فاتورة المياه الجوفية.. الكلفة الخفية التي يدفعها الفلاح من خصوبة أرضه

على بعد 90 كيلومترًا من القاهرة، في قرية المنوات التابعة لمركز أبو النمرس بالجيزة، يجلس ماهر عبد المجيد، الفلاح الستيني الذي حفرت الشمس ومواسم الزراعة المتعاقبة خطوطها العميقة على وجهه، تمامًا كما حفرت الأرض مكانتها في حياته. يمتلك ماهر نحو 10 قراريط من الأراضي الزراعية يعتمد عليها مصدرًا رئيسيًا لدخله، غير أنه يرى أن الزراعة اليوم لم تعد كما كانت قبل عقود.

يقول ماهر لـ"فكر تاني" إن أكبر ما يقلقه هو تلوث مياه الترع بالقمامة ومخلفات الصرف الصحي، رغم أعمال التبطين التي شهدتها بعض المجاري المائية في السنوات الأخيرة. وقد دفعه تراجع جودة المياه وتكرار نقصها إلى الاعتماد على مياه الآبار التي تسحب بالطلمبات من باطن الأرض، مختصرًا أزمته في جملة واحدة "المياه البحاري مابتوصلش الترع ومفيش بديل غير الطلمبات وإلا الزرع هيموت".

غير أن هذا الحل يحمل في طياته مشكلة أخرى لا تقل خطورة، إذ تحتوي المياه الجوفية على نسب مرتفعة من الأملاح، ومع تكرار استخدامها بدأت التربة تفقد جزءًا من خصوبتها وأصبحت بعض المحاصيل أقل قدرة على النمو والإنتاج بالشكل المعتاد.

يسترجع ماهر ذكريات أكثر من 40 عامًا مضت، حين كانت مياه الري متوفرة بكميات أكبر وجودة أفضل، ما كان يتيح له زراعة أصناف متعددة على مدار العام، من الذرة الشامية والبرسيم إلى الخضروات الصيفية والشتوية وغيرها من الزراعات ذات العائد الجيد. أما اليوم فقد اضطر إلى التخلي عن بعض تلك المحاصيل أو تقليص مساحتها بسبب عدم انتظام المياه وارتفاع ملوحتها، وهو ما انعكس على دخله وقدرته على تغطية تكاليف الزراعة المتزايدة. وبينما يواصل العمل في أرضه التي ورثها عن أبيه، يأمل ماهر في إيجاد حلول حقيقية لمشكلة نقص المياه وملوحتها، حفاظًا على خصوبة التربة وتمكينًا للمزارعين من إنتاج محاصيل جيدة تكفل لهم الاستمرار في مهنة ارتبطت بحياتهم جيلًا بعد آخر.

عبء الإرث الأخضر

ما يعيشه ماهر ليس حالة فردية معزولة، فعلى امتداد الأراضي الزراعية المصرية يتكرر المشهد ذاته، حيث تحول الإرث الأخضر الذي توارثه الفلاحون إلى عبء متراكم، كلما تراجعت حصصهم من المياه العذبة ووجدوا أنفسهم مضطرين إلى النزول عميقًا في باطن الأرض بحثًا عن بديل، لا يدركون دائمًا ما يحمله من أملاح وعناصر تنهك التربة ببطء وتُراكم عليهم نتائج قد تكون مصيرية.

وتكشف بيانات النشرة السنوية لإحصاءات مياه الري والموارد المائية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء خلال الفترة من 2012 إلى 2024 عن اتجاه تصاعدي في الاعتماد على مياه الآبار في الري الزراعي، بالتزامن مع تذبذب في كميات المياه العذبة المستخدمة في ري الحقول.

ووفقًا لهذه البيانات، ارتفعت كمية مياه الآبار المستخدمة في الري من نحو 22.76 ألف متر مكعب عام 2012 إلى 34.4 ألف متر مكعب عام 2024، بزيادة تقارب 51% خلال 12 عامًا. وقد ظل استخدام مياه الآبار أقل من 22 ألف متر مكعب سنويًا في عدد من السنوات الواقعة بين 2013 و2021، قبل أن يبدأ في الارتفاع بوتيرة أسرع، مسجلًا 25.7 ألف متر مكعب عام 2022، ثم 29.9 ألف متر مكعب عام 2023، وصولًا إلى 34.4 ألف متر مكعب عام 2024 كأعلى قيمة مسجلة خلال فترة الرصد كلها.

في المقابل، شهدت كميات المياه العذبة المستخدمة لري الحقول تذبذبًا ملحوظًا دون اتجاه تصاعدي واضح، إذ تراوحت بين 32.11 مليار متر مكعب عام 2012 و43.66 مليار متر مكعب عام 2016، وسجلت 42.4 مليار متر مكعب عام 2024، مع ارتفاعات وانخفاضات محدودة من عام لآخر.

وتبرز المقارنة بين المؤشرين أن الزيادة في استخدام مياه الآبار جاءت بوتيرة أسرع بكثير من التغيرات التي شهدتها كميات المياه العذبة في الحقول الزراعية، فبينما وصل الاعتماد على مياه الآبار إلى أعلى مستوياته خلال عام 2024، لم تشهد كميات مياه الري المستخدمة عند الحقل نموًا مماثلًا. وتعكس هذه المؤشرات تناميًا في استخدام المياه الجوفية كمصدر للري، مما يطرح تساؤلات جدية حول تأثير هذا الاعتماد المتزايد على استدامة الموارد المائية وجودة التربة والإنتاج الزراعي على المدى البعيد.

[رسم بياني يوضح كميات مياه الآبار والمياه العذبة المستخدمة لري الأراضي الزراعية خلال 13 عامًا]

وقد نبه الاستهلاك المتزايد للمياه الجوفية وخطورته الحكومة إلى ضرورة الرقابة على استخدامها، ففي مارس الماضي شدد هاني سويلم، وزير الموارد المائية والري، على ضرورة إحكام الرقابة على استخدام المياه الجوفية وضمان استدامتها، مشيرًا إلى تشديد العقوبات على حفر الآبار دون ترخيص. وقال إن السحب الجائر من الخزانات الجوفية العميقة، التي تُعد موردًا غير متجدد، يؤدي إلى انخفاض مناسيب المياه وارتفاع درجة ملوحتها بما يهدد استدامة هذا المورد المائي المهم، ووجه باتخاذ الإجراءات القانونية حيال الآبار المخالفة ومواصلة تنظيم استخدام المياه الجوفية عبر منظومة التراخيص الإلكترونية.

مياه الطلمبات المالحة

على بُعد عشرات الأمتار من أرض ماهر، تقع أرض أحمد عادل، الشاب في العقد الثالث من عمره، التي لا تتجاوز مساحتها 5 قراريط وهي كل ما آل إليه من ميراث والده، الذي شاركه العمل فيها منذ طفولته وتعلم على يديه أسرار الزراعة ومواسمها.

وإلى جانب عمله في الأرض، يعمل أحمد سائقًا على إحدى سيارات النقل الجماعي لتوفير احتياجات أسرته، خاصة بعد استقباله طفله الثالث قبل أيام قليلة. يقول لـ"فكر تاني" إن الاعتماد على الزراعة وحدها لم يعد كافيًا لتغطية متطلبات الحياة كما كان في الماضي.

ويصف أحمد كيف أن مياه الترع لم تعد تصل بصورة منتظمة، وحتى حين تتوافر تكون محملة بمخلفات وقمامة أو متأثرة بمياه الصرف الصحي، مما يجعل استخدامها في الري مصدر قلق دائم لدى المزارعين. ولهذا بات كثير من أصحاب الأراضي يعتمدون على مياه الآبار التي تُسحب من باطن الأرض عبر الطلمبات المعروفة محليًا بـ"البلف"، ورغم أنها توفر مصدرًا للمياه عند الحاجة فإنها تحتوي على نسب من الأملاح تؤثر تدريجيًا على التربة والمحاصيل.

ويستعيد أحمد ذكريات طفولته، قائلًا "وأنا طفل كنت أشوف الترعة هي شريان الحياة للأرض، وقتها كان يمكن واحد أو اثنين فقط عندهم بلف، لأن محدش كان محتاج يعتمد على مياه من تحت الأرض، كنا بنستخدم المياه البحاري".

اليوم تغيّر المشهد تمامًا، فبحسب أحمد أصبحت الطلمبات والآبار الجوفية الخيار المتاح للحفاظ على المحاصيل من العطش، "لكن هذا الحل له ثمن تدفعه الأرض مع مرور الوقت"، يقول إن تغير نوعية المياه انعكس على طبيعة المحاصيل وإنتاجيتها، فتراجع إنتاج بعض الزراعات مقارنة بالماضي وأصبح المزارعون أكثر حذرًا في اختيار الأصناف القادرة على تحمل الظروف الراهنة. كما ارتفعت تكاليف الزراعة نتيجة الحاجة إلى تشغيل الطلمبات واستخدام مدخلات إضافية للحفاظ على خصوبة التربة، وهو ما بات يصعب الاستمرار عليه. وينظر أحمد إلى حقله الصغير بصمت قبل أن يعبر عن حلمه الأبسط "كل اللي أتمناه إن الأرض تفضل هي بالنسبالي مش مجرد مصدر رزق، دي ميراث أبويا، وحابب أولادي يشوفوها زي ما أنا شفتها واحنا بنزرعها ونعيش منها".

أعباء إضافية

في الجهة المقابلة من أرضي أحمد وماهر، تقف زينب جمعة، وهي أم في السابعة والعشرين من عمرها، كل صباح أمام قطعة الأرض الزراعية التي تمثل مصدر رزق أسرتها. تحمل على كتفيها أعباء تتجاوز كثيرًا ما يحتمله جسدها النحيل، بين رعاية أطفالها الأربعة وإنجاز الأعمال المنزلية والعمل جنبًا إلى جنب مع زوجها في زراعة الأرض، في سباق دائم مع متطلبات الحياة والزراعة معًا.

تقول زينب لـ"فكر تاني" إن المشكلة لم تعد تقتصر على نقص المياه فحسب، إذ امتدت إلى تلوث مياه الترع في بعض الأحيان، مما يدفع أسرتها إلى الاعتماد بشكل أكبر على المياه الجوفية. ورغم أن هذه المياه توفر حلًا مؤقتًا للري، فإنها تحمل معها مشكلة ارتفاع نسبة الأملاح. ومع مرور الوقت بدأت آثار الملوحة تظهر جلية على الأرض والمحاصيل، فبعض النباتات أصبحت أقل إنتاجية وتراجعت جودة بعض المحاصيل مقارنة بالسنوات الماضية، فضلًا عن أن تراكم الأملاح في التربة يزيد من صعوبة الزراعة ويهدد خصوبة الأرض على المدى البعيد.

بالنسبة إلى زينب، لا تُقاس الأزمة بتراجع المحصول أو ارتفاع التكاليف وحدهما، إذ تمتد لتشمل ما تفرضه من أعباء يومية إضافية على أسرتها. فكل موسم زراعي أصبح معركة جديدة للحفاظ على الأرض والإنتاج في ظل نقص المياه وتزايد الاعتماد على مصادر أشد ملوحة، ويبقى هاجسها الأكبر مستقبل أرضها التي تعيش منها أسرتها، ومستقبل أبنائها الذين تعتمد حياتهم على ما تجود به هذه التربة.

وتدعم هذه المخاوف الميدانية دراسة علمية بعنوان "رصد تملح التربة وتشبعها بالمياه في شمال شرق دلتا النيل المرتبط بالمياه الجوفية المالحة الضحلة وجودة مياه الري"، نُشرت عام 2024 في مجلة Scientific Reports، وأعدها فريق بحثي برئاسة الدكتور محمد حجاج من قسم التطبيقات الهندسية والمياه بالهيئة القومية للاستشعار من البعد وعلوم الفضاء. وقد هدفت الدراسة إلى تقييم حجم تدهور التربة من خلال تحليل خصائص التربة والمياه الجوفية ومياه الري، واستخدام مؤشرات جودة المياه وصور الأقمار الصناعية والبيانات المكانية.

وتوصلت الدراسة إلى أن تدهور التربة في شمال شرق دلتا النيل يرتبط ارتباطًا وثيقًا برداءة جودة مياه الري وارتفاع منسوب المياه الجوفية المالحة الضحلة. وأظهرت نتائجها انتشار مستويات مرتفعة من التملح في المناطق الشمالية والوسطى من منطقة الدراسة، حيث صُنفت 64% من عينات التربة ضمن فئتي التربة شديدة الملوحة وشديدة الملوحة جدًا، وكشفت التحليلات أن زيادة تركيز كلوريد الصوديوم تمثل أحد العوامل الرئيسية المسؤولة عن هذه الظاهرة. كما كشفت الدراسة عن انتشار واسع لمشكلة تشبع التربة بالمياه في الأراضي المنخفضة شمال المنطقة، وأظهرت نتائج مؤشر جودة مياه الري أن 87.5% من عينات مياه الري تخضع لقيود شديدة بسبب ارتفاع الملوحة ومخاطر الصوديوم.

وقد رصد الباحثون وجود مياه جوفية مالحة ضحلة على أعماق تتراوح بين 0.5 و3 أمتار، تجاوزت فيها نسبة المواد الصلبة الذائبة الكلية 20 ألف ملجم لكل لتر، مع سيادة المياه الغنية بالصوديوم والكلوريد مما يشير إلى تسرب المياه المالحة. كما أظهرت النتائج وجود ارتباط إيجابي قوي بين المياه الجوفية المالحة الضحلة وارتفاع ملوحة التربة، إذ تجاوز معامل الارتباط 0.83.

وخلصت الدراسة إلى أن اجتماع ثلاثة عوامل رئيسية، هي رداءة جودة مياه الري وارتفاع منسوب المياه الجوفية المالحة الضحلة وانخفاض نفاذية التربة، أدى إلى تأثير تراكمي أضر بصحة التربة والإنتاجية الزراعية، وهو بعينه ما وجده ماهر وأحمد وزينب في أراضيهم بعد سنوات من الري بالمياه الجوفية.

تهديد استدامة الأرض الزراعية

يرى الدكتور محمد السيد الحجري، رئيس وحدة الري والصرف بمركز بحوث الصحراء، أن الاستخدام المتكرر للمياه الجوفية عبر الطلمبات في ري الأراضي الزراعية يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه استدامة هذه الأراضي، لا سيما حين ترتفع نسبة الأملاح فيها عن المعدلات التي تستطيع التربة تحملها.

ويوضح في حديثه لـ"فكر تاني" أن هذه المياه تحتوي على كميات مرتفعة من الأملاح الذائبة التي تتراكم تدريجيًا في منطقة الجذور نتيجة تبخر المياه واستهلاك النباتات لها. واستمرار هذا الوضع يؤدي مع مرور الوقت إلى زيادة ملوحة التربة وصعوبة امتصاص الجذور للمياه والعناصر الغذائية، فضلًا عن تدهور بنية التربة خاصة في حال ارتفاع تركيز الصوديوم، مما ينعكس على انخفاض الإنتاجية الزراعية وتراجع خصوبة التربة. ويزيد من خطورة الأمر أن تدهور التربة الناتج عن التملح يؤدي إلى سوء التهوية وضعف الصرف وتكون الأراضي الغدقة، وهو ما ينعكس سلبًا على صلاحية التربة للإنتاج الزراعي على المدى البعيد، ويترجَم في نهاية المطاف إلى انخفاض كمية المحصول وجودته نتيجة الإجهاد الملحي الواقع على النبات.

ويُضيف الحجري أن استمرار التملح يحد تدريجيًا من تنوع المحاصيل القابلة للزراعة، إذ تقتصر الزراعة في بادئ الأمر على النباتات المتحملة للملوحة، ثم تضيق الدائرة لتشمل النباتات الملحية وحدها، قبل أن تتراجع الإنتاجية مع مرور الوقت إلى مستويات كبيرة. ومع استمرار استخدام المياه المالحة تنخفض درجة تصنيف التربة تدريجيًا حتى قد تصبح غير صالحة للإنتاج الزراعي، وهو ما يمثل هدرًا حقيقيًا للموارد الطبيعية.

وفيما يتعلق بتقييم صلاحية مياه الآبار للري، يوضح الحجري أن الأمر يتطلب إجراء تحاليل دورية تشمل قياس التوصيل الكهربي والأملاح الذائبة الكلية ونسبة الصوديوم "المدمص"، إلى جانب درجة الحموضة والعناصر الرئيسية. كما يشير إلى إمكانية استخدام أجهزة قياس الملوحة المحمولة للحصول على مؤشر سريع، مع أهمية إرسال عينات المياه إلى المراكز البحثية المعتمدة لإجراء التحاليل الكيميائية والبيولوجية اللازمة، حفاظًا على صحة الإنسان والحيوان وضمانًا لسلامة المحاصيل.

وحين يُسأل عن الحلول المتاحة، يُشير الحجري إلى جملة من الإجراءات التي تساعد على الحد من آثار الملوحة، أبرزها تحسين الصرف الزراعي وإجراء الغسيل الدوري للتربة واستخدام الجبس الزراعي والتحول إلى نظم الري الحديثة وخلط المياه المالحة بمياه أقل ملوحة عند الإمكان وزراعة الأصناف المتحملة للملوحة وزيادة المادة العضوية في التربة. غير أنه يؤكد أن هذه الحلول تظل إجراءات تخفف من سرعة التدهور ولا تعالج جذور المشكلة في حال استمرار استخدام المياه المالحة بصورة دائمة. ولذا يرى أن الحل الأمثل يتمثل في معالجة المياه بوسائل علمية مبتكرة لتقليل ملوحتها وتوجيهها إلى الزراعة داخل الصوب والأنظمة الزراعية بدون تربة، بما يسهم في تقليل فاقد المياه الناتج عن التبخر والرشح ورفع كفاءة استخدامها وتحسين الجدوى الاقتصادية لوحدة المياه المستخدمة بعد المعالجة. ويشير كذلك إلى أهمية توجيه هذه المياه لزراعة المحاصيل النقدية خاصة الموجهة للتصدير، بما يساعد على تعويض تكاليف المعالجة وزيادة العائد الاقتصادي، مستشهدًا بتجارب ناجحة في دول كالأردن والمغرب تجاوزت فيها كفاءة استخدام المياه في بعض الأنظمة الزراعية 90%. ومع ذلك كله، يعتبر الحجري أن تملح التربة الناتج عن الاعتماد المتزايد على المياه الجوفية يمثل "خطرًا صامتًا" لأنه يتراكم بصورة تدريجية، غير أنه لا يزال قابلًا للاحتواء من خلال الإدارة السليمة للري والصرف والمتابعة المستمرة لجودة المياه والتربة والتدخل المبكر.

وتدعم هذه المخاوف دراسة علمية حديثة نُشرت في مارس الماضي في مجلة Scientific Reports التابعة لـ Nature Publishing Group، جاءت بعنوان "التقييم الهيدروكيميائي والجغرافي المعلوماتي لصلاحية المياه الجوفية للري باستخدام مؤشر IWQI في الهضبة الصحراوية الغربية لدلتا النيل بمصر"، وقادها الدكتور عبد الرحمن سيد أحمد، الباحث في قسم الموارد الطبيعية بكلية الدراسات الإفريقية العليا بجامعة القاهرة، بمشاركة عدد من الباحثين المصريين والدوليين.

غطت الدراسة منطقة تمتد عبر محافظات الجيزة والبحيرة والإسكندرية على مساحة تزيد على 7486 كيلومترًا مربعًا، بهدف تقييم جودة المياه الجوفية المستخدمة في الزراعة وتحديد المخاطر المرتبطة بها في مناطق الاستصلاح الجديدة.

واعتمد الباحثون على جمع وتحليل 41 عينة من المياه الجوفية من مزارع خاصة، مع حساب عدد من مؤشرات جودة مياه الري واستخدام نظم المعلومات الجغرافية لرسم خرائط التوزيع المكاني للنتائج. وأظهرت هذه النتائج أن مؤشر جودة مياه الري صنف 58.54% من العينات ضمن فئة "القيود الصارمة"، فيما جاءت 34.15% منها ضمن فئة "القيود العالية"، بينما لم تتجاوز نسبة العينات الواقعة ضمن فئة "القيود المتوسطة" 7.32%، وهو ما يعكس انتشار مشكلات الملوحة وارتفاع نسب الصوديوم في أجزاء واسعة من منطقة الدراسة.

وكشف تحليل المكونات الرئيسية أن متغيرات الملوحة، بما تشمل التوصيل الكهربائي والمواد الذائبة الكلية والصوديوم والكلوريد ونسبة امتزاز الصوديوم، كانت من أبرز العوامل المؤثرة في خصائص المياه الجوفية بالمنطقة. وأوضحت الخرائط المكانية أن نحو 62.46% من مساحة منطقة الدراسة، بما يعادل قرابة 4676 كيلومترًا مربعًا، صُنفت غير صالحة للري بسبب مخاطر القلوية الصودية المرتبطة بارتفاع تركيزات الصوديوم، بينما تبين أن 68.96% من المساحة غير مناسبة للري نتيجة ارتفاع تركيزات الكلوريد.

