تزدهر مواسم الإعلانات حول العالم وفق دورة سنوية متعاقبة، لا تتحرك ذروتها في مكان واحد في الوقت نفسه، بل تنتقل جغرافيًا مع الفصول والمناسبات مشكّلة ما يشبه خريطة متحركة للطلب على مدار العام، يتغير حجم الإنفاق فيها بتغير القطاعات، حيث يتجه المعلنون إلى ضخ جزء كبير من ميزانياتهم في فترات زمنية قصيرة.
في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، مثلًا، تشهد المنافسة الإعلانية ارتفاعًا ملحوظًا خلال مواسم بعينها يتصدرها شهر رمضان، إذ تشير توقعات مؤسسة "Statista" للأبحاث التسويقية إلى تجاوز سوق الإعلانات في مصر حاجز الـ2 مليار دولار خلال العام الحالي.
وقدّرت المؤسسة حجم الإنفاق الإعلاني في مصر بنحو 1.79 مليار دولار بنهاية عام 2025 بزيادة 8.7% عن عام 2024، مبينة أن أكبر سوق في مصر، هو إعلانات "البحث" بحجم سوق يبلغ 772.65 مليون دولار في عام 2025.
وعلى الرغم من انتهاء الماراثون الرمضاني، فإن آثاره الإعلانية تبقى لآخر العام، فهو الأعلى في المنافسة بين الشركات من كافة القطاعات المختلفة على مدار السنة، وشهد الموسم المنقضي زخمًا إعلانيًا كبيرًا، سواء من ناحية الميزانيات الإعلانية أو الاستعانة بالفنانين والممثلين للترويج لتلك الحملات.
ووفق تقديرات متداولة في سوق الميديا، يتراوح إجمالي إنفاق سوق الإعلانات المصري خلال رمضان بين 3.5 و4.5 مليار جنيه، ويمثل ذلك نحو 70 إلى 90% من الإنفاق الإعلاني السنوي الكلي، في حين يبلغ متوسط تكلفة الحملة الواحدة عشرات الملايين، في قطاع الاتصالات الذي يستحوذ على نصيب الأسد، في ظل تنافس 4 شركات رئيسية فيه.
لكن سؤال مثل "كم يضخ" في هذه السوق لا يبدو كاف من دون أن نسأل إن كانت هذه الملايين تحقق عائدًا يوازيها، أو تحقق عل الأقل الهدف المرجو منها؟ في وقت بات الجدل الجماهيري نفسه جزءًا من المعادلة، لا سيما بعد الضجة التي أثارتها الادعاءات عن الأجور المتداولة لبعض النجوم.
سعر الشهرة
في رمضان 2019، كان عمرو دياب يتصدر قائمة أعلى أجور الوجوه الإعلانية، بمبلغ مليون و300 ألف دولار، أي ما يعادل آنذاك نحو 22 مليون جنيه. الرقم كان صادمًا في وقته، غير أنه يبدو اليوم متواضعًا قياسًا إلى ما تتداوله الأوساط الإعلانية عن موسم 2026، إذ تشير تقديرات متداولة داخل الوسط، إلى أن حملة النجم ذاته هذا الموسم، التي ضمت أبناءه الأربعة في أول تجربة إعلانية عائلية مشتركة، بلغت تكلفتها الإجمالية نحو 78 مليون جنيه، منها 60 مليونًا أجرًا للنجم، و20 مليونًا لشراء مساحات البث، و5 ملايين للإنتاج، و3 ملايين للألحان والكلمات.
وفي السياق ذاته، تصدرت أسماء نجوم آخرين قائمة أعلى أجور إعلانية، ومنهم الفنانة عبلة كامل، التي تشير التقديرات إلى أنها تقاضت نحو 25 مليون جنيه (نحو 500 ألف دولار)، مقابل ظهور قصير على الشاشة، وهو مبلغ يفوق بكثير أجرها في الجزء الأخير من مسلسل "سلسال الدم" في عام 2018، الذي بدأ طرحه عام 2013، ولم يتجاوز راتبها فيه ثلاثة ملايين جنيه.
ومقابل الظهور في الإعلان نفسه، حصلت الممثلة ياسمين عبد العزيز على نحو 15 مليون جنيه، وهو أقل من أجرها في مسلسل "وننسى اللي كان"، الذي عُرض خلال الشهر ذاته، إذ بلغ نحو 30 مليون جنيه. بدورها، حصلت منة شلبي على المبلغ نفسه، فيما وصل أجرها في مسلسل "صحاب الأرض"، الذي عُرض خلال النصف الأول من رمضان، إلى نحو 40 مليون جنيه، ما يعكس الفارق بين جهد العمل الدرامي الطويل والعائد السريع للإعلانات.
كما ارتفع أجر المغني تامر حسني في إعلان قدمه برفقة أبنائه ووالدته إلى نحو 35 مليون جنيه، بزيادة تقارب عشرة ملايين عن آخر إعلان شارك فيه عام 2025.
وعلى الرغم من تلك الكثافة الإعلانية، لا توجد بيانات رسمية تربط إعلانًا بعينه بعدد الاشتراكات أو الإقبال على السلعة، لكن المؤشرات الداخلية تتحدث عن الوعي بالعلامة التجارية ومتوسط العائد لكل عميل.
وعلى الصعيد ذاته، تشير أحدث توقعات مؤسسة Statista إلى نمو متسارع لسوق الإعلانات في مصر خلال السنوات المقبلة، مدفوعًا بالتوسع الكبير في الإعلانات الرقمية والتحول المتزايد نحو المنصات الإلكترونية.
وتتوقع المؤسسة أن الإعلانات الرقمية ستواصل توسيع حصتها في السوق، لتبلغ نحو 79% من إجمالي الإنفاق بحلول عام 2029، في حين ستسهم الإعلانات البرمجية بنحو 85% من إجمالي الإيرادات، ما يعكس التحول الهيكلي نحو النماذج الرقمية المعتمدة على البيانات، مبينةً أن حجم الإنفاق على إعلانات السوشيال ميديا بلغ 304.55 مليون دولار في 2025، مع نمو سنوي بنسبة 10% ليبلغ 445.88 مليون دولار في 2029، بينما وصل الإنفاق على الإعلانات داخل التطبيقات إلى 304.56 مليون دولار في 2025، قبل أن يرتفع إلى 402.29 مليون دولار بحلول 2029.
ويُتوقع أن ينمو سوق اللافتات الرقمية ليصل إلى 287.36 مليون دولار، بحلول 2029، في حين يتجاوز حجم سوق إعلانات الفيديو والتلفزيون الرقمية 218 مليون دولار في 2025.
وقفز إجمالي الإنفاق على الإعلانات الخارجية في مصر بنسبة 60% خلال عام 2025، ليصل إلى 12.7 مليار جنيه، وفقًا للـتقرير السنوي السادس لشركة AdMazad عن حالة سوق الإعلانات الخارجية، الذي كشف عن تحول ملموس في صدارة السوق من الهيمنة العقارية نحو ما يعرف بـ "اقتصاد العلامات التجارية"، مدفوعًا بشراكة استراتيجية بين كبار المصنعين وقطاع الخدمات المالية.
وبيّن التقرير أن استثمار قطاع الخدمات المالية سجل في الإعلانات الخارجية نموًا بنسبة 67%، حيث تحولت البنوك وشركات التكنولوجيا المالية في رسائلها التسويقية، من التركيز على الصورة المؤسسية إلى الترويج لفرص الائتمان وتسهيلات السداد للمستهلكين، وقد ساهم هذا التوجه في تمكين المصنعين من الحفاظ على تدفق مبيعاتهم، عبر التركيز على "سهولة الدفع".
ما يراه الخبراء
حذر الخبراء من ظاهرة "المزايدة الإعلانية"، حيث ترفع إحدى الشركات سقف إنفاقها فتضطر المنافسة إلى اللحاق بها في سباق قد يتجاوز الحسابات التقليدية للربح.
من جانبه، يوضح خالد البرماوي خبير الإعلام الرقمي، أن ميزانيات الإعلانات في مصر تشهد تغيرًا واضحًا خلال السنوات الماضية، لا سيما مع منافسة المنصات الرقمية على الساحة الإعلانية.
وعن مدى تحقيق الاعتماد على الفنانين الكبار في الحملات الإعلانية عائدًا استثماريًا حقيقيًا مقارنة بالإعلانات الموجهة، يبيّن الخبير الإعلام في تصريحات لـ"فكر تاني"، أنه لا يوجد تعارض بين النوعين، وأن الفئات المستهدفة من التصنيفين تختلف فيما بينها، لافتًا إلى أن أجر الفنان يحدد وفقًا لعدد المتابعين له على المنصات الرقمية المختلفة، ومعدل التفاعل على صفحاته، ونوع الجمهور، وأيضًا قوة العلامة الشخصية ومدى تأثيره على المتابعين.
ويشير البرماوي إلى أن الفجوة بين قيمة الأجور التي يحصل عليها الفنانون والأداء والتأثير الفعلي للحملة، تعد شيئًا نسبيًا وفق طبيعة الحملة والفنان، خاصة مع أدوات التحليل الرقمي وقياس الأداء التي ساهمت في قياس وتوجيه الحملات الإعلانية، والتي ساعدت في إدارة الحملة بشكل أكثر تأثيرًا.
مضيفًا أنه على الرغم من تطور القطاع الإعلاني في مصر خلال السنوات الماضية، فإنه لا يزال ضعيفًا مقارنة بالأسواق الأخرى في المنطقة العربية، بالإضافة إلى تزايد معدلات التضخم التي أثرت بشكل واضح على الحصص السوقية التي تخصص للدعاية والإعلان، مما نتج عنه "فقاعة الأسعار" التي يعاني منها حاليًا سوق الإعلان الرقمي في مصر، فضلًا عن غياب العدالة والاحترافية والتنظيم عن عملية التسعير في سوق الإعلانات، لا سيما مع هيمنة المنصات الرقمية والتضخم.
وتوقع خبير الإعلام الرقمي، أن تشهد السنوات القادمة تراجعًا في الاعتماد على الفنانين الكبار والتوجه نحو الاعتماد على المؤثرين (الإنفلونسرز) للوصول إلى شريحة أكبر من الجمهور، ولكن لا يمكن الاعتماد على ذلك على المدى الأبعد، في ظل تطور الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي، التي أضافت شريحة جديدة من التنافس في ذلك القطاع.
وفي السياق ذاته، بيّنت بسنت جمال، مسؤولة قطاع العلاقات العامة في إحدى شركات القطاع الخاص، أن سوق الإعلانات في مصر يشهد خلال السنوات الأخيرة تحولات ملحوظة في خريطة الإنفاق واستراتيجيات الحملات، مدفوعة بتغيرات اقتصادية متسارعة وتوسع واضح في الاعتماد على المنصات الرقمية.
وخلال حديثها لـ "فكر تاني"، أوضحت أن السوق الإعلاني "لم يعد كما كان قبل خمس سنوات"، مشيرةً إلى أن جزءًا كبيرًا من الميزانيات تحوّل تدريجيًا نحو المنصات الرقمية، في ظل بحث الشركات عن نتائج قابلة للقياس وعائد استثماري واضح. وأشارت إلى أن التلفزيون لا يزال يحتفظ بمكانته، خاصة خلال المواسم الكبرى مثل شهر رمضان، لكن توزيع الميزانيات أصبح أكثر تنوعًا، مع تخصيص نسب أكبر للإعلانات الموجهة عبر السوشيال ميديا. وأضافت أن "العملاء أصبحوا أكثر تركيزًا على الأرقام وتحليل الأداء، ولم يعد الانتشار وحده كافيًا لإقناعهم".
وبشأن الارتفاع الملحوظ في أجور بعض الفنانين المشاركين في الحملات الإعلانية، أشارت المسؤولة إلى أن الأمر "يخضع في الأساس لآلية العرض والطلب"، موضحةً أن النجم الذي يحقق تأثيرًا ملموسًا في المبيعات أو في انتشار العلامة التجارية يصبح أجره مبررًا من وجهة نظر الشركات.
غير أنها أقرّت بوجود "حالات محدودة قد تشهد تضخمًا في الأسعار"، خاصة في المواسم ذات المنافسة المرتفعة، ما يضع ضغوطًا إضافية على الميزانيات.
ولفتت إلى أن الشركات الصغيرة والمتوسطة أصبحت أكثر تحفظًا في التعاقد مع نجوم كبار بسبب التكلفة المرتفعة، بينما لا تزال العلامات التجارية الكبرى تعتمد على المشاهير، لكن بصورة أكثر دراسة وانتقائية، مشيرة إلى تنامي الاعتماد على المؤثرين الرقميين، خاصة من الفئات المتوسطة والصغيرة، باعتبارهم أقل تكلفة وأكثر قدرة على استهداف شرائح محددة من الجمهور.
في النهاية، بات الأكيد أن مفهوم الإعلانات قد تبدل من مجرد فاصل ترويجي إلى "بورصة" تتحكم في موازين القوى داخل سوق الترفيه، حيث لم تعد الملايين تُدفع مقابل دقائق من البث، بل لاقتناص لحظة انتباه في ذاكرة جمعية مزدحمة وصاخبة.