ليس جديرًا بالانتساب إلى الإنسانية مَنْ لا يفكر في غيره، ولا يأسى لآلام البشر، ولا ينحاز إلى المظلوم ضد الظالم.. إلى الحق ضد الباطل.. إلى الخير ضد الشر.. إلى الجميل ضد القبيح.. إلى المعنوي ضد المادي.. وإلى ما يفترض أن يكون ضد ما هو كائن.
ولو بالقلب.. أضعف الإيمان، لا بد للإنسان أن يقاوم، وليس شرطًا أن يحوز النجاح ولا أن توضع أكاليل الغار على رأسه، بل إن دوره أن يسعى.. ولكل إمريء ما سعى.
متى يختزل المرء همه وفرحه وأحلامه وإحباطاته طموحاته وانكساراته وانتصاراته وهزائمه، في ذاته المفردة، تضيق روحه وتتضاءل نفسه، ويتشوش وعيه بكينونته في هذا الكون الواسع الذي يتألف من آحاد البشر، ليس بصفتهم عناصر حرة منفلتة طليقة، بل بكونهم جزءًا من كل.. من نسق أكبر.. من مجموع الآحاد.. من بني آدم الذين حملوا الأمانة التي أبت السماوات والأرض حملها.
صحيح أن للإنسان مطلب ذاتية، وكثيرًا ما يجد نفسه مدفوعًا بقوة الأقدار إلى الصراع بغية نيلها، لكن حتى عندئذٍ ليس عليه أن ينسى أنه ليس وحده، بل هو جزء من الكون المعمور.
عقبال كل ولاد الناس
لدى ارتماء علاء عبدالفتاح في حضن أمه الدكتورة ليلى سويف، بعد خروجه من محبسه، وقضائه خمس سنين مثلت الحكم عليه، ونحو سنة زيادةً، تمتمت الأم البطلة: "عقبال كل ولاد الناس".
عبارة لا ينبغي أن تمر بغير تدبر إلا على ذي القلوب التي عليها أقفال صدئة.
درس عظيم وبليغ في معاني الإيثار الإنساني، وفي التعاطف تفاعلًا قلبيًا ووجدانيًا مع الآخر، وعملًا دؤوبا لا تكبحه أوجاع الأنا.
الحرية حق لـ"كل محبوس" خلف القضبان الصمَّاء.. كل مَنْ يصطلي نيران التدوير، ويفقد يومًا بعد يوم الأمل في انفراجة، ويعانق القهر الذي يطول حتى ليبدو أبديًا، ثقيلًا كجبل يتمطى فوق الصدور المحزونة.
كل محروم من دفء السرير، ومن الوجبة الساخنة، ومن التشمس تحت سماء الله، ومن النظر إلى وجوه من يحب، ومن زرقة ورائحة البحر، ومن خضرة الأشجار ومن الأسفلت.. كل مسجون له الحق في الحرية، طالما لم يثبت عليه بالأدلة القاطعة لا الظنون ارتكابه جريمة.
"عقبال كل ولاد الناس".. عبارة تنحاز لذلك، وتؤكد عليه، وتؤسس للمبدأ الأخلاقي المطلق.
في لحظات الفرح الكبير، قلمَّا يتذكّر الإنسان أصحاب الابتلاء.. يتذكرهم حين يستبد به الكرب، ويستعمره اليأس، ويتغشاه الأسى والحزن، من منطلق أنه معهم وأنه معهم في الدائرة الجهنمية ذاتها، يحس بهم ويستشعر أوجاعهم.
لكن حين تتفلت يداه، وتتحرر حياته من المحنة، قلما يذكرهم.. إن الإنسان كان نسيًا.
تستخف السعادة الإنسان فيرشف قطراتها الندية، مستغرقًا في ذاته، منصرفًا إلى ترميم ما تقوض من نفسه، وتضميد ما ينزف من جروحه.
مسيرة طويلة على الأشواك
والمؤكد أن لحظة فك القيود من يديَّ علاء عبدالفتاح، كانت سبقتها رحلة شاقة وأليمة مشت فيها الأم ببطولة وإباء على الأشواك، وخاضت نضالًا أسطوريًا وكفاحًا ملحميًا ضد استمرار حبس فلذة كبدها، رغم انقضاء مدته القانونية.
إضراب عن الطعام اقتربت فيه الدكتورة ليلى إلى هاوية النهاية، توَّسل محبوها، وهم محبو كل ما هو جميل لذاته، أن تكسره بلقيمات يقمن صلبها، فرفضت: "عشت طويلًا ولا رغبة لي في زيادة من حياة أرى فيها ابني تحت نير الظلم".

المرأة التي تكاد أن تنهي عقدها السابع، لم تدخر جهدًا، ولم تستكن أمام واقع بائس غليظ فظ؛ تحركات حقوقية محلية ودولية، ومناشدات للسلطات بتحرير الابن الذي سدد فاتورة فادحة: "ابن علاء؛ حفيدي مريض توحد في حاجة إلى أبيه، وأنا لا غاية أنشدها ولا مطلبًا أرومه في هذه الدنيا، إلا أن أقضى ما تبقى من أيامي -وهو ليس بكثير- بجواره".
طرقت أبواب الخارجية البريطانية، استنادًا إلى أن علاء يحمل جنسيتها.. أجرت لقاءات صحفية مع كبرى وسائل الإعلام الدولية.
قال الأطباء إنها تحتضر.. وثابرت.
ذرفت ابنتاها الدموع: أرجوكِ يا أماه لا ترحلي.. فلم ترحل.
امرأة تضعضع قلبها.. دكت حوافر الحزن صدرها، وهن العظم منها واشتعل رأسها شيبًا، تخوض بجسمها الضعيف وأمعائها الخاوية ومستويات السكر التي انخفضت إلى درجات لا يحيا معها الإنسان في العادة، معركة ضروسًا لانتزاع حرية ابنها البكري؛ ورجلها الوحيد بعد رحيل أبيه المثال والقدوة؛ القديس أحمد سيف الإسلام، رحمة الله عليه.
وها هو علاء بكل شغبه و"شقاوته".. وكل صخبه وضجته في أحضانها.
آن للقلب الجريح أن يستريح.. كذلك يفكر الإنسان العادي.
لكن من ذا الأحمق الذي يقول بأن ليلى سويف عادية؟
لو اكتفت بحضن ابنها، ولم تنبس ببنت شفة، لما لامها لائم.
يكفيها ما تكبدته، لقد تحملت فوق طاقة البشر.

غير أن ليلى سويف بكل ما تتسم به من سمو إنساني وأخلاقي، وبما تحتويه تحت ضلوعها من قلب كبير، لا يتسع لأبنائها فحسب، بل لكل ذي مظلمة، وبمنتهى العفوية التي لا تتوخى "اللقطة"، ولا تسعى لـ"اصطياد التريند"، ولا الاتشاح بعباءات البطولة الزائفة.. قالت: "عقبال ولاد كل الناس".
وهنا تجسدت البطولة.
ليست ليلى سويف عادية
لو تفقدت جراحها الذاتية، وعكفت على تضميدها فحسب، لما جرؤ مزايد على تأثيمها، ولكانت عندئذٍ إنسانة عادية مثلي ومثلك، إنسانة كالملايين من البشر، الذين ينكفئون على أنفسهم في وقت كهذا.
في لحظة التداني بعد التنائي، كانت الأم البطلة كعدَّاء ركض وركض حتى قطع ماراثون شاقًا طويلًا على نفس واحد؛ عشر سنوات وعلاء خلف القضبان، وحين وصلت إلى خط النهاية، وارتمى الغائب في حضنها، لم تصعد إلى منصة التتويج، بل لم تتوقف لالتقاط أنفاسها المبهورة.
نظرت إلى الوراء لتفقد الذين لم يصلوا بعد، وكلها توق صادق أن يلحقوا بها بأسرع ما يكون.. فبذلك يستطاب النصر.. بأن يحظى الكل لا الواحد بحق الحياة.
واهنةً كانت.. وكان علاء كذلك.
فقد كلاهما الكثير من الوزن.
حالة الأم العظيمة أفضل بالقطع مما كانت عليه قبل بضعة شهور، في ذروة إضرابها عن الطعام الذي استمر 287 يومًا، لكنها حتى بعد أن فكت الإضراب ليست على ما يرام.
علاء بدوره بدا شاحبًا، فقد الكثير من الوزن ومن الكتلة العضلية، من أثر إضرابه عن الطعام خلف الأسوار، كما سقط من شعر رأسه الكثير، وهذا طبيعي بالنظر إلى سوء التغذية وقلة التعرض للشمس، أو الحرمان منها بالكلية في الحبس الانفرادي.
الأم والابن معًا في أقسى ضعفهما، جسدا أسمى معاني البطولة.

إعادة تعريف البطولة
البطولة الأخلاقية والفكرية التي تتجلى في مواجهة التحديات، بقلب جسور.. قلب لا ينكص عن المطالبة بما يرتأيه حقًا، معتصمًا بموقف إنساني نبيل ومتكامل لا مجال لتجزئته.
كل مشهد من مشاهد نضال ليلى سويف، منذ أودع علاء خلف القضبان، جدير بأن يغدو درسًا إنسانيًا ملهمًا، ليس للأجيال الحاضرة والقادمة من المصريين، بل للبشرية بأسرها.
خرج علاء وستتبوأ الأم البطلة ذات يوم مكانها اللائق إلى جانب الرموز من المناضلين الكبار، الأعلام البازغين، على غرار عمر المختار، وغاندي، وجميلة بوحيرد، وهو شي منه، ومانديلا، وغيرهم من رسل الإنسانية أولي العزم الصادقين.
بطولة ليلى سويف في أنها كانت قوية بالدرجة التي تحملت فيها ضعفها.. في أنها رغم لحظات البؤس التي كاد الأمل أن ينطفئ فيها، لم تكف عن نضالها، ولم تسقط الراية التي حملتها بيديها الضعيفتين.
كم هي عظيمة هذه الأسطورة التي تسمى ليلى سويف؟

وكم كانت عظيمة في كل الأوقات؟ حتى في الأوقات التي غمرها اليأس فيها، وعصفت بها رياح الأسى ودمدمت الأحزان.
ذروة العظمة وقمة الاتساق مع الذات تجلت في عبارتها العفوية المدهشة: "عقبال كل ولاد الناس".
كذلك تكلمت المرأة التي هزمت الصعب، وناضلت بأرماقها "الأخيرة" -كما كنا نظن ونخشى- لانتزاع حرية ابنها، وحين تم لها ذلك، فكّرت في الأمهات اللاتي يكبشن النيران التي حضنتها، ويتجرعن الحميم المصهور الذي تجرعه.
قالت بكل بساطة وكل عمق وكل صدق وكل تسام وكل شرف وكل اتساق مع المبادئ التي نادت وتنادي بها: "عقبال ولاد كل الناس".
في كتابه "هكذا تكلم زرداشت" يقول نيتشه في تعريفه للإنسان الأعلى: "هو الذي يبارك الحياة ويحوِّل المعاناة إلى قوة إبداعية".

بغض النظر عن عبث نيتشه ذي العلاقة بخرافة "السوبر مان"، فإن هذا ما اجترحته ليلى سويف بدون أدنى مبالغة.
عشنا في زمن ليلى سويف
أعتقد أننا محظوظون لأننا سنخبر أحفادنا ذات يوم، نرجو أن يجئ قريبًا ومصر تنعم بالحرية، أننا عشنا في زمن ليلى سويف، ورأيناها رأي العين.
يقول شاعرنا أمل دنقل، "آه ما أقسى الجدار عندما ينهضُ في وجهِ الشروقْ/ ربما ننفقُ كلِّ العُمرِ.. كي ننقبُ ثغرةْ/ ليمر النور للأجيالِ مرة".
ليلى سويف أنفقت العمر لتنقب الجدار.. وحتمًا سيمر النور للأجيال، من الثغرة التي صنعتها.. من ثنايا الأسطورة التي ستلهم الأجيال عبر التاريخ الذي لم يعد حكرًا على المنتصرين وحدهم، فكما لهم روايتهم الكاذبة، لنا روايتنا الإنسانية الصادقة.