ضياء الدين العوضي، امشو على النظام بالظبط أضمن صحة جسدية وصحة نفسية، أنا ماشية على النظام من 3 شهور وحياتي اتغيرت 180 درجة، أحسن من أنجبت البشرية على وجه الأرض في الطب هو البروفيسور ضياء العوضي، وهيفضل اسمك ونظامك خالد للأبد يا حبيبي". وبالرغم من أن العديد من أعضاء هذه المجموعة شاركوا عددًا من المنشورات عن مشكلاتهم الجسدية رغم التزامهم بالنظام وتعليماته، جاءت أغلب التعليقات إما بضرورة الصيام، أو الالتزام التام والاستمرار، أو التهكم من أصحاب الشكاوى بعنف واضح، رفضًا لاتهام النظام أو التطاول عليه.

ولم يتوقف حضور ضياء العوضي بوفاته، إذ انتقل من مقاطع الفيديو وصفحات التواصل الاجتماعي إلى منصة رقمية متكاملة تحمل اسم "نظام الطيبات"، في محاولة تبدو أقرب إلى تحويل أفكاره من مشروع مرتبط بشخصه إلى منظومة مستقلة قادرة على الاستمرار والتوسع بعد رحيله. ففي أواخر أبريل 2026، وبعد أسابيع قليلة من وفاته، جرى تسجيل الموقع ليصبح بمثابة المرجع الإلكتروني الرسمي لأفكار النظام الغذائي الذي ارتبط باسمه، ويقدم الموقع نفسه باعتباره منصة تهدف إلى "حفظ إرث" العوضي ونشر فلسفته الغذائية على نطاق أوسع، من خلال محتوى متاح باللغتين العربية والإنجليزية.

وعند تصفح الموقع، يبدو واضحًا أنه لا يقتصر على عرض سيرة مؤسسه أو نشر آرائه الغذائية، إذ يسعى إلى بناء عالم متكامل عن مفهوم "الطيبات"، فإلى جانب قسم مخصص للسيرة الذاتية لضياء العوضي، نجد محتوى متعدد اللغات، ومساعد ذكاء اصطناعي، ودليلًا للأغذية، ونظامًا لتجميع شهادات المستخدمين، وأدوات لتحليل الوجبات وتقديم اقتراحات غذائية، وتطبيقات رقمية مرتبطة بالفكرة، ما يشير إلى انتقال المشروع من مرحلة "الطبيب المؤثر" إلى مرحلة "المنصة المؤسسية" التي تسعى للحفاظ على انتشار الأفكار وإعادة إنتاجها عبر أدوات رقمية حديثة.

ويكشف تصميم الموقع وطبيعة محتواه عن تحول لافت في مسار الظاهرة، فبعدما كان انتشار أفكار العوضي يعتمد بصورة أساسية على حضوره الشخصي، باتت الأفكار نفسها تُقدَّم اليوم في إطار مؤسسي ورقمي أكثر استدامة، يهدف إلى الحفاظ على انتشارها وتوسيع نطاقها حتى في غياب صاحبها.

ورغم كل ذلك، شمل الموقع تنويهًا يدعو الزوار إلى استشارة الأطباء قبل إجراء تغييرات غذائية كبيرة، وعدم التوقف عن الأدوية الموصوفة طبيًا دون إشراف متخصص، كما يشير إلى أن النظام لم يخضع لتجارب سريرية منشورة ومحكّمة، إلا أن هذا التنويه يأتي داخل منصة تقوم في الأساس على نشر وتعميم الأفكار التي أثارت جدلًا واسعًا بين الأوساط الطبية خلال السنوات الأخيرة. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ اصطدمنا خلال البحث بعشرات المجموعات التي دُشنت عبر تطبيقات التواصل المختلفة (واتساب وتليجرام)، ويتداول أفكار العوضي ونظامه من خلالها، إلى جانب التطبيق الذي حمل اسم "الطيبات" الذي أطلق خلال الشهر الماضي، وصُنف بأنه مناسب لعمر فوق 3 سنوات.

وعود بالشفاء التام

ولتحليل الأسباب النفسية لهذا الانتشار، أوضح الدكتور وليد هندي، استشاري الصحة النفسية، أن الأمراض تنقسم إلى ثلاثة أنواع، الأول أمراض يسهل علاجها ولا تفرض على المريض أعباء طويلة الأمد، والثاني أمراض تستوجب علاجًا دائمًا أو طويل المدى، مثل مرض السكري الذي يتطلب التزامًا مستمرًا بنظام غذائي وأسلوب حياة معين، أما النوع الثالث فهو الأمراض التي لا تستجيب للعلاج بشكل كامل، مثل بعض المراحل المتقدمة من السرطان.

ويشير هندي إلى أن مروجي الأنظمة الغذائية التي تُقدَّم كبديل للعلاج يستهدفون بالأساس الفئتين الثانية والثالثة من المرضى، إذ يشعر أصحاب الأمراض المزمنة بمرور الوقت بالملل والإنهاك من الالتزام بالعلاج، ويبحثون عن أي وسيلة تمنحهم الأمل في التخلص من معاناتهم أو العودة إلى حياة طبيعية.

ويضيف أن هؤلاء المرضى يصبحون أكثر قابلية للتعلق بأي وعود بالشفاء أو الاستغناء عن الدواء، خاصة عندما تُعرض عليهم عبر مقاطع الفيديو القصيرة والسوشيال ميديا. ويؤكد أن بعض الحالات قد تشهد تحسنًا ظاهريًا نتيجة ما يُعرف بـ"العلاج بالوهم" أو "البلاسيبو"، حيث يؤدي إيمان الشخص الشديد بفعالية وسيلة معينة إلى شعوره بالتحسن، ما يدفعه إلى الترويج لتجربته ونشرها على نطاق واسع، الأمر الذي يسهم في جذب مزيد من المتابعين وإقناعهم بالسير في الاتجاه نفسه.

ويعتبر هندي أن نجاح هذه الخطابات يرتبط أيضًا بطريقة تقديمها، إذ غالبًا ما تعتمد على لغة التحدي والهجوم والسخرية من النظم الطبية والغذائية السائدة، بما يمنح أصحابها صورة "القائد" أو "الثائر" في نظر بعض المتابعين، وهو ما يزيد من شعبيتهم وانتشارهم. كما يلفت إلى أن بعض الأشخاص الذين يعانون من السمنة أو اضطرابات الأكل أو مشكلات نفسية مرتبطة بالغذاء يكونون أكثر عرضة للتأثر بهذه الطروحات، لأنهم يبحثون عن حلول سريعة لمشكلاتهم الصحية أو الشكلية، ويرى أن الغذاء يمثل احتياجًا أساسيًا في حياة الإنسان، ولذلك يسهل استغلاله في تسويق الوعود والحلول غير الموثقة.

ويشدد هندي على أهمية الحصول على المعلومات الصحية من مصادر موثوقة، داعيًا إلى الرجوع إلى المؤسسات الطبية الرسمية والأطباء المتخصصين، وعدم الانسياق وراء الصفحات أو الشخصيات التي تروج لأنظمة غذائية أو علاجات غير مدعومة علميًا. وفي الوقت نفسه، يرى أن بعض المرضى قد يلجأون إلى غير المتخصصين بسبب مشكلات تتعلق بالمنظومة الصحية نفسها، مثل ضعف التواصل مع المرضى، أو ارتفاع تكلفة الخدمات، أو عدم قدرة بعض الأطباء على تبسيط المعلومات وإقناع الجمهور، وهو ما يخلق فراغًا تستغله الشخصيات التي تروج لوعود العلاج السريع والشهرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وتكشف هذه الظاهرة أن معركة الصحة لم تعد تُخاض داخل العيادات والمستشفيات فقط، إذ امتدت إلى فضاء رقمي واسع تتنافس فيه المعرفة العلمية مع السرديات البديلة والوعود السهلة. وبينما يبحث المرضى عن الأمل والشفاء، يجد بعضهم أنفسهم أسرى لمعتقدات غذائية تفتقر إلى الدليل العلمي، فتؤثر في قراراتهم العلاجية، وربما تدفعهم إلى التخلي عن أدوية يحتاجونها للحفاظ على حياتهم. وبين المعلومات المغلوطة التي تداهمنا وتحذيرات الأطباء ونتائج الدراسات العلمية، يبقى السؤال مفتوحًا حول قدرة المجتمع ومؤسساته على استعادة الثقة في المعرفة الطبية، ومواجهة موجات التضليل الصحي التي تتسع يومًا بعد يوم.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة