مكاسب في دفاتر البنوك.. وأعباء تتسلل إلى جيوب المصريين

لم تكن اجتماعات لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري تشغل بال معظم المواطنين، باستثناء من يفكرون في الاقتراض أو إيداع مدخراتهم بالبنوك، لكن هذه المعادلة تغيرت خلال السنوات الأخيرة، بعدما أصبحت قرارات الفائدة تتجاوز التعاملات المصرفية، لتؤثر في ميزانية الأسرة وأسعار السلع وفرص العمل والإنفاق العام.

وقد جاء قرار البنك المركزي رفع أسعار الفائدة بواقع 100 نقطة أساس، بما يعادل 1%، قبل أيام، ليعيد هذا التأثير إلى الواجهة، بعدما ارتفع عائد الإيداع والإقراض لليلة واحدة وسعر العملية الرئيسية إلى 20% و21% و20.5% على الترتيب. فالزيادة التي تبدو للوهلة الأولى مرتبطة بحسابات البنوك والمستثمرين، تحمل تداعيات أوسع على اقتصاد يعتمد القطاع الخاص فيه على نحو 65% من الإنتاج، مع تراجع دور الدولة ومحدودية استعدادها لتحمل أعباء اقتصادية إضافية.

ويقدر الخبير الاقتصادي مصطفى عادل أن كل زيادة بنسبة 1% في أسعار الفائدة قد ترفع فوائد الدين المحلي بنحو 120 مليار جنيه، مشيرًا إلى أن هذه الزيادة تأتي في أعقاب ارتفاعات متلاحقة لسعر الدولار، وصلت إلى 6 جنيهات خلال شهرين، إذ يمكن لكل زيادة قدرها جنيه واحد في سعر الدولار أن تضيف نحو 5 مليارات جنيه إلى فوائد الدين الخارجي.

فاتورة الدين تقتطع من الموازنة

لا تقف كلفة الديون العامة عند حدود الحسابات الحكومية، ففوائدها تستحوذ على جانب كبير من مصروفات الموازنة، وتضيق المساحة المتاحة للإنفاق على قطاعات مثل التعليم والصحة وبرامج الحماية الاجتماعية والدعم، بما في ذلك المخصصات الموجهة للسلع الأساسية والفئات الأولى بالرعاية.

وخلال الفترة من يوليو 2025 إلى مايو 2026، بلغت مدفوعات فوائد الدين بالموازنة العامة 2.12 تريليون جنيه، بما يعادل 52.3% من إجمالي المصروفات، التي تشمل الأجور والدعم والاستثمارات وشراء السلع والخدمات، ونحو 71.2% من إجمالي الإيرادات.

ولتقريب حجم هذا العبء، يمكن تصور شخص يتقاضى راتبا شهريا قدره 10 آلاف جنيه، يذهب منها 5200 جنيه إلى فوائد الديون وحدها، من دون احتساب أقساطها، بينما يتبقى له 4800 جنيه لتغطية الطعام والشراب وتعليم أسرته والأدوية وسائر احتياجاته.

ويرى عادل أن المشكلة تتجاوز حجم الفكل المقالاتوائد المدفوعة، لأن جزءًا متزايدًا من موارد الدولة يذهب إلى خدمة ديون سابقة، وهو ما يجعل الدين فاتورة تخصم من موارد المستقبل، بينما يمتد تأثير سعر الصرف والفائدة إلى أعباء أعمق وأطول أجلا من مجرد زيادة الأسعار.

ويقدر الخبير الاقتصادي أن ارتفاع الدولار من 47 إلى 56 جنيها خلال العام الأخير يضيف نحو 45 مليار جنيه إلى أعباء الموازنة العامة، ومع زيادة الفائدة بنسبة 1%، التي تقدر كلفتها بنحو 120 مليار جنيه، تصل الأعباء الإضافية المحتملة إلى 165 مليار جنيه، فوق فاتورة الفوائد القائمة.

التمويل الأغلى يضغط على القطاع الخاص

لا تنتهي تداعيات ارتفاع الفائدة عند الموازنة العامة، إذ تنتقل إلى الشركات والمصانع التي تعتمد على الاقتراض لتمويل عملياتها والتوسع في الإنتاج. فارتفاع تكلفة التمويل قد يدفعها إلى تأجيل استثمارات جديدة أو تقليص خطط التوسع، بما يحد من قدرتها على زيادة الإنتاج واستيعاب عمالة جديدة وتحسين الأجور

ويأتي ذلك في وقت يواجه فيه القطاع الخاص غير النفطي في مصر ضغوطًا متزايدة، إذ تسارع انكماشه خلال سبتمبر 2026، متأثرا بالتضخم وضعف الطلب والاضطرابات الجيوسياسية، بالتزامن مع توجهات السياسة النقدية وأسعار الفائدة. وانخفض مؤشر مديري المشتريات الصادر عن مؤسسة "إس آند بي جلوبال" إلى 47.2 نقطة، مقابل 49.6 نقطة في أغسطس.

وقد يفاقم رفع الفائدة هذه الضغوط، سواء بتراجع قدرة الشركات على الاقتراض والتوسع، أو بتحميل المستهلكين جانبا من تكلفة التمويل المرتفعة عبر زيادة أسعار السلع والخدمات، وهو ما قد يضيف ضغوطا تضخمية جديدة إلى السوق.

ويقول الدكتور محمد البنا، أستاذ الاقتصاد والمالية العامة، إن تأثير رفع الفائدة على الاستثمار والقطاع الخاص مزدوج، إذ تؤدي زيادة تكلفة الاقتراض إلى ارتفاع الأعباء التمويلية على الشركات ومؤسسات الأعمال، سواء عند الحصول على قروض تشغيلية أو استثمارية، وهو ما قد يبطئ التوسع الاستثماري خلال فترة لاحقة.

وتقوم فلسفة رفع الفائدة على تقليل الطلب على السلع والخدمات، من خلال تشجيع الأفراد على تأجيل الإنفاق وتوجيه مدخراتهم إلى الأوعية المصرفية ذات العائد المرتفع، بما يساعد على تهدئة الأسعار. لكن البنا يحذر من أن الإفراط في رفع الفائدة لفترة طويلة، عند مواجهة تضخم ناتج عن صدمة في جانب العرض، قد يأتي بنتيجة عكسية، إذ تحمل الشركات تكلفة التمويل المرتفعة للمستهلكين عبر زيادة أسعار منتجاتها وخدماتها.

وتظهر المشكلة أيضا عندما تحجم الشركات عن الاقتراض بسبب ارتفاع تكلفته، فتتراجع قدرتها على زيادة الإنتاج، وينخفض المعروض من السلع والخدمات، فضلا عن فقدان ميزة وفورات الإنتاج الكبير، التي تسمح بتوزيع النفقات الثابتة على كميات أكبر من الإنتاج، وهو ما قد يرفع تكلفة الوحدة الواحدة وينعكس على أسعار البيع.

وتتركز المخاطر بصورة أكبر على الشركات التي تعتمد على قروض ذات فائدة متغيرة، ترتبط بتحركات أسعار الفائدة التي يحددها البنك المركزي، أو بمؤشرات أساسية مثل سعري الإيداع والإقراض لليلة واحدة، إذ تتغير تكلفة التمويل لديها تبعا لهذه القرارات، بخلاف القروض ذات العائد الثابت.

ومن أبرز القطاعات المعرضة لهذا التأثير الشركات العقارية، التي تمتد مشروعاتها لسنوات طويلة منذ بدء الحفر والإنشاءات وحتى التسليم، بينما تتحفظ البنوك على منحها قروضا طويلة الأجل بفائدة ثابتة، بسبب مخاطر التضخم وتقلبات الاقتصاد، خاصة ما يتعلق بسعر الصرف.

تباطؤ الاستثمار يفتح باب البطالة

حين تتراجع قدرة الشركات على التوسع والإنتاج، قد يمتد الأثر إلى سوق العمل، إذ تلجأ المؤسسات التي تواجه تباطؤا في النشاط إلى تجميد التوظيف الجديد أو تقليص العمالة، في محاولة للحد من النفقات ومواجهة ضعف النمو، بما قد يدفع معدلات البطالة إلى الارتفاع.

وتشير بعض الدراسات إلى أن انخفاض نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3% عن مستواه الطبيعي يؤدي إلى زيادة معدل البطالة بنحو 1% تقريبا. كما تتوقع نماذج اقتصادية تستند إلى منحنى فيليبس التقليدي أن تؤدي زيادة الفائدة في الولايات المتحدة بهدف خفض التضخم بنسبة 1% إلى ارتفاع البطالة بنسبة تتراوح بين 0.5% و1% لفترة مؤقتة، وهو ما يعرف اقتصاديا بمعدل التضحية.

وعلى المستوى المحلي، تراجع معدل البطالة في مصر إلى 5.8% خلال الربع الثاني من عام 2026، مقابل 6% في الربع الأول من العام نفسه، و6.3% خلال عام 2025، بحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

لكن رفع الفائدة لا يحمل تأثيرًا سلبيًا على جميع المتعاملين مع البنوك. فالأفراد الذين حصلوا على قروض بعائد ثابت لا تتغير تكلفة اقتراضهم مع كل قرار جديد للبنك المركزي، إذ تظل الفائدة محددة وفقا لشروط القرض وقت الحصول عليه، بينما يتحمل المقترضون الجدد تكلفة أعلى عند طلب التمويل.

وفي المقابل، قد يحصل المدخرون الجدد على عوائد أكبر. فمن يودع مليون جنيه بعائد سنوي قدره 19% يحصل على 190 ألف جنيه، بينما يرتفع العائد إلى 200 ألف جنيه لمن يودع المبلغ نفسه في وعاء ادخاري يقدم عائدا بنسبة 20%، بفارق 10 آلاف جنيه سنويا.

المدخرون والبنوك في جانب المكاسب

يستحوذ القطاع العائلي، أي الأفراد الطبيعيون، على النسبة الأكبر من إجمالي الودائع لدى البنوك المصرية، بنحو 68%، وهو ما يجعل زيادة العائد على المدخرات مؤثرة في ملايين الأسر، خاصة المتقاعدين وأصحاب المعاشات والمغتربين الذين يعتمد بعضهم على العوائد الشهرية أو ربع السنوية للشهادات الادخارية بوصفها مصدرا أساسيا أو مساعدا للدخل.

لكن قيمة هذه المكاسب تظل مرتبطة بقدرة الجنيه على الحفاظ على قوته الشرائية، إذ يمكن لارتفاع سعر الدولار أن يعيد الضغوط التضخمية ويقلص القيمة الفعلية للعائد الذي يحصل عليه المدخرون.

ووفقًا لبنك الاستثمار العالمي "جي بي مورجان"، تراجع الجنيه أمام الدولار بنحو 7.3% منذ بداية أكتوبر، من 51.9 جنيه إلى نحو 56 جنيها، وهو ما دفع البنك إلى رفع توقعاته للتضخم خلال الاثني عشر شهرا المقبلة بنحو 0.7 نقطة مئوية، مقدرا أن يضيف انخفاض العملة ما بين 0.8 و0.9 نقطة مئوية إلى مسار التضخم على المدى القريب.

ويرى البنا أن رفع البنوك أسعار الفائدة على الشهادات ذات العائد المتغير والحسابات الادخارية يساعد على جذب السيولة من السوق إلى الأوعية المصرفية، ويعزز العائد الحقيقي على المدخرات، بما يحمي قوتها الشرائية من آثار التضخم. فمع ارتفاع الأسعار قد يضطر بعض الأفراد إلى سحب جانب من مدخراتهم لتغطية احتياجاتهم اليومية، وهو ما يجعل رفع العائد وسيلة لتشجيعهم على الاحتفاظ بها.

وتستفيد البنوك أيضا من زيادة جاذبية الأوعية الادخارية، التي تساعد على جذب المزيد من الودائع وتحويل جانب من المدخرات الموجودة في الأصول غير المنتجة إلى حسابات مصرفية تدر عوائد. كما قد تستقطب هذه الأوعية جزءا من المستثمرين الذين يفضلون الابتعاد عن مخاطر البورصة أو تقلبات أسعار الذهب، بحثا عن عائد أكثر استقرارا.

ويمتد المستفيدون إلى المستثمرين في أدوات الدين الحكومية، المعروفين بالأموال الساخنة، الذين تتأثر قراراتهم بمستويات العائد على هذه الأدوات. وقد بدأت هذه الأموال العودة إلى السوق الثانوية لأدوات الدين بعد موجة نزوح تجاوزت 10 مليارات دولار خلال أكتوبر، وهي الفئة التي يستهدف البنك المركزي تعزيز جاذبية السوق أمامها، مع رفع أسعار الفائدة لأول مرة منذ نحو عامين ونصف.

ويقول الخبير المصرفي رمزي الجرم إن الهدف من رفع الفائدة هو زيادة جاذبية العائد على أدوات الدين الحكومية، للحد من خروج الأموال الساخنة، ودعم العملة المحلية أمام الدولار من خلال زيادة الطلب على الجنيه، والمساعدة في التخلص تدريجيا من حالة الدولرة.

لكن الجرم يرى أن تجربة رفع سعر صرف الدولار الأمريكي مقابل الجنيه المصري للحد من نزوح الأموال الساخنة لم تكن موفقة، لأنها دفعت أسعار السلع والخدمات إلى الارتفاع بنسب كبيرة، كما يرجح أن تؤدي إلى زيادة معدلات التضخم المرتفعة بالفعل. ويشير إلى أن تراجع سعر الصرف لاحقا لا يعني بالضرورة عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة، في ظل استمرار المنتجين ومقدمي الخدمات في التسعير وفق مستويات التكلفة التي اعتادوا عليها.

وتواجه جهود خفض التضخم تحديا إضافيا مع تعديل لجنة السياسة النقدية مستهدفها الزمني للوصول إلى معدل يتراوح بين 7% و9%، بمنتصف عام 2027، إلى نهاية العام نفسه، بما يعني تأجيل الموعد المستهدف نحو 6 أشهر.

وتوقع بنك "جي بي مورجان" أن تتجه مصر إلى زيادة أسعار الوقود خلال يناير 2027، محذرا من أن أي زيادة تتجاوز تقديراته، مع استمرار الضغوط على سعر الصرف، قد تدفع التضخم إلى مستويات أعلى من توقعاته الحالية. ومع كل زيادة جديدة في الأسعار، يصبح العائد الذي تحصل عليه الأسر على مدخراتها محكوما بما يستطيع شراءه في السوق، فقد يرتفع رصيدها بالجنيه، بينما تتراجع قدرتها على الحصول على السلع والخدمات نفسها.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة