أرواح معلّقة في جحيم الهلع.. تحت قمع الجندر

"ثمة خطب ما بي، لكن لا أستطيع شرحه"؛ تكررت هذه الجملة بصيغ مختلفة في كل مقابلة أجريتها؛ سواء على لسان شابة تعاني من نوبات هلع ويتهمها المحيطون بالمبالغة، أو شاب يخشى أن يُوصم بالضعف.

نوبات الهلع ليست مجرد قلق عابر، هي اضطراب حاد قد يتطور إلى شعور بالانفصال عن الجسد أو العالم. وفي مجتمعات تحاصر الحديث عن الصحة النفسية بالوصمة، يضاعف النوع الاجتماعي (الجندر) المعاناة: إذ تُتَّهم النساء بـ"الدراما"، بينما يُطالَب الرجال بالكتمان.

يرصد هذا التحقيق تأثير النوع الاجتماعي على تجربة نوبات الهلع واختلال الآنية من خلال شهادات حية وآراء طبية، كاشفًا عن ألم يعيشه كثيرون في صمت وخلف أسماء مستعارة، خوفًا من أحكام المجتمع.

في حفرة مظلمة بلا مقاومة

بدأت هند (32 عامًا، من السعودية) تعاني من نوبات الهلع منذ الطفولة؛ إذ مرت بأول نوبة في السادسة من عمرها، ثم تتكرر الأمر في الثامنة عشرة والثالثة والعشرين. تصف تجربتها، لـ فَكّر تاني، فتقول: "كانت نوبات هلع لا أستطيع التحكم فيها، وكأنني أُسحب إلى حفرة مظلمة بلا مقاومة".

تعاني هند أيضًا من وسواس قهري طاردها منذ الطفولة، يتجلى في خوف مفرط من الموت وتوقع الكوارث: "حين يسافر أحد أفراد عائلتي، أتخيل أنه سيتعرض لحادث، وأتصور لحظة سماعي للخبر وردة فعلي.. مجرد التخيل يجعلني أعيش الفاجعة، وتنتهي الحالة بنوبة هلع حقيقية".

تبدأ نوبات هند بغصة في الصدر، ثم تسارع في خفقان القلب، وصعوبة في التنفس، يعقبها تعرق شديد، ثم رعشة وتنميل بالأطراف، وأخيرًا تفقد القدرة على التنفس وتصرخ طلبًا للمساعدة، لتنقلها أسرتها إلى الطوارئ، وتتلقى حقنة مهدئة وأكسجين، وأحيانًا مسكنات ألم.

"أسوأ ما قد يحدث هو تلقي خبر مفاجئ ليلًا؛ أبقى أفكر فيه وأضخّمه في رأسي حتى يجافيني النوم، وإن نمت تطاردني الكوابيس. البعض يظن أن التفكير الإيجابي يكفي، وآخرون يوصوتني بالرقية أو زيارة طبيب نفسي، لكن من لم يعش التجربة لن يفهمها. كثيرون يسخرون مني ويقولون إنني سأُصاب بالجنون، وهذا يؤذيني بشدة".

تتناول هند اليوم الأدوية وتحاول علاج نفسها بدعم أسرتها وإيمانها، بعد أن مرت بانهيار عصبي شعرت خلاله أنها على وشك فقدان حياتها.

صورة تم إنتاجها بالذكاء الاصطناعي
صورة تم إنتاجها بالذكاء الاصطناعي

أنهار وحدي.. ولا أحد يرى

هدى في الرابعة والثلاثين من عمرها وهي أم لثلاثة أطفال بينما يعمل زوجها خارج البلاد، ولا تزال تعاني من نوبات هلع متكررة منذ سنوات. "مررت بلحظات شعرت فيها وكأنها نهاية العالم، وغالبًا ما كنت أواجه هذا وحدي".

تصف هدى نوبات الهلع التي تمر بها، فتقول: "تتجاوز الخوف العابر: خفقان، وضيق تنفس، ورعشة، وبرودة في الأطراف، وألم بالعينين. لكن أشد ما يؤلمني هو إحساس الوحدة: "حتى عندما أتكلم، أشعر وكأنني أتحدث في الفراغ".

تُفضّل هدى الكتمان خوفًا من نظرة المجتمع، ورغم ترددها على عدة أطباء وتناولها المهدئات، لم تجد التحسن المنشود. "الكل يراني صامدة، ولا أحد يدرك ما ينفجر في داخلي".

متهامات بالمبالغة.. ممنوعات من العلاج

يعلّق الدكتور علاء رجب، استشاري الطب النفسي، على هذه التجارب فيؤكد أن النساء، رغم ميلهّن للتعبير عن مشاعر القلق أكثر من الرجال، غالبًا ما يواجهن اتهامات بالمبالغة أو "الدراما"، وهذا يعرقل التشخيص الدقيق والوصول للعلاج المناسب.

ويدعم هذا الواقع الأرقام الرسمية؛ فوفقًا لتقرير منظمة الصحة العالمية (WHO)، تعاني النساء من اضطرابات القلق، بما في ذلك نوبات الهلع، بنسبة تزيد بحوالي 60% مقارنة بالرجال، ويُعزى ذلك إلى تداخل عوامل بيولوجية، وهرمونية، واجتماعية تزيد من حدة الضغوط الواقعة عليهن.

لا أشعر بالواقع.. لعنة اختلال الآنية

منذ الثانية عشرة من عمره، بدأ كريم (31 عامًا، من مصر، موظف أمن) يعاني من نوبات هلع مفاجئة: ضيق حاد في التنفس، وشعور بموت وشيك، وارتباك، ثم عجز عن التواصل. يقول في شهادته لـ فَكّر تاني: "كنت أتكلم ولا أحد يفهمني، والجميع يقول: أنت بخير".

نشأ كريم في بيئة تعتبر الخوف ضعفًا، فكان يكتم مشاعره حتى في أصعب اللحظات. يتذكر نوبة شديدة أصابته في المسجد حين طُلب منه إمامة المصلين: "خفق قلبي بعنف، وشُلّ جسدي، وارتعبت من الفكرة". بعدها بدأ يتجنب الصفوف الأمامية، ثم صلاة الجماعة، قبل أن يعود تدريجيًا لأداء صلاة الجمعة فقط، وبحذر شديد.

مع الوقت، ظهر لديه "اختلال الآنية": شعور دائم بأنه يعيش في حلم، وكأن غشاوة تفصله عن الواقع. يوضح: "الناس يبدون كممثلين، والأحداث كأنها فيلم. قد أراك اليوم وأشعر أن آخر لقاء مر عليه أشهر. لا أشعر بجسدي.. لكن الألم موجود".

يرى كريم أن الاختلال أصعب من الهلع، إذ يستعصي فهمه على المحيطين: "في نوبات الهلع قد يتعاطف الناس معك، أما هنا فلا يرون المشكلة أصلًا". غياب الأمان هذا حتى في أقرب العلاقات جعله يتجنب البوح، ويشعر وكأنه في غرفة عازلة للصوت. "لو صرخت، لن يسمعني أحد".

"بالنسبة لي، نوبات الهلع لها مسبب وعلاج، أما اختلال الآنية فهو (لعنة) جذورها تمتد إلى الطفولة وسوء التربية. البيت هو أول مكان نتعلم فيه معنى الأمان.. أو العكس تمامًا".

صورة تم إنتاجها بالذكاء الاصطناعي
صورة تم إنتاجها بالذكاء الاصطناعي

أسرى صورة "الرجل القوي"

تفسيرًا لهذه الحالة من الكتمان، يشير الدكتور علاء رجب إلى أن الرجال في المجتمعات العربية يواجهون ضغوطًا هائلة لإظهار الصلابة وكتمان الخوف، ما يدفعهم لتفسير الأعراض النفسية على أنها مشكلات جسدية بحتة، وبالتالي يتأخر طلبهم للعلاج النفسي بشكل ملحوظ مقارنة بالنساء.

وهو ما تؤكده الدراسات العلمية، إذ تشير دراسة نشرتها مجلة Journal of Anxiety Disorders إلى أن الرجال يميلون لتأخير زيارة الطبيب النفسي بمعدل يتجاوز 12 شهرًا مقارنة بالنساء بعد أول نوبة هلع، وذلك خوفًا من الوصمة الاجتماعية.

وتعمق الدراسات المحلية هذه الفجوة؛ فقد وجدت دراسة عربية نُشرت في مجلة "الصحة النفسية العربية" عام 2021 أن 72% من الذكور الذين يعانون من أعراض هلع لا يطلبون مساعدة متخصصة (مقارنة بـ 54% من النساء)، وكان السبب الأساسي للامتناع هو الخوف من الوصمة بنسبة 83%.

وفي سياق متصل، أظهرت دراسة اجتماعية شملت مصر والأردن ولبنان (2020) أن 74% من الذكور يخشون فقدان احترام المجتمع إذا صُنّفوا كمرضى نفسيين، مما يفسر لجوء الكثيرين منهم للصمت التام.

صورة تم إنتاجها بالذكاء الاصطناعي
صورة تم إنتاجها بالذكاء الاصطناعي

كيف نتعامل طبيًا مع مريض الهلع؟

غالبًا ما تبدأ رحلة مريض الهلع في غرف الطوارئ وليس في العيادات النفسية؛ نظرًا لطبيعة الأعراض الجسدية الحادة. هنا، يوضح الدكتور هيثم خليل، استشاري ورئيس قسم الطوارئ، أن أعراض نوبات الهلع - مثل تسارع ضربات القلب، وضيق التنفس، والتعرّق، والخوف من الموت - تتشابه بشكل كبير مع الأزمات القلبية أو الجلطات؛ لذا يتعامل الأطباء معها بحذر شديد.

ويشير خليل إلى أن البروتوكولات الطبية تحتم البدء بفحوصات عاجلة (رسم قلب، وتحاليل دم، وأشعة) لاستبعاد الأسباب العضوية الخطيرة قبل تأكيد التشخيص النفسي. وحتى مع المرضى صغار السن أو من لديهم تاريخ نفسي، لا يتم افتراض التشخيص النفسي مسبقًا لضمان سلامة المريض.

ووفق خليل، فإن توفر الدعم النفسي داخل أقسام الطوارئ ضرورة صارمة لمنح المريض طمأنينة فورية وتخفيف الضغط عن الفريق الطبي، مع ضرورة التكامل بين التقييم الجسدي والنفسي لضمان رعاية شاملة.

أما فيما يتعلق بـ "اللعنة" التي وصفها "كريم" في شهادته، والتي عجز المحيطون عن فهمها، فيشرح الدكتور علاء رجب علميًا ما يُعرف بـ "اختلال الآنية" أو "تبدّد الشخصية". ويوضح أنه اضطراب تفككي (انفصالي) يشعر فيه الشخص بانفصال عن ذاته أو محيطه، ويشبه العيش في حلم أو خلف حاجز زجاجي.

ويشير رجب، في تصريحاته لـ فَكّر تاني، إلى أن هذا الاضطراب غالبًا ما ينتج عن القلق الحاد أو الصدمات، وقد يظهر عقب نوبات الهلع المتكررة. ورغم صعوبة الحالة، يؤكد أن العلاج ممكن عبر الدمج بين العلاج النفسي (السلوكي والمعرفي) وأحيانًا الدوائي، لكن تكمن المعضلة الأساسية في صعوبة وصف المريض لشعوره بدقة، مما قد يؤدي إلى سوء الفهم أو تجاهل الحالة من قبل غير المتخصصين.

الصحة النفسية حق لا رفاهية

تكشف الشهادات الحية والآراء الطبية التي استند إليها هذا التحقيق، أن نوبات الهلع تتجاوز كونها مجرد أعراض نفسية قاسية، لتكون انعكاسًا لمزيج معقد من العوامل البيولوجية والموروثات الاجتماعية والثقافية، حيث يلعب "النوع الاجتماعي" دورًا محوريًا في تشكيل التجربة ومآلاتها.

فبينما تواجه النساء حصار الاتهامات بالمبالغة و"الدراما"، يرزح الرجال تحت وطأة معايير الرجولة التقليدية وتنميطها الذي يفرض الصمت ويجرم الضعف؛ وهو ما يؤدي في الحالتين إلى نتيجة واحدة: مضاعفة حدة المعاناة وتأخير الوصول إلى العلاج.

إن الخطوة الأولى نحو الحل، وفق الخبراء، تكمن في كسر دائرة الوصمة، وتوفير مساحات آمنة للبوح، وتكثيف التوعية المجتمعية لتصحيح المفاهيم المغلوطة. هذه ليست مجرد إجراءات تحسينية، بل ضرورات ملحة لتحويل المعاناة من صراع صامت يؤكل الأرواح إلى رحلة تعافٍ ممكنة؛ فالصحة النفسية ليست رفاهية، وهي حق إنساني أصيل، يستحق أن يُصان بلا خوف أو خجل.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة