خلصت ورقة بحثية جديدة صادرة عن "فكر تاني" إلى أن أهمية موافقة البرلمان على إرسال قوات مصرية إلى السعودية، في نهاية أكتوبر الماضي، تتجاوز نتيجة التصويت إلى ما تكشفه عن حدود العلاقة بين الاختصاص الدستوري والنفوذ السياسي في القرارات الأمنية، إذ قد يمتلك البرلمان سلطة قانونية حاسمة في إجازة القرار أو رفضه، دون أن تكون له بالضرورة قدرة مماثلة على التأثير في مضمونه أو متابعة مسار تنفيذه.
وتناقش الورقة، التي أعدها الباحث محمد سعد، تحت عنوان "الأمن القومي تحت القبة.. البرلمان المصري وحدود السلطة في قرار استخدام القوة العسكرية"، مدى قدرة البرلمان المصري على التأثير في قرارات استخدام القوة العسكرية خارج الحدود، وما يمتلكه من أدوات لمراقبة تنفيذها بعد إقرارها. وتضع هذه المسافة بين سلطة الموافقة الدستورية والقدرة الفعلية على توجيه القرار ومحاسبة القائمين على تنفيذه في قلب دراستها لتطور المؤسسة التشريعية المصرية.
3 مستويات للسلطة البرلمانية
تتناول الدراسة تفويض أكتوبر 2026 من خلال تحليل الإجراءات الدستورية وتسلسل الجلسات والمواقف الحزبية والبرلمانية المعلنة، وصولًا إلى صياغة القرار النهائي، مع الاستعانة بسابقة التفويض المرتبط بالأزمة الليبية في يوليو 2020 للمقارنة بين التجربتين.
وتحدد الورقة 3 مستويات للسلطة البرلمانية، أولها سلطة الإجازة الدستورية التي تتيح للمجلس الموافقة على استخدام القوة العسكرية أو رفضه، وثانيها سلطة التأثير في مضمون القرار ومساره، أما الثالث فيتعلق بسلطة المساءلة اللاحقة ومراقبة التنفيذ.
ويفصل هذا التصور بين امتلاك البرلمان اختصاصًا قانونيًا يتيح له إقرار القرار، وبين قدرته السياسية على ممارسة نفوذ يتجاوز لحظة التصويت. ووفقًا للباحث محمد سعد، تنصب الدراسة على فهم موقع المؤسسة التشريعية في عملية اتخاذ القرار الأمني، ولا تستهدف تقييم الجدوى العسكرية للدعم المصري المحتمل للسعودية.
سرية المداولات وحدود الأدلة
تعتمد الورقة في فحصها للتفويض على الوثائق الرسمية والمواقف الحزبية والتصريحات والتغطيات المنشورة، وتتتبع الإجراءات والتفاعلات المؤسسية التي سبقت التصويت، مع وضع حدود واضحة لما يمكن استنتاجه من هذه الأدلة، في ظل سرية المداولات البرلمانية.
وتشير إلى أن المعلومات المتاحة علنًا لا تكفي لإعادة بناء جميع التفاعلات التي سبقت التصويت، وهو ما يفرض الحذر عند تقييم دور البرلمان. فتأجيل التصويت، وفق منهج الدراسة، لا يثبت في حد ذاته نجاح المجلس في تعديل القرار أو التأثير في مضمونه، كما أن الموافقة النهائية لا تعني بالضرورة غياب أي تأثير برلماني خلال المراحل السابقة.
ويؤكد سعد أن البحث ينطلق من تحديد السلطات التي مارسها البرلمان بالفعل وفق الأدلة المتاحة، ومدى إمكانية إثبات تأثيرها في القرار الأمني، دون افتراض استقلال المؤسسة التشريعية أو تبعيتها مسبقًا.
وتضم الورقة مقدمة وإطارًا مفاهيميًا، إلى جانب دراسة الإطار الدستوري للقرار وسابقة ليبيا في 2020، وما تعنيه الموافقة البرلمانية، والإجراءات والتفاعلات السياسية وصولًا إلى التصويت. كما تبحث حدود السلطة البرلمانية في القرار الأمني، ودلالات تأجيل التصويت بين التداول البرلماني والترتيبات السياسية، ودور المعارضة، وأدوات الرقابة اللاحقة.
وتتضمن الدراسة جدولًا يوضح مستويات السلطة البرلمانية في تفويض أكتوبر 2026 وحدود الأدلة المتاحة بشأنها، إلى جانب خاتمة وقائمة بالمراجع.