وخلصت الدراسة إلى أن جزءًا من المياه الجوفية لا يزال صالحًا للاستخدام الزراعي، لكن الاستمرار في استخدامها دون إدارة مناسبة قد يؤدي إلى تراجع نفاذية التربة وزيادة مشكلات القلوية. وأوصى الباحثون بتطبيق استراتيجيات إدارة تكيفية تشمل اختيار المحاصيل الملائمة لخصائص المياه المتاحة والمزج بين مصادر المياه المختلفة، إلى جانب تنفيذ برامج رصد ومتابعة دورية لجودة المياه والتربة.

وفي السياق ذاته، يعرب الدكتور أحمد عثمان، أستاذ الأراضي المتفرغ بمركز البحوث الزراعية، لـ"فكر تاني" عن رأيه في أسباب لجوء المزارعين إلى المياه الجوفية، إذ يحدد جملة من العوامل في مقدمتها التوسع الزراعي في مناطق تبعد عن مصادر شبكات وقنوات الري العمومية، وقلة كميات المياه المتاحة بالترع في بعض المناطق خاصة خلال فصل الصيف، ومواجهة النقص في كميات مياه الري بالأراضي الواقعة في نطاق نهايات الترع، فضلًا عن عدم انتظام وصول مياه الري في الوقت المناسب أو بالكميات المناسبة في بعض المناطق. وإلى جانب ذلك، يلجأ بعض المزارعين إلى امتلاك مصدر ري مستمر لتأمين عملية الري ومواجهة أي تغيّر طارئ فيها، أو رغبةً منهم في الاستقلال بإدارتها وفقًا لطبيعة بعض المحاصيل ونوعيتها، بالإضافة إلى مواجهة الموجات الحارة والتغيرات الجوية الحادة.

ويؤكد عثمان أن تنظيم الري بالمياه الجوفية مع الحفاظ على التربة والمحصول أمر ممكن، لكنه يتطلب إدارة المياه والتربة في إطار المنهج العلمي. ويوضح أن ذلك يبدأ بحفر البئر وفقًا لإرشادات وتوجيهات وزارة الموارد المائية والري لتحديد موقع البئر وعمقه وكميات المياه المتاحة يوميًا للسحب الآمن، ثم فحص وتحليل التربة وتحديد عمق القطاع الأرضي وخواص طبقاته المختلفة، وإجراء التحليل الشامل لمياه البئر الجوفي من حيث محتوى المياه من الأملاح ودرجة الحموضة ونوعية العناصر السائدة وتركيزاتها، مع متابعة دورية لمراقبة أي تغير في محتواها من الأملاح. وبناءً على هذه النتائج يتم تحديد نوعية المحاصيل التي يمكن زراعتها ونظم ووسائل الري المناسبة لها.

ويُشير عثمان إلى أن التربة تتأثر تأثرًا مباشرًا بجودة مياه البئر الجوفي المستخدمة في الري، ومن أبرز التغيرات المحتملة تراكم الأملاح بالطبقات السطحية من التربة ومنطقة انتشار الجذور، وتدهور بنية التربة وانخفاض نفاذيتها للمياه نتيجة زيادة نسبة الصوديوم، واندماج التربة وتعجنها وضعف تهويتها خاصة في الأراضي الطينية القوام، مع انبعاث روائح كريهة منها وانخفاض ملحوظ في نشاط الكائنات الحية الدقيقة المفيدة، فضلًا عن انتشار الأمراض الفطرية والبكتيرية في التربة وتعفن الجذور النباتية، وانخفاض قدرة النبات على امتصاص العناصر الغذائية وتراجع نموه وإنتاجه المحصولي.

وعن تأثير ذلك على إنتاجية الأراضي، يوضح عثمان أن الأرض قد تتراجع إنتاجيتها تدريجيًا رغم استمرار المزارع في استخدام نفس كميات الأسمدة والعمليات الزراعية المعتادة، نتيجة التدهور في خواص التربة الطبيعية كتدهور البنية والنفاذية. ومن أبرز المؤشرات المبكرة على ذلك الانخفاض التدريجي في إنتاجية الفدان وضعف نمو النباتات مقارنة بالمواسم السابقة وعدم انتظام نموها داخل المزرعة وغياب الإنبات في بعض المساحات واصفرار الأوراق أو احتراق أطرافها وعدم استجابة المحصول للأسمدة بنفس الكفاءة السابقة.

ويكشف عثمان عن رصده حالات عديدة في مناطق مختلفة على مستوى الجمهورية تراجعت فيها خصوبة الأراضي أو خرجت جزئيًا من الإنتاج، خاصة في الأراضي التي اعتمدت على مياه جوفية مرتفعة الملوحة دون مراعاة التدابير والاحتياطات اللازمة، أو نتيجة الإسراف في استنزاف مياه الآبار وعدم الالتزام بمعدل السحب الآمن. ويوصي بإجراء التحاليل الدورية مرة واحدة على الأقل سنويًا، أو كل موسم في المناطق المعرضة لمشكلات الملوحة، معتبرًا إياها أهم أدوات الوقاية من تفاقم المشكلات.

وفي مقابل هذه الرؤية، يقدم عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا وخبير الموارد المائية بجامعة القاهرة، قراءة مغايرة للمشهد، حيث يوضح أن الوادي والدلتا يعتمدان على خزان جوفي متجدد يتكون أساسًا من تسرب جزء من مياه الري إلى باطن الأرض أثناء عمليات الري بالغمر، وأن هذه المياه تُخزن في طبقات قريبة من سطح الأرض ويجري استخدامها في الزراعة، بل كانت تستخدم في بعض القرى قديمًا كمصدر لمياه الشرب قبل وصول شبكات المياه النقية إليها، وهو ما تدل عليه الطلمبات اليدوية التي كانت منتشرة في القرى المصرية قبل أن يتراجع استخدامها مع توسع خدمات مياه الشرب والصرف الصحي.

ويرى شراقي أن المياه الموجودة في هذا الخزان هي في حقيقتها مياه صرف زراعي تسربت إلى باطن الأرض، ويُميز في هذا الإطار بين نوعين من الصرف الزراعي في مصر، الأول صرف زراعي سطحي ينتقل عبر المصارف أو شبكات الصرف المغطى داخل الحقول، والثاني صرف زراعي تحت سطح الأرض يصل إلى الخزان الجوفي نتيجة تسرب مياه الري. ويرى أن هذا النوع الأخير لا يزال صالحًا للاستخدام الزراعي، مستندًا إلى أن مستويات التلوث فيه لا تؤثر على استخدامه الزراعي بصورة واضحة، وإن كانت تحتاج إلى قدر من الحذر عند استخدامها للشرب. ويعتبرها أفضل من مياه المصارف السطحية التي قد تستقبل مخلفات الصرف الصحي أو الصناعي في بعض المناطق، بينما تقتصر المياه المتسربة إلى الخزان الجوفي على الصرف الزراعي الذي تعرض لعملية ترشيح طبيعية خلال مروره بالتربة.

وفيما يتعلق بشكاوى المزارعين من تراجع الإنتاجية، يؤكد شراقي أن المياه الجوفية لا تؤثر في حد ذاتها على إنتاجية المحاصيل، موضحًا أن الإنتاج الزراعي يعتمد بالأساس على توافر العناصر الغذائية اللازمة للنبات داخل التربة. ويستند في ذلك إلى أن مياه الري، بما فيها مياه النيل حاليًا، لم تعد تمثل مصدرًا رئيسيًا للعناصر الغذائية للنبات كما كان الأمر قبل إنشاء السد العالي، حين كانت مياه الفيضان تحمل كميات من الطمي الغني بالعناصر المغذية، فأصبحت الإنتاجية مرتبطة بشكل أساسي ببرامج التسميد ونوع التربة. منبهًا إلى أن نوع التربة يعد أحد العوامل الرئيسية المؤثرة في اختيار المحاصيل وإنتاجيتها، فالتربة الطينية السائدة في الوادي والدلتا تناسب محاصيل معينة، بينما تجود محاصيل أخرى في الأراضي الرملية بالمناطق الصحراوية. ويشدد على أن ضعف الإنتاجية قد يرتبط بمشكلات التربة أو التسميد أو نقص الخبرة الزراعية، وليس بنوعية المياه وحدها، طالما كانت مطابقة للمواصفات المناسبة للزراعة، مشيرًا إلى أن المياه التي تقل ملوحتها عن 1000 جزء في المليون تصنف ضمن المياه العذبة الصالحة للاستخدام الزراعي.

وعلى الرغم من هذه التحديات المتشابكة وتباين الآراء العلمية حولها، لا يزال ماهر وأحمد وزينب متمسكين بأرضهم، أملًا في أن تستعيد قدرتها على توفير دخل مناسب، ومحاولةً منهم للحفاظ على الرقعة الزراعية المتبقية في مواجهة التوسع العمراني الذي التهم مساحات واسعة من الأراضي في السنوات الماضية.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة