طن بـ"ربع مليون جنيه".. كيف هزم الكتان قمح "الأمن الغذائي"؟

اعتاد علىّ الرفاعي، المزارع الستيني في مركز زفتى بمحافظة الغربية، على زراعة أرضه بالمحاصيل الاستراتيجية التقليدية كالقمح والأرز والذرة. لكن مع ارتفاع أعباء الزراعة وتآكل العائد المادي، اتخذ قرارًا جذريًا هذا العام: هجر الزراعات التي ورثها عن أجداده، ليجد ضالته في محصول الكتان.

لم يعد الرفاعي يزرع أرضه بنفسه، بل قرر والعديد من زملائه من أصحاب الحيازات الصغيرة في قريته، تأجير أراضيهم مباشرة لأحد مصانع الكتان. العقد بسيط ومربح: 3000 جنيه للقيراط الواحد، ما يعني أن الفدان سيُدر عليه عائدًا صافيًا يبلغ 72 ألف جنيه، "دون أن يمسك فأسًا بيده أو يتعفر جلبابه بتراب الأرض".

الطن بـ"ربع مليون جنيه"

الرفاعي ورفاقه ليسوا سوى مرآة لتوجه اقتصادي واسع في المنطقة. فبينما اختار البعض تأجير أراضيهم، قرر آخرون في القرية ذاتها رفض التأجير وزراعة الكتان لحسابهم الخاص، مستفيدين من وجود عشرات المصانع المتخصصة في قرية شبراملس بزفتى، والتي تنتج وحدها 90% من خامات الكتان في الجمهورية.

المحرك الرئيسي لهذا التحول هو العائد المادي الضخم؛ فسعر طن ألياف الكتان الخام يقترب من ربع مليون جنيه، مدفوعًا بطلب تصديري قوي. كما أن نحو 80% من إنتاج مصر من الكتان يتم تصديره سنويًا، بإجمالي يصل إلى 15 ألف طن. ونتيجة لذلك، قفزت المساحات المزروعة بالكتان من 22 ألف فدان في عام 2021 إلى 29 ألف فدان في الموسم الماضي.

وللكتان جاذبية إضافية، ومكاسبه متعددة؛ فأليافه تستخدم في صناعة المنسوجات الفاخرة، وبذوره تُباع لمنتجات التخسيس أو تُعصر لإنتاج الزيوت، وحتى مخلفاته تدخل في صناعة الأخشاب.

يبدأ موسم زراعة الكتان في أكتوبر ويستمر حتى منتصف نوفمبر، وهو ما يضعه في مواجهة مباشرة على الرقعة الزراعية المحدودة مع أهم المحاصيل الاستراتيجية في مصر. فهو يتداخل تمامًا مع موسم زراعة القمح الذي يبدأ في نوفمبر (وكالات)
يبدأ موسم زراعة الكتان في أكتوبر ويستمر حتى منتصف نوفمبر، وهو ما يضعه في مواجهة مباشرة على الرقعة الزراعية المحدودة مع أهم المحاصيل الاستراتيجية في مصر. فهو يتداخل تمامًا مع موسم زراعة القمح الذي يبدأ في نوفمبر (وكالات)

الكتان يزاحم القمح والقصب والبطاطس

يبدأ موسم زراعة الكتان في أكتوبر ويستمر حتى منتصف نوفمبر، وهو ما يضعه في مواجهة مباشرة على الرقعة الزراعية المحدودة مع أهم المحاصيل الاستراتيجية في مصر. فهو يتداخل تمامًا مع موسم زراعة القمح الذي يبدأ في نوفمبر، ويتنازع مع الموسم الخريفي لزراعة قصب السكر خلال شهري سبتمبر وأكتوبر، كما يصطدم بالعروة الأساسية لزراعة البطاطس التي تبدأ في سبتمبر. هذا التزامن يجعل من انتشار محصول مربح كالكتان تهديدًا مباشرًا لمساحات المحاصيل التي تعتبر أساس الأمن الغذائي.

الحكومة رفعت سعر التوريد.. فهل يكفي؟

يصطدم انتشار المحاصيل مرتفعة العائد، مثل الكتان، بشكل مباشر مع مستهدفات الحكومة للمحاصيل الاستراتيجية كالقمح وقصب السكر.

وفي محاولة لإغراء المزارعين، أقر مجلس الوزراء زيادة في أسعار التوريد لموسم 2025/2026؛ حيث سيرتفع سعر إردب القمح إلى ما بين 2250 و2350 جنيهًا حسب درجة النظافة، بزيادة تبلغ حوالي 200 جنيه عن الموسم الماضي.

كما رفعت الحكومة أيضًا سعر توريد طن قصب السكر إلى 2500 جنيه، بزيادة 200 جنيه. ولكن في المقابل، اتخذت قرارًا بتخفيض سعر توريد بنجر السكر بواقع 400 جنيه، ليبلغ 2000 جنيه للطن، مع وعدها بالسداد الفوري ‏لمستحقات المزارعين خلال 48 ساعة بحد أقصى.

ويفسر حسين عبد الرحمن أبو صدام نقيب الفلاحين، قرار خفض سعر توريد بنجر السكر بأنه يستهدف تقليل المساحات المزروعة بعد أن شهد الموسم الماضي فائضًا كبيرًا في المعروض عجزت المصانع عن استيعابه، خاصةً مع اتجاه الكثير من المزارعين لزراعته دون تعاقدات. بينما تؤكد بيانات مجلس الوزراء هذا الفائض، حيث ارتفعت مساحة بنجر السكر بنسبة 25% لتصل إلى 750 ألف فدان في موسم 2024/2025.

العائد الضعيف والبرسيم يهددان القمح، رغم تأكيد الحكومة أن هذه الأسعار تهدف لتعزيز الأمن الغذائي وتقليل الاستيراد. يرى المزارع محمد الغريب أن سعر توريد القمح الجديد "لا يشجع المزارعين" على زراعته، معتبرًا أن الزيادة "طفيفة" في ظل الارتفاع الهائل في مستلزمات الإنتاج.

ويعدد الغريب، في حديثه لـ فَكّر تاني، التكاليف المتزايدة: سعر شيكارة الكيماوي ارتفع إلى 1300 جنيه، وتكاليف حرث الفدان زادت من 500 جنيه قبل سنوات إلى ما بين 750 و850 جنيهًا حاليًا، وقد تصل إلى 1000 جنيه مع التسوية. كما ارتفعت يومية العامل الزراعي من 150 إلى 250 جنيهًا، ووصلت تكلفة ساعة الدرس بالماكينة الزراعية إلى 500 جنيه.

ويضيف الغريب أن قطاعًا من المزارعين يزرعون الآن مساحات من القمح تكفي فقط استهلاكهم الشخصي، مع إمكانية تحويل جزء منها كعلف للماشية.

ويشير إلى أن البدائل أصبحت أكثر جدوى، مثل زراعة البرسيم الذي يعتبر عائده أفضل للمزارع، حيث يلجأ إليه المزارعون كبديل للأعلاف المصنعة التي يتراوح سعر الطن فيها بين 15 و17 ألف جنيه، فضلًا عن كونه أفضل لزيادة إنتاج الألبان.

ونتيجة لذلك، تتسع المساحة المزروعة بالبرسيم لتهدد خطط الحكومة، حيث تزيد مساحته على 2.5 مليون فدان سنويًا.

كما اتجه مزارعون آخرون لزراعة السمسم، الذي ارتفعت إنتاجيته بسبب التغيرات المناخية، ليباع الكيلو منه بسعر يصل إلى 60 جنيهًا لتاجر الجملة. وقد ارتفعت المساحات المنزرعة بالسمسم إلى أكثر من 95 ألف فدان، وهي مساحة تزيد على ثلاثة أضعاف محصول الكتان حاليًا.

يصطدم انتشار المحاصيل مرتفعة العائد، مثل الكتان، بشكل مباشر مع مستهدفات الحكومة للمحاصيل الاستراتيجية كالقمح وقصب السكر (وكالات)
يصطدم انتشار المحاصيل مرتفعة العائد، مثل الكتان، بشكل مباشر مع مستهدفات الحكومة للمحاصيل الاستراتيجية كالقمح وقصب السكر (وكالات)

رغم الشكاوى.. النقابة تشيد والحكومة تراهن

في مقابل شكاوى المزارعين، أشاد نقيبهم حسين أبو صدام بقرار مجلس الوزراء، معتبرًا أن السعر المحدد للقمح، الذي يتراوح بين 2250 و2350 جنيهًا للأردب، "عادل ويتماشى مع التغيرات الاقتصادية"، وكذلك الحال بالنسبة للسعر الجديد لقصب السكر والبنجر.

ويشير أبو صدام، في تصريحاته لـ فَكّر تاني، إلى أن السعر المحلي للقمح أعلى من سعر الاستيراد بحوالي 500 جنيه للطن، حيث وضعت الحكومة سقفًا لسعر الشراء من الأسواق العالمية عند 280 دولارًا للطن في موازنة العام المالي الحالي. ويرى أن الإعلان المبكر عن هذه الأسعار "يدعم المزارعين ويدفع للتوسع في زراعة المحاصيل الاستراتيجية"، ويتيح لهم حرية الاختيار ويقضي على ظاهرة الاعتراض لاحقًا.

لكن أبو صدام نفسه يقر بأن البرسيم، الذي يعتبره أهم المحاصيل العلفية الشتوية، هو "أكبر منافس للقمح"، مما يؤكد على أن المعادلة الاقتصادية في الحقل لا تزال تميل لصالح المحاصيل العلفية والتصديرية.

الرهان على الأراضي المستصلحة

وتراهن الحكومة على المشاريع الكبرى. فقد أكد مسؤول بوزارة الزراعة، في حديثه لـ فَكّر تاني، أن الوزارة تضع في حساباتها هذه المنافسة، وأن خطتها تستهدف إضافة 3.5 مليون فدان جديدة للرقعة الزراعية خلال 3 سنوات، مع زيادة مساحة زراعة القمح إلى 3.350 مليون فدان في الموسم الجديد.

ويأتي هذا الهدف الطموح بعد أن بلغ حجم توريد القمح المحلي في الموسم الماضي نحو 4 ملايين طن فقط، بأقل نصف مليون طن عن المستهدف.

ويضيف المسؤول أن الدولة قلصت مساحة زراعة بنجر السكر في الدلتا لتتوافق مع قدرة المصانع الاستيعابية، رافضًا فكرة أن المحاصيل مرتفعة العائد تتوسع على حساب المحاصيل التقليدية، مستشهدًا بزيادة مساحة الأرز عن المستهدف نتيجة تجاوزات بعض المزارعين.

ولكن رغم وعود الحكومة بالسداد الفوري، تكشف الوقائع عن تحديات أخرى؛ فقد تأخرت مصانع السكر في قنا وأسوان في صرف بقية مستحقات مزارعي القصب لأكثر من 4 أشهر، مما سبب مشكلات للمزارعين. وبرر مسؤول الزراعة ذلك بـ"مشكلات طارئة في المصانع تم حلها"، مؤكدًا التزام الدولة بالدفع خلال 48 ساعة ضمن نظام الزراعة التعاقدية.

اليوم، أصبح الفلاح نفسه لاعبًا أساسيًا في لعبة "الفرصة البديلة". فمع انتشار الإنترنت، بدأ يبحث عن محاصيل غير تقليدية تدر عائدًا مرتفعًا، مثل الدراجون فروت والبلوبيري، بدلًا من المحاصيل التي ورثها عن آبائه وأجداده. (وكالات)
اليوم، أصبح الفلاح نفسه لاعبًا أساسيًا في لعبة "الفرصة البديلة". فمع انتشار الإنترنت، بدأ يبحث عن محاصيل غير تقليدية تدر عائدًا مرتفعًا، مثل الدراجون فروت والبلوبيري، بدلًا من المحاصيل التي ورثها عن آبائه وأجداده. (وكالات)

الفلاح والحكومة.. لعبة "الفرصة البديلة"

ولفهم هذا الصراع، لا بد من العودة إلى مفهوم "الفرصة البديلة" الاقتصادي، الذي حكم سياسات الحكومات المصرية لسنوات. ففي فترة ما قبل 2011، فضلت الدولة زيادة مساحات الفواكه المخصصة للتصدير على حساب القمح، على اعتبار أن عائدات التصدير أعلى من تكلفة استيراد القمح. هذه السياسة جعلت مصر تتصدر صادرات الموالح عالميًا، لكنها في الوقت نفسه جعلتها المستورد الأول للقمح في العالم.

واليوم، أصبح الفلاح نفسه لاعبًا أساسيًا في لعبة "الفرصة البديلة". فمع انتشار الإنترنت، بدأ يبحث عن محاصيل غير تقليدية تدر عائدًا مرتفعًا، مثل الدراجون فروت والبلوبيري، بدلًا من المحاصيل التي ورثها عن آبائه وأجداده.

يؤكد مسؤول وزارة الزراعة أن هذه السياسة قد تغيرت، وأن الهدف الحالي هو تحقيق التوازن بين زيادة الصادرات وزيادة إنتاج المحاصيل الاستراتيجية معًا، من خلال تحسين سلالات التقاوي لزيادة إنتاجية الفدان ومقاومة التغيرات المناخية.

السياسات الجديدة.. أسئلة معلقة في البرلمان

في ظل هذا التضارب بين واقع الحقل وخطط المكاتب، تنتقل المعركة إلى ساحة أخرى: البرلمان. فقد تساءل النائب خالد طنطاوي عضو مجلس النواب، عن كيفية تحقيق خطة الاكتفاء الذاتي في ظل استمرار استيراد كميات ضخمة من القمح والذرة، مطالبًا بسياسات جديدة لمواجهة مشكلات القطاع الزراعي.

وجه طنطاوي سلسلة من الأسئلة المباشرة لوزارة الزراعة: "ما هي الإجراءات التي اتخذتها الوزارة لزيادة إنتاجية الفدان من القمح والذرة والقصب؟ وهل لدى الوزارة خطة واضحة لرفع كفاءة الإنتاج الزراعي باستخدام التكنولوجيا الحديثة؟ وما مدى تفعيل دور مراكز البحوث الزراعية في نقل النتائج إلى الفلاحين عمليًا؟".

كما تساءل عن الخطوات المتخذة لتشجيع المزارعين على التوسع في زراعة المحاصيل الاستراتيجية بدلًا من المحاصيل الأقل أهمية، وكيف ستقلل هذه الإجراءات من اعتماد مصر على الاستيراد، بما يضمن استقرار الأسعار وحماية الأمن الغذائي الوطني.

ويختتم المسؤول بوزارة الزراعة حديثه بالتأكيد على أن الوزارة لديها "استراتيجية للتنمية المستدامة"، تتضمن التوسع في إنتاج المحاصيل الرئيسية كالقمح، مع العمل على تحسين الإنتاجية بنشر الأصناف الجديدة، وتقليص مساحة المحاصيل الشرهة للمياه كالأرز، والتوسع في إنتاج الذرة الصفراء لسد الفجوة التي تصل إلى 75% من الطلب المحلي. وهي الوعود التي تنتظر اختبار الواقع في حقول المزارعين، الذين ما زالوا يجرون حساباتهم الخاصة للموسم القادم.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة