لماذا يقرر سياسي مخضرم خوض معركة انتخابية يصفها بـ"المستحيلة" في مناخ سياسي يراه "أرضًا بور"؟
في وقت يقاطع فيه حزبه "القائمة المطلقة" واصفًا إياها بـ"المفسدة المطلقة"، يراهن السياسي هيثم الحريري عضو مجلس النواب الأسبق على المقاعد الفردية، متسلحًا بمواقف حادة من تعديل الدستور، وملفات الإيجار القديم، وقضايا حقوق الإنسان. وفي أولى حوارات فَكّر تاني حول مجلس النواب 2025 لم يخل حديث الحريري من الصراحة، ليكشف عن استراتيجيته للمواجهة، وموقفه من "الحيز المتاح"، ويجيب على السؤال الأصعب: إلى أين تتجه مصر؟

إلى نص الحوار:
المشهد المحبط
في البداية، كيف تصف المشهد السياسي الراهن؟
إذا انطلقنا من نتائج انتخابات مجلس الشيوخ الأخيرة، فالمشهد - للأسف - ليس إيجابيًا على الإطلاق.
لقد أثبت نظام القائمة المطلقة، الذي سبق وانتقدناه طويلًا، أنه بالفعل "مفسدة مطلقة".
ثلث الأعضاء يُعيَّن بقرار من رئيس الجمهورية، والثلث الآخر يأتي عبر قائمة مغلقة لا تتيح أي منافسة حقيقية، وهي ما نعتبره "مفسدة مطلقة".

أما الثلث المخصص للمقاعد الفردية، فكان شبه مستحيل التنافس عليه عمليًا، في ظل دوائر انتخابية شاسعة تمتد لمحافظات بأكملها مثل القاهرة أو الجيزة أو الإسكندرية، حيث تُعد المحافظة دائرة واحدة.
إلى جانب ذلك، شهدنا عزوفًا شديدًا عن المشاركة، مع استخدام واضح للمال السياسي، وكانت النتائج غير الرسمية في بعض المحافظات مثيرة للتساؤل؛ فكيف يمكن، مثلًا، أن يصوّت 1.7 مليون ناخب في الجيزة جميعهم بـ"نعم" للقائمة، دون اعتراض شخص واحد؟
نواب 2025
هل تتوقع أن تُجرى انتخابات مجلس النواب القادمة بالمنطق نفسه؟
هذا السؤال يفتح الباب أمام قضية أكبر: هل النظام السياسي مُصرّ على إحكام السيطرة على كل المنافذ التي يمكن للناس التعبير من خلالها، سواء كانت نقابات - باستثناء نقابتي الصحفيين والمهندسين مؤخرًا - أو المجالس النيابية؟
برأيي، الأمر يحتاج إلى مراجعة جادة، ولا يدعو للتفاؤل، خاصةً وأن نفس القانون، قانون القائمة المطلقة، ما زال معمولًا به في انتخابات مجلس النواب، فضلًا عن المساحات الشاسعة للدوائر الانتخابية.

على سبيل المثال، كانت دائرتي سابقًا "محرم بك" على مقعدين، وأصبحت الآن تشمل "محرم بك وكرموز ومينا البصل واللبان" على نفس المقعدين، وهي مساحة واسعة للغاية.
الإطار الإعلامي أيضًا لم يكن أفضل حالًا؛ فلم نشاهد حضورًا واضحًا للمرشحين في الإعلام، ولا تصريحات لرؤساء الأحزاب، ولا حتى مناظرات سياسية.
انتخابات مجلس الشيوخ مرت، كما يقال، "كالسكين في الحلاوة"؛ بهدوء وبساطة شديدة، وهو ما نأمل ألا يتكرر مع مجلس النواب، لما له من أثر تشريعي بالغ على الدولة والمصريين، خاصة بعد أن رأينا تأثير المجلس السابق.
المجالس النيابية يتم تحويلها إلى طبقية تخدم رجال الأعمال والقادرين ماديًا، الذين لا يمثلون المواطن الفقير ولا يدركون مطالبه
المعارضة والبديل
في 8 يوليو، كتبت على "إكس": "علينا تقديم بديل". هل تستطيعون كمعارضة تقديم بديل في ظل هذا المشهد؟
البديل الذي نريد يجب أن يكون طبيعيًا لا صناعيًا.
البديل الحقيقي ينشأ من الأرض المصرية عبر سنوات من العمل السياسي، لكن منذ أكثر من عشر سنوات، والأرض السياسية في مصر "بور"، لا تسمح بظهور وجوه جديدة أو استمرارها.

هناك صعوبة شديدة في تقديم بديل، وحتى لو قدمناه بشكل رمزي، فنحن لا نبحث عن حلول رمزية، بل عن بديل حقيقي ينبع من الشارع.
هذا يتطلب انتخابات قوية، منافسين حقيقيين، قانون انتخابات عادل، وابتعاد أجهزة الدولة تمامًا عن المشهد السياسي، بحيث يتفرغ كل جهاز لمهامه الأصلية.
كما نحتاج إلى إعلام حر، وإلى إطلاق سراح المسجونين في قضايا سياسية وقضايا رأي.
عندما يصبح المناخ إيجابيًا ومشجعًا، ستزداد رغبة الناس في المشاركة. لكن في الوضع الحالي، إذا كان الشاب يخشى حضور مباراة كرة قدم، فكيف لن يقلق من الانخراط في حزب سياسي؟ وكيف سنشهد مشاركة في الشارع السياسي أو بروز كوادر جديدة؟
الأمر يحتاج إلى وقت، وإذا كنا نحرص على مستقبل هذا البلد، فعلينا أن ندرك أن سياسة الصوت الواحد قصيرة العمر.
لا توجد دولة في العالم تسير بسياسة الصوت الواحد، ولا بد من وجود رأي ورأي آخر، وأغلبية ومعارضة حقيقية غير مصطنعة.
ما الذي يضير مصر من وجود 50 أو 60 نائبًا معارضًا منتخبًا بإرادة الناس؟ هذا سيثري النقاش ويساعد الحكومة على تصويب مسارها
الوضع الإقليمي
هل الخطر على الحدود يبرر تجميد السياسة في مصر؟
هذا كلام خاطئ تمامًا. لسنا في حالة حرب، صحيح أن هناك مشاكل على حدودنا في الجنوب والشرق والغرب، لكن هذا لا يعني أن نوقف الحياة كلها في مصر.
لا يمكن أن نلغي الكرة والإعلام والانتخابات والمدارس ونركز على الحرب، فلدينا أجهزة في الدولة مسؤولة عن هذه الملفات.

لماذا نوقف الحياة السياسية في مصر ونجمدها؟ الطبيعي أن نحركها وننشطها، لأن هذا يجعل الدولة قوية. كيف؟ بوجود رأي آخر ومعارضة تكشف الأخطاء وتقول للحكومة "هذا خطأ" أو "هذا خطر على الدولة المصرية".
فكرة "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" لم تعد صالحة. نحن في وقت الخطر الحقيقي نقف جميعًا، أغلبية ومعارضة، على قلب رجل واحد خلف قواتنا المسلحة، لكننا لسنا في حالة خطر شديد تستدعي تجميد كل شيء.
إذا تم تشكيل المجلس القادم بطريقة مجلس الشيوخ نفسها، فسيكون نسخة أخرى من برلمان 2010
الحيز المتاح
ما رأيك في جدل "الحيز المتاح" بين المعارضين على وسائل التواصل وبالغرف المغلقة؟
على المستوى الشخصي، لا أتفق مع هذه الفكرة إطلاقًا.
لا أرى أنه من الصواب أن أُجبر على المشاركة عبر قانون انتخابات أصفه بالسيئ والظالم، وضمن قائمة انتخابية مع أحزاب الموالاة التي صنعت هذا القانون، لمجرد أن هذا هو "الحيز المتاح".
هذا يجعلني كمعارض أشارك في ظل شروط لا أقبلها، وكمواطن، كيف يُطلب مني انتخاب قائمة تضم من أؤيدهم ومن أعارضهم في الوقت نفسه؟

بعض الأحزاب الأخرى ترى الأمر بشكل مختلف، وهم يتحملون مسؤولية قرارهم الوطني والتاريخي.
لكن بالنسبة لي، أؤمن بأن رفض القانون السيء ومقاطعة الآليات غير العادلة، مثل القائمة المطلقة، هو الموقف الصحيح، بدلًا من المشاركة التي قد تمنح شرعية لعملية غير سليمة.
بهذا الشكل، تصبح المعارضة بلا ضغط حقيقي، إذ سيستمر النظام في سنّ أي قانون يريده، وستظل مضطرًا للمشاركة. أما حين أرفض القانون وأعلن عدم مشاركتي في القائمة المطلقة، وأصرح بأن مجلس الشيوخ زائدة عن الحاجة في الحياة السياسية، فأنا بذلك أسجل موقفًا.
كيف أشارك في انتخاب كيان مقتنع بأنه بلا قيمة، وأنه مجرد إهدار للمال والوقت؟ ولماذا أسعى أصلًا للحصول على مقعد أو مقعدين فيه؟
شهدنا عزوفًا شديدًا جدًا عن المشاركة في انتخابات مجلس الشيوخ واستخدامًا للمال السياسي، والمشهد السياسي ليس جيدًا ولابد من وجود إرادة سياسية لعدم تكرار ما حدث في "الشيوخ" بـ"النواب"
عازف عن الشيوخ راغب في النواب
لماذا قاطعتم انتخابات الشيوخ وتشاركون في النواب؟ أليس هذا تناقضًا؟
لا، هناك فارق شاسع بين الأمرين.
أولًا، نحن من حيث المبدأ نرى أن مجلس الشيوخ لم يكن له أي أهمية تستدعي تعديلًا دستوريًا، وهو أصلًا بلا دور حقيقي في الحياة السياسية المصرية. وقد رأينا النتيجة: لا شيوخ ولا متخصصون ولا أصحاب رأي، بل رجال أموال وصلوا للمقاعد بأموالهم، ليضعوها "عروة في جيب الجاكيت".
بالنسبة لنا، مجلس الشيوخ بلا لزوم، لذلك لم نشارك في انتخاباته.

ثانيًا، نحن نرفض فكرة القائمة المطلقة، ولهذا لن نكون شركاء فيها في انتخابات مجلس النواب.
لكننا سنخوض المنافسة على المقاعد الفردية، فهذا حقنا، لأننا كحزب سياسي يجب أن نتواجد في الشارع ونقوم بدورنا، وأن نقدم البديل كما قلت سابقًا.
كيف سنقدم البديل ونحن حبيسو المقرات؟ يجب أن ندفع بكوادر سياسية، لدينا زميل يترشح في المنصورة، وآخر في الإسكندرية، وسنتواجد في بقية المحافظات، لنعرض ما نريده للبلد، ونرصد الأخطاء، ونطرح البديل الصحيح من وجهة نظرنا.
علينا أن نسجل ذلك للتاريخ. أحيانًا أستعيد منشورات كتبتها قبل خمس أو سبع أو ثماني سنوات حين كنت في المجلس، وتثبت أن وجهة نظر المعارضة كانت صحيحة.
عندما حذرنا من صندوق النقد وقلنا إنه خراب لمصر، كنا على صواب.
عندما قلنا إن ما تم في العاصمة الإدارية والطرق والكباري ليس استثمارًا حقيقيًا ولا تنمية مستدامة، بل ديون وفوائد بلا عائد، كنا محقين.
واليوم، بدأوا يرددون كلامنا، وإن كان بلا تنفيذ، عن ضرورة العمل في الصناعة والزراعة والاستثمار، لكن لا نرى شيئًا على الأرض.
عندما ننزل إلى الشارع ونتحدث مع الناس ونقدم البديل، فالتاريخ لا ينسى.
مقاطعتنا مستمرة للقائمة المطلقة وسنشارك في المقاعد الفردية فقط ولن نغلق على أنفسنا مقرات الأحزاب.. يمكن للمعارضة الوطنية الحقيقية أن تتحد وتنسق فيما بينها انتخابيًا، والحركة المدنية يمكن أن تكون مظلة واسعة لهذا التنسيق
في العقد الأخير قاطعتم الانتخابات مرات.. هل الأصل عندكم المشاركة أم المقاطعة؟
لا يوجد حزب سياسي يمكن أن يعتبر الأصل هو المقاطعة. الأصل هو المشاركة، بينما المقاطعة استثناء وأداة نلجأ إليها وفقًا للظروف.

قاطعنا في 2010 لأن المناخ كان يستدعي ذلك، واليوم نقاطع مجلس الشيوخ لأنه يجب مقاطعته، ونقاطع القائمة المطلقة في مجلس النواب لأننا نرفضها ونراها مفسدة.
لكن هذا لا يعني أن نغلق المقرات ونجلس، بل يجب أن ننزل إلى الشارع، ونلتحم بالناس، ونخوض انتخابات حقيقية بنتيجة نزيهة تعبر عن إرادة المواطنين، لا إرادة من يدير المشهد الانتخابي.
الأرض السياسية في مصر "بور" لا تسمح بظهور وجوه جديدة أو استمرارها وهناك صعوبة شديدة في تقديم بديل حتى لو قدمناه بشكل رمزي
المرأة والأحزاب
أحزاب المعارضة كما الموالاة متهمة بأنها ذكورية تستخدم المرأة كديكور سياسي.. كيف ترد؟
هذه تهمة غير صحيحة.
المناخ السياسي العام في مصر لا يشجع على المشاركة، لا للمرأة ولا للرجل.

لكن لدينا قيادات نسائية بارزة في مختلف أحزاب المعارضة، مثل الدكتورة هالة شكر، والأستاذة جميلة إسماعيل، والدكتورة منى مينا، وغيرهن الكثير.
عندما تتاح الفرصة، سندفع بالكوادر النسائية، فالمشكلة ليست في الأحزاب، بل في المناخ العام الذي يحد من المشاركة.
فكرة "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" لم تعد صالحة.. في وقت الخطر الحقيقي سنقف جميعًا، أغلبية ومعارضة، على قلب رجل واحد
المجلس الأسوأ
كيف تقيّم مجلس النواب الأخير مقارنة بمجلس 2015؟
دائمًا نترحم على من سبقنا، وأنا أترحم على المجلس الذي كنت فيه.
رغم اعتراضاتنا الشديدة وقتها على رئيس المجلس وأداء الأغلبية ومساحة الحرية، فإن مجلس 2015 كان أفضل، إذ ضم كتلة معارضة واضحة (تكتل 25-30) استطاعت أن تأخذ مساحتها وتقدم رأيًا آخر بشجاعة.

أما المجلس الأخير، فعدد من يمكن اعتبارهم معارضة قليل جدًا، لا يتجاوز أصابع اليد، ومساحة الحديث الممنوحة لهم كانت محدودة للغاية، والقوانين التي صدرت عنه كانت من أسوأ ما يكون.
قانون الإيجار القديم
صدر قانون الإيجار القديم رغم انسحاب المعارضة واعتراضاتها وتم التصديق عليه رئاسيًا. ما الرسالة التي وصلتكم؟
بصراحة، لم يكن لدي أي شك في أن الرئيس سيصدر القانون، لأن الحديث عنه بدأ من تصريحات رئيس الجمهورية نفسه حول أن من وضع القانون أخطأ.
كان طبيعيًا أن تقدم الحكومة مشروعًا بنفس المفهوم الذي طرحه الرئيس، بفكرة إنهاء العلاقة بين الطرفين، وأن يجد المستأجرون مكانًا آخر، وتعود الشقق للملاك.

الشيء الوحيد الذي تغير هو مدة التنفيذ؛ فبعد أن كانت خمس سنوات، أصبحت سبع سنوات.
نحن نرفض القانون تمامًا، ونرى أن الحكومة انحازت لطرف على حساب الآخر. نعم، الملاك لهم حق، والمستأجرون لهم حق، لكن لا الملاك هم من ثبتوا الأجرة، ولا المستأجرون، بل الحكومات المتعاقبة هي من فعلت ذلك.
عند حل المشكلة، يجب أن تتحمل الحكومة دورًا ومسؤولية واضحة وملزمة.
لا يجوز أن تقول "سأطرد الناس بعد سبع سنوات" قبل أن تحل المشكلات القائمة وتوفر البدائل.
أرفض" الحيز المتاح" وأحزابه مسؤولة عن قراراتها ومشاركتها في قائمة الموالاة خطيئة سياسية
بدائل القانون الجائر
وهل كان أمام الحكومة بديلًا أفضل من تعديلات الإيجار القديم بشكلها الحالي؟
لديها أحكام صريحة من المحكمة الدستورية بأن عقد الإيجار يستمر للجيل الأول فقط، وبالتالي كان من المفترض أن تسلَّم أي شقة تجاوزت هذا الجيل في اليوم التالي، وأن تُفتح كل الوحدات المغلقة وفق ضوابط محددة.
لم يعترض أحد على فكرة زيادة الأجرة، سواء للوحدات السكنية أو غير السكنية، بحيث تقترب من سعر السوق مع مراعاة الظروف؛ فهناك مستأجرون من الستينيات والسبعينيات والثمانينيات، وآخرون دفعوا "خلو رجل" في التسعينيات، وكل ذلك تم برضا المالك.

أما الطرد، فهو مرفوض تمامًا؛ لا يجوز أن تقول للناس "بعد سبع سنوات ابحثوا عن مكان آخر" وتدفع بهم للمجهول، ثم تعدهم الحكومة بتوفير شقق.
في الإسكندرية، قال وزير الإسكان إن الشقق ستكون في "بشائر الخير"، لكن بأي منطق أو سعر؟ وعلى حساب من؟ ولماذا؟
كان بإمكان الدولة أن تبني على أراضيها بدلًا من تركها للتسقيع ورفع أسعارها بشكل مبالغ فيه. هذا المجلس أصدر القانون لأنه لا يعبر عن المصريين، بل عن إرادة من يحكم مصر.
لماذا صادقت الحكومة على قانون الإيجار القديم صبيحة يوم انتخابات الشيوخ؟
كان اختيارًا سيئًا للغاية وتوقيتًا غير مناسب إطلاقًا؛ كيف تُصدر قانونًا يعكر صفو أكثر من 30 مليون مصري في يوم يُفترض أن يشاركوا فيه بعملية انتخابية كما ترغب الدولة؟
حتى لو اختلفنا على مضمون القانون، فإن توقيت صدوره كان أبعد ما يكون عن النجاح.
قانون الإجراءات الجنائية
كيف تقيّم قانون الإجراءات الجنائية الذي أقره المجلس ولم يُصدّق عليه بعد؟
أراه في مجمله قانونًا سيئًا، والتغييرات التي طُبّقت فيه طفيفة للغاية.
أتمنى أن يعود إلى مجلس النواب القادم لمراجعته وأخذ ملاحظات الحركة المدنية والأحزاب الأخرى في الاعتبار.
لكن للأسف، ما يحدث غالبًا أن القوانين التي يقرها المجلس تُصدَّق في النهاية، حتى لو تأخر ذلك، وأتوقع أن يُصدر قريبًا.
المناخ السياسي العام في مصر لا يشجع على المشاركة، لا للمرأة ولا للرجل، ولكن لدينا قيادات نسائية في مختلف أحزاب المعارضة
التعديلات الدستورية المحتملة
هل توافق على أي تعديلات دستورية جديدة لمد فترات الرئاسة؟
موقفنا ثابت: نرفض تمامًا أي تعديل يهدف لمد فترات الرئاسة. حزبنا رفع شعار "فترتين كفاية"، ولو طُرحت تعديلات جديدة سنقف ضدها.
مصر قادرة على إفراز قيادات جديدة، ويجب أن يكون تداول السلطة سلميًا، بحيث يعيش الرؤساء السابقون بيننا كمواطنين بدل أن تنتهي فتراتهم بالوفاة أو العزل.
السنوات الخمس القادمة كافية لظهور أكثر من بديل إذا توفرت الإرادة الحقيقية من الدولة والمعارضة.
الاستهداف الانتخابي
ألا تخشى خسارة مقعدك البرلماني ويتم استهدافك انتخابيًا بسبب رفضك مد فترات الرئاسة؟
أنا واثق أن من سينتخبني سيفعل ذلك بسبب هذا الموقف، ومن سيحاول إسقاطي سيفعل للسبب نفسه.
موقفي ثابت منذ 2019 وسأتمسك به في المجلس القادم، لأنه الأفضل لمصر وللمصريين، وهو موقف حزبي يعبر عن قطاع واسع من الشارع الرافض للتلاعب بفترة الرئاسة.

قوة البرلمان
تعرضت لهجوم قاس من الموالاة في تجربتك البرلمانية السابقة لأنك صاحب صوت معارض عال في مجلس 2015، هل أنت واثق من تجاوز أي استهداف جديد؟
صوتي منخفض، لكن صوت الحق كان عاليًا، لأنني أدافع عن حقوق الناس، وهذا ما يفرض أن يكون صوتي مسموعًا.
في انتخابات 2020، كنت الأول في دائرتي بالمرحلة الأولى، لكن بعد إعلان النتائج، تم سحب المال السياسي وتوجيهه لدوائر أخرى، ما جعل جولة الإعادة بلا انتخابات حقيقية.
هناك من لا يريد هيثم الحريري، ولا أعرف من هو، لكن من يملك التأثير على النتائج أو تحريك المال السياسي هو نفسه من لا يريد. والسؤال الأهم: لماذا لا يريدون أن يكون هناك ممثلون حقيقيون للناس داخل المجلس، حتى لو اختلفوا مع الحكومة؟ هذا يقوي الدولة والنظام معًا.
منذ إعلاني الترشح هذه المرة، وجدت قبولًا واسعًا ودعمًا من كثيرين.
الأحزاب الفقيرة
عجز حزب التجمع عن الدفع بنواب على المقاعد الفردية بسبب عدم قدرته على سداد الرسوم، وانتقد حزبك التحالف الشعبي الاشتراكي ارتفاع تكلفة الترشح .. كيف ينافس حزب فقير في مجتمع فقير وناخب فقير؟
من الطبيعي أن يجد الناخب الفقير حزبًا يمثله، وأن يتمكن هذا الحزب من الفوز إذا توفرت إرادة سياسية وقانون انتخابات نزيه يتيح للناس التعبير عن آرائهم عبر صناديق الاقتراع، بما يعكس الوزن الحقيقي للفقراء في المجتمع.

ليس مطلوبًا من الحزب أو المرشح امتلاك ملايين الجنيهات لخوض الانتخابات، فالحزب المنبثق من أوساط الجماهير لا يشتري الأصوات، بل يقدّم برنامجًا انتخابيًا يختاره الناخبون على أساسه.
أما هيمنة المال السياسي على الانتخابات، فهي الجريمة الحقيقية التي يجب أن تتوقف. المشكلة ليست في فقر الحزب أو الناخب، بل في نظام انتخابي يعبّر عن إرادة من يدير المشهد، لا إرادة الشعب.
مجالس للأعيان
لماذا تصفون المشهد السياسي بأنه يعاني تمييزًا طبقيًا؟
لأن الواقع يثبت ذلك. يكفي النظر إلى تركيبة مجلس الشيوخ وأوضاع أعضائه المالية لمعرفة من يمثلون.
كم نائب يعيش في شقة إيجار؟ وكم نائب لديه أبناء في مدارس حكومية؟ وكم نائب، إذا واجه طارئًا صحيًا، سيبحث عن مستشفى طوارئ عام بدلًا من اللجوء إلى مستشفى خاص؟
قلة من هؤلاء تدرك فعلًا معاناة المواطنين الفقراء، بينما الغالبية تنتمي لطبقة رجال الأعمال والقادرين ماليًا، ما يجعل المجالس النيابية مجالس طبقية للأعيان، بعيدة عن تمثيل صوت الشارع الفقير.
المال السياسي ورجال الأعمال
كيف ستواجهون تصاعد المال السياسي في الانتخابات؟
هذه ليست مهمة المرشح أو حزبه، بل مسؤولية الهيئة الوطنية للانتخابات. دورنا يقتصر على كشف هذه الممارسات والإبلاغ عنها، بينما يقع على الهيئة واجب التدخل واتخاذ الإجراءات.
لكن جوهر الحل يكمن في وجود إرادة سياسية حقيقية لوقف الظاهرة، وهو ما نفتقده حاليًا.
سبق أن شهدت بنفسي في الإسكندرية ضباطًا يمنعون المال السياسي أمام اللجان عندما كانت هناك إرادة سياسية جادة.
خطاب اليسار والأغنياء
بوضوح، ما ردك على اتهامات البعض بأنكم أصحاب خطاب معاد للأغنياء ورجال الأعمال؟
نحن حزب يساري، لكن ذلك لا يعني العداء لرجال الأعمال.
دعمنا موجّه لرجل الأعمال الوطني الذي يستثمر داخل البلاد، يدفع ضرائبه، ويوفر فرص عمل، لا لمن جاء فجأة كواجهة لآخرين.
نريد قطاعًا خاصًا قويًا واستثمارات وطنية، مع ضمان حقوق العمال. لا تعارض بين دعم المستثمر الوطني وحماية حقوق العامل.
تحالف انتخابي بديل
دعا النائب السابق أحمد الطنطاوي إلى تحالف انتخابي بديل. هل يمكن للمعارضة أن تتحد في الانتخابات القادمة؟
التحالف الانتخابي بين قوى المعارضة الوطنية أمر طبيعي وممكن، والحركة المدنية قد تكون المظلة التي تجمعها لدعم مرشح واحد في كل دائرة.
القدرة موجودة، لكن السؤال يبقى: هل ستسمح الدولة بذلك؟

قائمة مستقبل وطن
ما تعليقك على احتمالية مشاركة أحزاب "الحيز المتاح": العدل" و"المصري الديمقراطي" و"الإصلاح والتنمية" في قائمة مستقبل وطن في مجلس النواب المقبل؟
أرى أن المشاركة في قائمة مستقبل وطن خطيئة سياسية لا يمكنني قبولها بأي حال من الأحوال.
ومع ذلك، لا أنكر أن بعض الأحزاب تراها "الحيز المتاح" الوحيد لضمان مقعد برلماني، وهذا خيار يعود لكل حزب على حدة، ويجب أن يتحمل مسؤولية قراره السياسي بالكامل.
رفضنا قانون الإيجار القديم والحكومة انحازت لطرف على حساب الآخر، والبرلمان أصدر هذا القانون لأنه لا يعبر عن المصريين، بل يعبر عن إرادة من يحكم مصر
هل هزيمة تحالف قائمة مستقبل وطن مستحيل في الانتخابات المقبلة؟
نعم طبعًا، مستحيلة.
عندما تضع قانونًا كقانون القائمة المطلقة، الذي يضمن 50% من المقاعد من اليوم الأول، فالأمر مستبعد جدًا.

عندما لا تكون هناك إرادة حقيقية لمواجهة المال السياسي بشكل صارم وقوي، وعندما يكون سقف الدعاية غير مطبق بوضوح، فهذا يصعّب أي منافسة حقيقية، خاصةً مع توسعة الدوائر التي تحتاج دعاية مبالغ فيها، وهو ما لا يستطيعه إلا مرشح مليونير طامع في الكرسي، وليس مرشحًا يمثل الطبقة الفقيرة يريد أن يخدم الناس بوقته وجهده وفكره وليس بماله.
برلمان 2025
ما هو استشرافك للبرلمان القادم.. برلمان "جمهورية جديدة" كما تقول الموالاة أم نسخة من برلمان 2010 كما يتوقع المتشائمون؟
المجلس الحالي هو برلمان 2010.
وإذا تم تشكيل المجلس القادم بنفس طريقة مجلس الشيوخ، فسيكون نسخة أخرى من برلمان 2010، حيث لا توجد معارضة حقيقية.
السؤال الذي أكرره: ما الذي يضير مصر من وجود 50 أو 60 نائبًا معارضًا منتخبًا بإرادة الناس؟ هذا سيثري النقاش ويساعد الحكومة على تصويب مسارها.
في ظل المناخ الراهن.. هل تتوقع أن تحصل المعارضة على 50 مقعدًا في برلمان 2025؟
لا أعتقد أن المعارضة تستطيع تقديم أكثر من 50 مرشحًا في المجمل، فضلًا عن فوزهم جميعًا. المهم ليس العدد، بل فرص النجاح الحقيقية، وهل ستكون نتيجة الانتخابات معبرة عن إرادة الناس أم لا.
الأزمة الحقوقية وأوضاع السجون
في 23 مارس 2016، طالبتَ تحت قبة البرلمان بالسماح لك بزيارة السجون. هل ستعيد طرح هذا الطلب إذا فزت في الانتخابات القادمة؟
من حق أي عضو في مجلس النواب أن يطلب زيارة السجون، وأنا بالفعل أرغب في الاطلاع بنفسي على حقيقة ما يجري داخلها، لأطمئن وأتأكد من الواقع، سواء كان في صالح الحكومة أو ضدها.
أما ملف حقوق الإنسان، فأؤكد أنه يمكن حسمه بـ "جرة قلم" إذا توفرت الإرادة السياسية.
رفع اسم علاء عبد الفتاح من قوائم الإرهابيين.. هل تتوقع انفراجة في ملف الإفراجات السياسية؟
القضية لا تتعلق بعلاء أو الدكتورة ليلى سويف وحدهما، بل تشمل عشرات ومئات وربما آلاف سجناء الرأي.
أتمنى أن نراهم جميعًا خارج السجون في لحظة واحدة. هؤلاء دُمّرت حياتهم وحياة أسرهم، وحتى بعد الإفراج سيحتاجون سنوات لاستعادة حياتهم الطبيعية.

مصر تتبنى موقفًا جيدًا من القضية الفلسطينية، فلماذا يُسجن شباب لمجرد رفعهم علم فلسطين؟ كفى، حان الوقت لخروجهم.
ما رسالتك لصاحب القرار في إنهاء ملف سجناء الرأي؟
من يملك القرار معروف للجميع، وأقول له: أتمنى الرأفة والرحمة بالأسر والعائلات المصرية، وأن نغلق هذا الملف، فالمسجونون يستحقون فرصة لحياة جديدة.
حكماء المشهد السياسي

برحيل والدك السياسي الكبير أبو العز الحريري وأمثاله، هل فقدت مصر حكماء السياسة؟
المشكلة في المناخ السياسي؛ جيل أبو العز الحريري وخالد محيي الدين وعادل عيد نشأ في بيئة سمحت بظهورهم.
اليوم نفتقد المجالس المحلية الفاعلة، والأحزاب والمجالس النيابية الحقيقية، فنخسر كوادر سياسية يوميًا. إذا صلح المناخ، ستنمو أجيال جديدة من القيادات.
نرفض أي تعديل دستوري يهدف لمد فترات الرئاسة، ولو طُرحت تعديلات جديدة لمد فترة الرئاسة، في البرلمان، سنرفضها
ما رسالتك للناخب المحبط؟
أنا أتفهم هذا الناخب المحبط تمامًا، وموقفه له ما يبرره.
أتفهم إحباطك وأسبابه، لكن أذكرك بأمرين: من حقك أن تجد مرشحًا تثق فيه، ولهذا نخوض الانتخابات. لا تحاسب نائبك على أداء المجلس كله، بل على أدائه هو وتواصله معك.

أما المقاطع، فأدعوه لإعادة التفكير؛ إذا وجدت مرشحًا جيدًا في دائرتك، انزل وادعمه ثم حاسبه لاحقًا. مثل الأطباء مع الحالات الصعبة، علينا جميعًا أن نبذل ما بوسعنا، ونحتاج لدعم الناس.
أخيرًا، إلى أين تتجه مصر برأيك؟
إذا واصلنا المسار نفسه، فالمستقبل سيكون أسوأ.

أما إذا بدأنا إصلاحًا حقيقيًا قائمًا على العدالة والديمقراطية وحرية الرأي، ووجهنا الموارد للتعليم والصحة والاستثمار المنتج، وتوقفنا عن مراكمة الديون، فبوسع مصر أن تنهض كما فعلت دول مثل البرازيل.
التغيير ممكن، لكن تأجيله سيجعل الأزمات أعمق والديون أثقل.