مصر وإسرائيل.. لماذا تدهورت العلاقات الرسمية الدافئة؟

أطلقت قوة مصرية متمركزة على حدود غزة النار على قوة للاحتلال الإسرائيلية في رفح، نتيجة تأثرها بالمجزرة التي وقعت للفلسطينيين هناك، وفقًا لبعض وسائل الإعلام. في تبادل إطلاق النار الناتج عن ذلك، استشهد الجندي المصري عبد الله رمضان. وفي حين أن مثل هذه الحوادث ليست غير مسبوقة بين الجانبين، إلا أن مناوشات يوم الإثنين الماضي ونتائجها تشير إلى تحول كبير -فبعد سنوات من العلاقات الرسمية الدافئة دون الشعبية- دفعت حرب غزة العلاقات بين مصر وإسرائيل إلى الحضيض، كما يقول ديفيد شينكر مدير برنامج روبين للسياسة العربية في أحد تحليل نُشر أمس بمعهد "واشنطن لسياسات الشرق الأدنى".

الأيام الدافئة بين مصر وإسرائيل

يقول "شينكر" إن العلاقات الرسمية المصرية الإسرائيلية شهدت منتهى أيامها الدافئة بعد عام 2013، عندما طلبت القاهرة مساعدة إسرائيلية في مواجهة تنظيم "داعش" في سيناء. حينها، طلبت مصر تعديل الملحق الأمني لمعاهدة السلام لعام 1979 للسماح بنشر قوات ومعدات عسكرية في شبه الجزيرة، ووافقت إسرائيل على الطلب، ووفرت الدعم الجوي والمعلومات الاستخباراتية لمساعدة مصر في احتواء التهديد.

سمحت إسرائيل -وقتها- بنشر حوالي 66 ألف جندي مصري في سيناء، وهو ثلاثة أضعاف العدد المسموح به في المعاهدة، مما غير ديناميكية العلاقة الثنائية.

وفي 2019، أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي أن التعاون مع إسرائيل في مكافحة الإرهاب كان "أعمق وأوثق" من أي وقت مضى.

مصر وإسرائيل.. العداء في القلوب باق

جنديان مصريان على معبر رفح
جنديان مصريان على معبر رفح

ومع ذلك، فإن هذا الدفء الرسمي لا يزال بعيدًا عن البواطن التي أثارتها مجددًا حرب غزة الأخيرة، والتي تصاعدت شعبيًا حتى وصلت إلى تراجع التقدم في العلاقات الرسمية؛ بفعل الانتهاكات والجرائم الإسرائيلية المتكررة.

يقول "شينكر" إنه بعد هجوم حماس على المستوطنات الإسرائيلية في 7 أكتوبر، نظمت الحكومة المصرية احتجاجات ضد إسرائيل في جميع أنحاء البلاد. وأكد الرئيس السيسي في نوفمبر أن نقل الفلسطينيين إلى مصر أو الأردن يشكل "خطًا أحمر" للقاهرة، محذرًا من أن معاهدة السلام ستكون في خطر إذا حاولت إسرائيل إجلاء المدنيين من غزة عبر الحدود.

وعقب ذلك اجتاحت إسرائيل رفح، كما احتلت ولا تزال محور صلاح الدين (فيلادلفيا) ومعبر رفح من الجانب الفلسطيني، وهو الأمر الذي يخترق معاهد السلام المصرية الإسرائيلية في 1979، وهو ما استنكرته الحكومة المصرية وأدانته، ورفضت على إثره إدخال المساعدات إلى غزة، بالتعاون والتنسيق مع الإسرائيليين.

رواية الأنفاق الحدودية بين مصر وإسرائيل

كانت الأنفاق العابرة للحدود مصدرًا آخر للاحتكاك بين البلدين، كما يرى محلل معهد "واشنطن". ففي يناير، ألمحت إسرائيل إلى أنها ستسيطر على ممر صلاح الدين (فيلادلفيا) لمنع إعادة تسليح حماس عبر أنفاق التهريب في سيناء. رفضت القاهرة هذا الأمر، مؤكدةً أن أي وجود إسرائيلي في الممر يعد خرقًا للالتزامات الأمنية لمعاهدة السلام. وحذر مسؤول مصري من أن مصر ستدافع عن أمنها القومي والقضية الفلسطينية.

وفي يناير، أعلنت مصر أنها دمرت أكثر من 1,500 نفق على طول حدود غزة، مما يجعل عمليات التهريب "مستحيلة". ورغم ذلك، ادعت قوات الاحتلال الإسرائيلية بعد اجتياحها المحور الواقع في رفح الفلسطينية اكتشاف 50 نفقًا يعبر إلى مصر، في إشارة إلى اتهام القاهرة بالتواطؤ في تهريب الأسلحة التي ساعدت حماس في تنفيذ هجومها الأخير.

نفق في غزة
نفق في غزة

الخلاف حول تنسيق المساعدات

ينظر "شينكر" إلى المساعدات الإنسانية باعتبارها نقطة خلاف جديدة بين مصر وإسرائيل. فمنذ أشهر، تلوم الدولتان بعضهما البعض على التأخير في إيصال المساعدات إلى غزة.

وقد أعلن أحد المسؤولين المصريين: "طالما بقيت القوات الإسرائيلية على معبر رفح، فإن مصر لن ترسل شاحنة واحدة إلى رفح". ووفقًا لمسؤول أمريكي كبير، فإن مصر "تحجب" المساعدات الإنسانية لأنها لا تريد أن "تُعتبر متواطئة مع احتلال إسرائيل للبوابة".

الرضوخ للضغوط الدبلوماسية

وفي الأسبوع الماضي، سمحت القاهرة لشاحنات المساعدات بالعبور إلى إسرائيل واستخدام معبر كرم أبو سالم، لكنها تواصل منع الحركة عبر معبر رفح. هذا الوضع وصل ببعض المساعدات إلى حالة التعفن بسبب التأخير، مما جعل إسرائيل تتحمل الجزء الأكبر من اللوم الدولي عن الأزمة الإنسانية.

تفاقم التوترات والوساطات المتعثرة

وفي مقابل إحراج تل أبيب للقاهرة خلال الحرب، أعلنت القاهرة الانضمام إلى قضية جنوب إفريقيا ضد إسرائيل في محكمة العدل الدولية، متهمة إسرائيل بارتكاب "إبادة جماعية" ضد الفلسطينيين.

جندي مصري على برج حدودي
جندي مصري على برج حدودي

يتابع "شينكر" تحليل الأزمة بين مصر وإسرائيل بترديد رواية تغيير الشروط التي وافقت عليها إسرائيل لاقتراح وقف إطلاق النار عندما قدمتها مصر إلى حماس. ويقول إنه سواء كان التغيير متعمدًا أو بسبب عدم الكفاءة، فقد أحبط فرصة تأجيل الهجوم ووقف الحرب مؤقتًا، مما قوض الثقة الإسرائيلية في وساطة مصر. وقد نفت القاهرة هذه القصة، واتهمت إسرائيل بمحاولة عرقلة جهود الوساطة، التي هددت بالانسحاب منها.

ومع اقتراب حرب غزة من شهرها التاسع، يبدو أن الاحتكاك بين تل أبيب والقاهرة يقترب من ذروته. في أوائل مايو، بينما كانت المفاوضات بوساطة مصرية مع حماس تنهار، أخبر مدير وكالة الاستخبارات المركزية وليام بيرنز إسرائيل أن استمرار عمليات رفح قد يدفع مصر إلى "إلغاء اتفاقيات كامب ديفيد". ونقلت تقارير أخرى عن مسؤولين مصريين قولهم إن القاهرة فكرت في سحب سفيرها.

هل تبقى اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل؟

مع الحديث عن زوال اتفاق السلام الذي مضى عليه 45 عامًا، يبقى أن تبادل إطلاق النار الأخير والتدهور في العلاقات يبعثان على القلق، كما يقول "شينكر".

ومع ذلك، لا يزال كلا البلدين يستفيدان بشكل كبير من معاهدة 1979، التي جلبت خاصة لمصر مشاركة وتمويلًا طويل الأمد من الولايات المتحدة.

ولكن تبقى المشاعر الشعبية في مصر مع الفلسطينيين وسلبية تجاه إسرائيل، ما يزيد الضغط على النظام المصري الذي يواجه انتقادات داخلية بسبب الاقتصاد الضعيف وبيع أراضٍ لدول أجنبية، كما يشر محلل معهد "واشنطن".

ما يجب على واشنطن فعله

ينصح "شينكر" واشنطن بأن تعمل للحد من التوترات بين مصر وإسرائيل ومنع تصعيدها. ويقول إنه على المدى القريب، يعني هذا حث مصر على تحسين الانضباط بين قواتها الأمنية.

ويضيف أنه بمجرد انتهاء الحرب وتحسن العلاقات، يجب تشجيع إسرائيل على العمل مع القوة المتعددة الجنسيات ومصر للعودة إلى الانتشار العسكري الأصلي في سيناء.

والأهم من ذلك، يجب على إدارة بايدن أن تحث القاهرة على توجيه إحباطاتها نحو دبلوماسية أكثر إنتاجية بدلًا من تجميد المساعدات والقضايا القانونية وتبادل الاتهامات، على حد قوله.

بينما يرى "شينكر" أنه مع توقف الوساطة القطرية الأخيرة، تملك مصر فرصة فريدة بين الدول العربية للعب دور دبلوماسي بناء في التوصل إلى وقف إطلاق النار، وإطلاق سراح الرهائن، والمساعدة في تشكيل مستقبل غزة.


ديفيد شينكر هو زميل أقدم في معهد واشنطن ومدير برنامج السياسة العربية، وشغل منصب مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى من يونيو 2019 حتى يناير 2021.

كان المستشار الرئيسي لوزير الخارجية في شؤون الشرق الأوسط، مشرفًا على السياسة الأمريكية والعمل الدبلوماسي في 18 دولة، بما فيها السلطة الفلسطينية والصحراء الغربية. قاد شينكر جهود تعزيز المصالح الأمريكية، وتوطيد التحالفات، وتعزيز حقوق الإنسان، ومحاربة الإرهاب والفساد. كما ركز على استراتيجية الولايات المتحدة بشأن الصين، وحل الصراعات في ليبيا واليمن، وتوطيد اتفاقات أبراهام، ومكافحة النفوذ الإيراني في المنطقة.


التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة