السُلف الزراعية.. "حيطة سند" الفلاحين مالت بالتضخم

يعرف المزارع محمد الحسيني منذ أشهر أن محصول البطاطس العام الحالي سيدر عليه عائدًا جيدًا في ظل توجه الدولة للتصدير، لكنه فشل في زراعة أرضه، بعدما اكتشف أن الفدان الذي يملكه تنقصه تقاوي بـ 105 آلاف جنيه. هذا دون حساب باقي تكاليف الزراعة.

حاول "الحسيني" اللجوء إلى السُلف الزراعية، لكن موظف بنك القرية أخبره بأن المبلغ الذي سيحصل عليه لن يتجاوز 50% من المطلوب، وهو مبلغ يكفي فقط لتوفير تقاوي زراعة نصف فدان، ما اضطره للتخلي عن الفكرة تمامًا، وتأجير الأرض لصالح مصنع كتان.

يمثل "الحسيني" حال الكثير من المزارعين الذين هم بحاجة إلى سُلف قبل زراعة محاصيلهم لشراء التقاوي والأسمدة، ممن يتم التعامل معهم بالتسديد بعد حصاد المحصول، لكنهم حتى بالسُلف الزراعية (القروض الميسرة) لا يتحصلون سوى على مبالغ بالكاد تكفي نصف ما يحتاجون من منتجات أصابها التضخم بارتفاعات متتالية في الأسعار.

أرشيفية - وكالات
أرشيفية - وكالات

وفقًا لوزارة الزراعة، تم خفض أعباء الحصول على تمويل ميسر للمحاصيل الزراعية ومشروعات المزارعين الصغيرة، ورفع الفئات التسليفية للقروض المقدمة للمزارعين من البنك الزراعي المصري، ليبلغ إجمالي القروض 5 مليارات جنيه، بفائدة 5% سنويًا، تتحمل الدولة عنها دعمًا بواقع 7% سنويًا، بما يعادل أكثر من 500 مليون جنيه سنويًا، بينما يبلغ عدد المستفيدين من هذا التمويل حوالي 600 ألف مزارع وفلاح تقريبًا.

السُلف الزراعية.. أي نسبة من إجمالي القروض؟

لا تمثل الـ 5 مليارات التي يتم تقديمها للمزارعين البسطاء سنويًا سوى 3.3% من القروض التي ضخها القطاع المصرفي بوجه عام في 7 أشهر فقط من العام الحالي. وحال حساب النسبة على صعيد سنوي (إضافة باقي الخمسة أشهر) ستتضاءل هذه النسبة لمستويات أقل بكثير.

يقول الحسيني: "السُلف الزراعية ما بتتحركش.. رغم أن تكاليف الزراعة اتغيرت.. الفلاح أكتر واحد عنده ضمان.. الأرض أسعارها ارتفعت وأقل قيراط في أرض زراعية كويسة ما يقلش عن 70 ألف جنيه.. يعني البنك عنده كل اللي تضمن حقه".

مصطفى عادل الخبير الاقتصادي
مصطفى عادل الخبير الاقتصادي

بحسب البيانات الرسمية، فإن عدد المشتغلين بنشاط الزراعة في مصر يبلغ نحو 5.2 مليون شخص، ما يمثل 19.2% من إجمالي المشتغلين بالزراعة، حصل منهم على سُلف زراعية 600 ألف شخص فقط، بما يعادل 11.5% من الفلاحين، وفق بيانات وزارة الزراعة.

يقول الخبير الاقتصادي، مصطفى عادل، إن حجم تمويل القطاع الزراعي لا يزيد على 2% من إجمالي التمويل الممنوح لكل شركات وخدمات ومؤسسات ومصانع مصر، وبالتالي من الطبيعي أن نشهد ارتفاعات كبيرة في أسعار السلع الغذائية.

ويوضح عادل، في تصريحاته لـ فكر تاني، أنه خلال الفترة من يناير 2022 إلى أكتوبر 2024، سجلت أسعار معظم الخضروات ارتفاعات قياسية، فقفزت أسعار الطماطم بنسبة 440%، بينما ارتفعت أسعار البطاطس بحوالي 316%، وزادت أسعار البصل بنحو 226%، وهي من الخضروات الأقل سعرًا والأكثر نسبة في اعتماد الأسر عليها لتوفير الخد الأدنى من السعرات الحرارية اللازمة للحياة.

ماذا تفعل السُلف الزراعية مع التضخم؟

يُعاني المزارعون من ارتفاع أعباء الزراعة خلال العام الحالي، فشيكارة الأسمدة سجلت في يوليو الماضي 1200 جنيه، كما أدى ارتفاع سعر السولار إلى رفع تكاليف حرث الأرض والري والحصاد على المزارعين.

حسين أبو صدام نقيب الفلاحين
حسين أبو صدام نقيب الفلاحين

يقول حسين أبو صدام، نقيب الفلاحين، إن السُلف الزراعية هي منح من الدولة أكثر منها قروض، ولهذا تحتاج لإعادة نظر باعتبارها تستهدف صغار المربين على مستوى قيمة السلف والقروض، إلى جانب فرض شروط تحول دون حصول أصحاب الملكيات الزراعية الكبيرة على هذه القروض، حتى يذهب الدعم الحكومي إلى مستحقيه.

كذلك، يشير أبو صدام -في حديثه لـ فكر تاني- إلى صعوبة حصول المزارعين على السُلف في بعض الأحيان وانخفاض المبالغ المخصصة لهم في أحيان أخرى، رغم ارتفاع أعباء الزراعة، لافتًا إلى تكلفة إنتاج فدان الطماطم والتي تصل إلى 100 ألف جنيه، وفدان البطاطس الذي يتكلف 150 ألف جنيه لإنتاجه.

لا تتضمن المبالغ سالفة الذكر 9 مليارات جنيه لدعم صغار مربي البتلو، ضمن المشروع القومي للبتلو، الذي استفاد منه أكثر من 44 ألف شخص لتربية 110 ألف رأس ماشية، وهو يهدف إلى زيادة إنتاج الألبان واللحوم، وتوفير فرص عمل، ومنع ذبح الحيوانات الصغيرة، والتي حال إضافتها إلى المبالغ التي تم ضخها للقطاع الزراعي تظل نسبتها محدودة أيضًا مقارنة بباقي قروض القطاع المصرفي، إذا ما وضعنا في الاعتبار -مثلًا- أن شركة المصرية على سبيل المثال حصلت على قرض بقيمة 18 مليار جنيه نهاية الشهر الماضي.

خصصت الحكومة دعمًا للمزارعين بمشروع الموازنة العامة للدولة للسنة المالية الحالية 2024/2025 بنحو 657 مليون جنيه، موزعة بين 600 مليون جنيه دعم فرق سعر الفائدة لقروض الإنتاج النباتي، و40 مليون جنيه مساهمة الدولة في تكاليف مقاومة آفات القطن، و17 مليون جنيه دعمًا لصندوق الموازنة الزراعية. لكن الخبراء يرون أن ذلك المبلغ غير كافٍ.

هكذا ترتفع أسعار منتجاتكم

يضرب نادر نور الدين، خبير الزراعة والري ومستشار وزير التموين السابق، المثل بمحصول البطاطس للتدليل على الأعباء المتزايدة على المزارعين، موضحًا أن وزارة الزراعة أعلنت تسليم تقاوي البطاطس بسعر 70 ألف جنيه للطن، بينما تحتاج زراعة الفدان إلى نحو طن ونصف تقاوي، بإجمالي تكلفة 105 آلاف جنيه.

نادر نور الدين
نادر نور الدين

ويضيف نور الدين، الذي تحدثت إليه فكر تاني، فيقول إن الفدان يحتاج إلى 30 ألف جنيه لتغطية تكاليف الأسمدة والمبيدات والعمالة والحرث والري ورفع المياه والسولار والنقل والتعبئة للأسواق، وإذا كان المزارع مستأجرًا للأرض، فسترتفع التكلفة إلى ما بين 40 و50 ألف جنيه، ليصل إجمالي تكاليف زراعة وحصاد فدان البطاطس إلى نحو 155 ألف جنيه على الأقل.

ويبلغ متوسط محصول الفدان بشكل عام 8.5 طن، وقد يصل لدى البعض إلى 10 أطنان، ولدى البعض الآخر إلى 7 أطنان. فلو افترضنا -بحسبة نور الدين- أن المزارع باع لتاجر الجملة بسعر 20 جنيهًا للكيلوجرام، أي 20 ألف جنيه للطن، فسيكون إجمالي عائد الفدان لمحصول 8.5 طن نحو 170 ألف جنيه، بربح قدره 15 ألف جنيه فقط للفدان، وهو رقم منخفض وغير مقبول. وبالتالي، قد يصل سعر كيلوجرام البطاطس إلى 25 جنيهًا على الأقل.

ويركز البنك الزراعي في الفترة الأخيرة على المشروعات الصغيرة ومنتجي الدواجن. وقد أعلن مؤخرًا أنه سيمول المشروعات الصغيرة بفائدة 5% وحتى سقف 50 مليون جنيه، كما خصص البنك 500 مليون جنيه لإعادة تشغيل المزارع المتوقفة للدواجن، بهدف زيادة الإنتاج وتقليل الاعتماد على الواردات.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة