قسط متأخر لا يبيح الإهانة.. عن كابوس التمويل الاستهلاكي وحدود صلاحيات المحصلين

لم يكن بلال، وهو أب لخمسة أطفال، يتوقع أن يتحول تعثره المؤقت في سداد أقساط التمويل الاستهلاكي إلى كابوس يومي من الاتصالات التي يقول إنها تضمنت إهانات وتهديدات.

التزم بلال، الذي يعمل موظفًا بالتليفزيون المصري ويبلغ من العمر 41 عامًا، سنة كاملة بسداد أقساط حصل عليها من شركات "أمان" و"سهولة" و"راية"، واستخدم جزءًا من التمويل في علاج ابنه المصاب بضمور العضلات، قبل أن تتراجع قدرته على السداد خلال الشهرين الأخيرين، بعدما اضطر إلى بيع سيارته التي كان يعمل عليها ليلًا.

يقول لـ"فكر تاني" إنه لا يمتنع عن السداد، وإنه طلب إعادة جدولة المبلغ المتبقي بما يتناسب مع قدرته المالية، لكن طلبه قوبل بالرفض. وبحسب روايته، لم تقتصر أزمته على تراكم المديونية، إذ تلقى اتصالات متكررة من موظفي الشركات الثلاث تطالبه بالسداد، "تبدأ في الثامنة صباحًا وتستمر حتى الواحدة بعد منتصف الليل، وتزداد في نهاية الشهر بسبب تارجت الموظفين". ويقول إن أكثر ما يؤلمه ارتفاع أصوات المتصلين وتهديداتهم، مستشهدًا بقول أحدهم "إحنا دلوقتي بنتكلم معاك بالأدب، بعد كده هتشوف وش تاني". ويصف أثر ذلك على حياته قائلًا "الضغط والزن والخنقة طول اليوم قدام أولادي وصلوا بيا لحالة نفسية سيئة جدًا"، مضيفًا أنه فكر يومًا في إيذاء نفسه.

بلال ليس الحالة الوحيدة التي تحدثت إلى "فكر تاني"، إذ تتكرر في مجموعات فيسبوك شكاوى مشابهة، بعضها أكثر حدة. ولا تثبت هذه الشكاوى أن جميع الشركات تتبع الأساليب نفسها، لكنها تطرح سؤالًا يتجاوز كل تجربة على حدة، أين ينتهي حق الشركة في استرداد مستحقاتها، وتبدأ ممارسات تتجاوز المطالبة بالدين إلى الضغط على العميل؟

سوق يتسع.. وقدرة السداد تحت الاختبار

تزداد أهمية هذا السؤال مع اتساع سوق التمويل الاستهلاكي في مصر، إذ ارتفعت قيمة التمويل الممنوح للعملاء من 29.8 مليار جنيه عام 2022 إلى أكثر من 96.3 مليار جنيه بنهاية 2025، وزاد عدد العملاء من نحو 2.8 مليون إلى أكثر من 12 مليونًا، فيما بلغ عدد تراخيص الشركات 48 ترخيصًا بنهاية العام نفسه.

ويربط خبير أسواق المال الدكتور وائل النحاس هذا التوسع بموجات التضخم الاقتصادي المتتالية، موضحًا أن بعض الأسر لجأت إلى التقسيط اضطرارًا لتدبير احتياجات لم تعد دخولها تكفيها، وأن استخدام التمويل بعد الارتفاع الكبير في الأسعار “امتد من السلع المعمرة إلى الغذاء والعلاج والتعليم وتجهيز الأبناء للزواج”. ويلفت إلى أن شركات التمويل انتبهت إلى حاجة الناس المتزايدة إليها، فارتفع عددها مؤخرًا مع ما تحققه من فوائد مرتفعة تصل أحيانًا إلى 50% سنويًا.

ولا يعزو النحاس التعثر إلى الظروف الاقتصادية وحدها، إذ يرى أن بعض العملاء يشترون أجهزة لإعادة بيعها والحصول على سيولة، فيما يحصل آخرون على تمويل من جهة لسداد التزامات لدى جهة أخرى، في ممارسة تُعرف بـ"إعادة تدوير الديون". ويعتبر أن هذه الممارسات تمثل سوء استخدام للتمويل، وقد تدفع العميل إلى مزيد من التعثر وتزيد المنازعات أمام المحاكم الاقتصادية.

وتتفق سحر الدماطي، الخبيرة الاقتصادية ونائبة رئيس بنك مصر السابقة، مع أن التضخم وارتفاع الأسعار دفعا بعض المواطنين إلى اللجوء إلى التمويل الاستهلاكي، لكنها تشدد على ضرورة التحقق الشامل من قدرة العميل على السداد قبل منحه التمويل. وتقول إن "الاستعلام الائتماني فقط يكشف إذا كان العميل تعثر في التزامات سابقة، لا مصدر الأموال التي سيسدد منها أو حجمها، ولا ينبغي أن يرتبط حصول العميل على الحد الائتماني على أي سكور وحده، حتى لا يجد العميل نفسه فيما بعد متعثرًا ومضغوطًا".

حين يتأخر القسط.. كيف يبدأ الضغط؟

التحقق من قدرة العميل على السداد قبل منحه التمويل لا يضمن استمرار هذه القدرة بعد التعاقد، فقد تتغير ظروفه المالية والأسرية، كما حدث مع أحمد (53 عامًا)، صاحب مغسلة ملابس، الذي يقول إنه تعامل قرابة 4 أعوام مع شركات بينها "فوري" و"أمان" و"تساهيل"، وظل منتظمًا في السداد، قبل أن يتعثر خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة بعدما خسر 67 ألف جنيه كان يدير بها عمله، بالتزامن مع وفاة والدته واستعداده لتجهيز ابنته للزواج.

ويصف أحمد ما يسميه "سُلّم الضغط"، إذ تبدأ الاتصالات بالتذكير في الأيام الأولى للتأخر، ثم التلويح بالتصعيد، قبل أن يتدخل شخص يقدم نفسه باعتباره من الشؤون القانونية. ويروي أن "أمان" أرسلت موظفًا إلى مقر عمله، بدا أسلوبه هادئًا، لكنه حمل في نظره تهديدًا مبطنًا، فيما لوحت شركات أخرى بالتحصيل الميداني أو التشهير أمام الجيران. وفي المقابل، يقول إن موظفًا من "تساهيل" راعى ظروفه بعد وفاة والدته.

وتروي "أ.ي" (51 عامًا) تجربة مشابهة مع "أمان"، بعدما سددت 17 قسطًا من أصل 18، قبل أن تتعثر في القسط الأخير. وتقول لـ"فكر تاني"، "بدأت الرسائل تصلني كل أسبوع ثم كل يومين، ثم المكالمات بنبرة حادة وصوت عالي وأسلوب قذر". وبعد نحو 4 أشهر، وصلتها رسالة تهدد بالمجيء إلى منزلها والتشهير بها أمام الجيران، فتقول إنها اشتكت إلى الشركة، وانتهى الأمر بسداد المديونية وغرامات التأخير كلها.

أما سمر (38 عامًا)، العميلة لدى "فوري"، فتمتد روايتها إلى محيطها الأسري ومقر عملها. فقد انتظمت في السداد نحو عام، قبل أن تتعثر بسبب ظروف أسرية ونفقات أطفالها الأربعة، وبدأت تتلقى اتصالات من أرقام مختلفة، استخدم بعض أصحابها ألفاظًا مسيئة. وتقول لـ"فكر تاني"، "كل ما أعمل حظر لرقم، يتصل بي شخص تاني، رغم إنه في مرة المبلغ المتأخر كان 700 جنيه، يعني مش حاجة كبيرة".

وامتدت الاتصالات، بحسب سمر، إلى والدتها وشقيقتها، المسجل رقماهما ضمن بيانات التواصل معها، كما هددها أحد المحصلين بإبلاغ الجيران بمديونيتها. وتقول "أمي مكنتش تعرف حاجة واتصدمت وتعبت بعد المكالمة".

وتضيف أن أحد الموظفين حضر إلى مقر عملها الحكومي، وعرّف نفسه أمام الموظفين بأنه محامٍ، مدعيًا أن عليها قضية وحكمًا، قبل أن تكتشف عند مواجهته أنه موظف تحصيل لدى مكتب يدعى "أبو شادي". وتروي "لما واجهته وقلتله أنت إزاي جاي تشهر بيا في شغلي وأنا ممكن أطلب لك البوليس، خاف ومشي بسرعة".

التحصيل بين حق المطالبة وحدود التجاوز

تختلف هذه الوقائع في تفاصيلها، لكنها تثير أسئلة مشتركة عن الوسائل التي يجوز لشركات التمويل استخدامها لاسترداد مستحقاتها، وحدود مسؤوليتها عندما تستعين بجهات خارجية للتحصيل. فوجود مديونية مستحقة لا يمنح الشركة، ولا الجهات التي تتولى التحصيل لحسابها، حرية استخدام أي وسيلة للمطالبة بها.

ويضع دليل "حماية المتعاملين في النشاط المالي غير المصرفي" ضوابط لحماية العملاء من ممارسات التحصيل التعسفية، وينص أحد بنوده صراحة على حظر القيام بأي ممارسات ضارة ضد العملاء عند استيفاء الديون. كما جمع الدليل الشامل الصادر في 5 سبتمبر 2026 القواعد المنظمة للنشاط في مرجع واحد، ومن بينها إلزام الشركات بإخطار العملاء ببيانات شركة التحصيل ووسائل التحقق من هوية المحصلين.

وتكتسب هذه الضوابط أهمية إضافية مع استعانة الشركات بجهات خارجية لتحصيل المستحقات. ففي القرار رقم 278 لسنة 2025، أنشأت الهيئة العامة للرقابة المالية سجلًا لقيد شركات تحصيل المستحقات لصالح أنشطة التمويل غير المصرفي، ثم مدد القرار رقم 139 لسنة 2026 مهلة توفيق الأوضاع حتى 22 يناير 2027، على أن يُحظر بعدها التعامل مع شركات غير مقيدة.

وبعد قيد أول شركتين في 22 يونيو 2026، ارتفع العدد إلى 8 شركات في 21 سبتمبر، ثم إلى 12 شركة في 20 أكتوبر من العام نفسه.

ومن واقع تعامله مع حالات مماثلة، يقول المحامي أحمد عبد السلام إن بعض ممارسات التحصيل التي واجهها موكلوه تضمنت تهديدات بالتشهير بهم. ويؤكد لـ"فكر تاني" أن "المطالبة بالدين حق للشركة، لكن وجود مديونية لا يبرر التهديد أو الإهانة وكشف بيانات العميل للغير، أو الزيارات المنزلية التي يقصد بها الإحراج أمام الجيران والتشهير أو التهديد".

ويعتبر عبد السلام هذه الممارسات مخالفة للقانون، وينصح من يتعرضون لها بالاحتفاظ بالرسائل وسجلات الاتصالات وأرقام المتصلين، وتحرير محضر في قسم الشرطة أو مباحث الإنترنت بحسب ظروف الواقعة. ويشدد على أن "إسناد التحصيل إلى مكتب خارجي لا يمنع مساءلة إدارة شركة التمويل الأصلية"، مع إمكانية تحديد هوية صاحب الرقم المستخدم تمهيدًا للمطالبة بالتعويض.

ماذا يعرف العميل عن عقده؟

لا تتعلق المشكلة بطريقة المطالبة بالدين وحدها، إذ تبدأ بعض جوانبها منذ لحظة التعاقد، حين لا يكون العميل على دراية كافية بشروط التمويل والتزاماته. يقول أحمد إنه لم يحصل على نسخ من عقوده ولم يقرأ تفاصيلها، موضحًا "هي أصلًا مكتوبة بلغة صعبة، ومحدش بيكون متوقع إنه هيتعثر، فبنمضي وإحنا مش متخيلين إن الأمر ممكن يوصل لكده". ويضيف أنه لم يُعرض عليه حل لإعادة الجدولة عندما تعثر.

وتقول سمر إن العقد "مكتوب بخط صغير جدًا ما يتشافش، وبلغة محدش يفهمها، بتمضي على ورقتين في الفرع وخلاص، وكمان مبتاخديش نسخة منه". وقد امتد أثر عدم حصولها على نسخة من العقد إلى صعوبة معرفة حقوقها عند محاولة تسوية المديونية، إذ تقول إن موظفًا طلب منها 16 ألف جنيه مقابل "عرض تسوية"، من دون أن يوضح إجمالي المبلغ المتبقي أو قيمة الغرامات الدورية. وحين سألته "16 ويتبقى كام؟"، أجابها "لما تدفعيهم هقول لك".

وتلخص سمر أثر هذا الغموض، قائلة "بقيت مضغوطة طول الوقت من المكالمات وأنا لا عارفة عليا كام ولا هما بيقدموا حل، ولا معايا نسخة عقد أعرف منه اللي ليا واللي عليا". وتكشف شهادتها وشهادة أحمد كيف يؤدي غياب المعلومات الواضحة عن شروط التمويل والمديونية إلى إضعاف قدرة العميل على فهم التزاماته ومراجعة المبالغ المطلوبة منه عند التعثر.

ويعد عدم حصولهما على نسخ من العقود مخالفة لـقواعد حماية المتعاملين في نشاط التمويل الاستهلاكي، التي تلزم الشركات بتزويد أطراف التعاقد بنسخ من العقود بعد إبرامها. وإذا ثبت عدم تسليم النسخ، فإن ذلك يمس حقًا من حقوق المتعاملين.

وراجعت "فكر تاني" الشروط والأحكام المتاحة لعدد من الشركات، فوجد تباينًا في آليات التعامل مع التأخير. ففي تطبيقات "كليفر" و"بريميوم" و"ڤاليو"، يحق للشركة إغلاق حساب العميل والمطالبة بكامل المديونية بعد تعثره شهرين متتاليين، بينما تطبق "فوري" الإجراء نفسه بعد التأخر في سداد 3 أقساط متتالية.

وتتفاوت الغرامات المالية الواردة في الشروط المتاحة بين 5% في "كليفر" و7% في "بريميوم"، فيما لا تحدد النسخ المتاحة من شروط "فوري" و"ڤاليو" نسبة محددة للغرامة.

وتنص شروط "ڤاليو" صراحة على إمكان الاستعانة بشركات متخصصة لتحصيل المبالغ المتأخرة، لكن الشروط التي أمكن الاطلاع عليها لا توضح إجراءات التحصيل الميداني أو ضوابط التواصل مع العميل ومحيطه الأسري. كما تنص العقود التي راجعتها "فكر تاني" على اختصاص المحاكم الاقتصادية بالفصل في المنازعات حال حدوثها.

أما تطبيقات "حالًا" و"لاكي" و"أمان" و"سهولة"، فلم تتمكن "فكر تاني" من الوصول إلى شروطها التفصيلية، إذ تطلب المنصات تصوير بطاقة الرقم القومي لاستكمال الطلب. ولا يعني ذلك غياب الشروط عن العقود النهائية، لكنه يحد من قدرة العميل على معرفة التزاماته قبل التوقيع، خصوصًا إذا لم يحصل على نسخة من العقد بعد إبرامه.

إعادة الجدولة.. مخرج من التعثر أم عبء جديد؟

بعد تعثر العملاء، يبرز سؤال عملي عن البدائل التي يمكن أن تعيد إليهم القدرة على السداد بدلًا من استمرار الضغوط. فطلب بلال إعادة الجدولة قوبل بالرفض، ويقول أحمد إنها لم تُعرض عليه، بينما واجهت سمر صعوبة في معرفة قيمة المديونية وشروط التسوية. ولا تثبت هذه الحالات أن إعادة الجدولة حق مضمون لكل عميل، لكنها تبرز أهمية وضوح البدائل المتاحة أمام المتعثرين.

ويشرح المحامي أحمد عبد السلام أن إعادة الجدولة قد تخفض قيمة القسط الشهري، لكنها قد تزيد التكلفة الإجمالية للتمويل نتيجة إطالة مدة السداد وإضافة مزيد من الفوائد أو الرسوم. ولهذا، يقول إنه "ينبغي أن يعرف العميل قيمة المديونية والغرامات وإجمالي ما سيدفعه قبل الموافقة".

وفي حال نشوب نزاع حول الحساب، يوضح عبد السلام أن العميل يمكنه اللجوء إلى المحكمة الاقتصادية ورفع دعوى حساب، يطلب من خلالها الحصول على نسخة من العقد لمراجعته، وكذلك ندب خبير اقتصادي للفصل في الأمر. ويؤكد أن التعثر في سداد التمويل الاستهلاكي لا يعني الحبس.

التعثر جزء من مخاطر النشاط

لا يمثل التأخر في السداد خطرًا خارج حسابات شركات التمويل، إذ تلزم معايير الملاءة المالية الصادرة بـقرار الهيئة العامة للرقابة المالية رقم 101 لسنة 2020 الشركات بتكوين مخصصات لمواجهة الديون المتأخرة وفقًا لمدة التأخير، كما تحدد شروطها استبعاد الديون التي يصعب تحصيلها. ويعني ذلك أن مخاطر التعثر تدخل ضمن الإطار المالي والتنظيمي للنشاط.

وتؤكد الخبيرة الاقتصادية سحر الدماطي أن "الشركات تضع مخاطر تعثر العملاء في حساباتها مسبقًا، وتحدد حجم المخاطر التي يمكنها تحملها، وتعوضها من المبيعات والأرباح والإيرادات الضخمة التي تكفي لتغطية أي خسائر ناتجة عن التعثر، بخاصة في ضوء أن نسبة تشغيل الشركات بسيطة". لكنها تشير إلى صعوبة الوصول إلى نسبة معلنة للتعثر في نشاط التمويل الاستهلاكي، نظرًا لاختلافها من شركة إلى أخرى، وتنفي أن يتحمل العملاء المنتظمون جزءًا من تكلفة تعثر غيرهم.

في المقابل، يرى الدكتور وائل النحاس أن العملاء المنتظمين قد يتحملون بصورة غير مباشرة جزءًا من هذه التكلفة، من خلال أسعار الفائدة التي يدفعونها، والتي تختلف من شركة إلى أخرى، مؤكدًا أن تعثر العملاء لا يؤدي بالضرورة إلى خسارة الشركات.

ويصعب حسم هذا الخلاف في غياب بيانات منشورة عن حجم التعثر في نشاط التمويل الاستهلاكي على نحو مستقل. ولم تصل "فكر تاني" إلى نسبة مستقلة للتعثر في هذا النشاط، بينما أعلنت الهيئة العامة للرقابة المالية أن نسب التعثر في أنشطة التمويل غير المصرفي مجتمعة سجلت أقل من 3% بنهاية عام 2025.

الأثر النفسي.. ما وراء المكالمات

في المساحة الفاصلة بين ضيق الحال وتعدد الالتزامات التي لا يمكن تأجيلها، وإلحاح مندوبي التحصيل على سداد مستحقات لا يملك العميل القدرة على دفعها، تمتد آثار التعثر إلى حياته اليومية وحالته النفسية. فقد وصف بلال أثر الاتصالات على علاقته بأطفاله، فيما يقول أحمد إنها انعكست على أسرته وعمله وحالته النفسية، حتى إنه أطلق لحيته وأهمل نفسه، أما سمر فتقول إنها أصبحت مضغوطة وخائفة طوال اليوم.

ويشرح الطبيب النفسي الدكتور محمد هاني أن الاتصالات المتكررة والضغط المستمر، خصوصًا عندما يقترنان بالتهديد بالتشهير أو الإحراج أمام الأسرة والمجتمع، قد "يسببان قلقًا مستمرًا وشعورًا بعدم الأمان، لأن الشخص يظل في حالة ترقب وخوف مما قد يحدث". ومع استمرار الضغط، "قد تظهر اضطرابات في النوم وضعف في التركيز وعصبية وشعور بالعجز أو فقدان القيمة، وقد تتطور الأعراض في بعض الحالات إلى اكتئاب، خصوصًا إذا شعر الشخص بأنه لا مخرج من الأزمة".

ويشير هاني إلى أن الضغط الشديد والمستمر يضعف قدرة الشخص على تقييم البدائل والتفكير في العواقب بعيدة المدى، "فيلجأ إلى قرارات متسرعة، مثل الاقتراض من مصدر آخر بشروط أصعب لسداد الدين الأول". وهو ما قد يحول محاولة الخروج من التعثر إلى مدخل لمزيد من الاستدانة.

وتحذر أخصائية الطب النفسي الدكتورة منة الله العجمي من أن هذه الضغوط "قد تدفع إلى البحث عن أي وسيلة للتخلص منها، إما بمزيد من الاستدانة، أو التفكير في اللجوء إلى وسائل غير مشروعة للحصول على المال، أو حتى بالتفكير في الانتحار". وتؤكد أن مثل هذه الحالات تستدعي إتاحة الدعم النفسي، لا سيما لمن لا تسمح ظروفهم المادية بتحمل تكلفة العلاج الخاص، مشيرة إلى وجود خدمات للصحة النفسية مجانية أو بأسعار رمزية، "منها العيادات النفسية في مستشفى العباسية وخدمات الخط الساخن للصحة النفسية على رقم 16328".

وتشدد العجمي على ضرورة أن يكون للدولة دور رقابي في مواجهة ممارسات التحصيل، قائلة إن "وجود إجراءات قانونية تتيح للشركات المطالبة بمستحقاتها لا يبرر ملاحقة العملاء في منازلهم أو ممارسة ضغوط تزيد معاناتهم النفسية". وترى أن استخدام موظفي التحصيل أسلوبًا ضاغطًا ومهينًا قد يدل على اضطرابات نفسية، وأن اعتياد التعامل مع الآخرين بالإهانة لساعات طويلة قد ينعكس أيضًا على طريقة تعاملهم مع المحيطين بهم خارج العمل.

وتنصح العجمي بعدم اللجوء إلى القروض والتمويل الاستهلاكي، محذرة من أن "سهولة الحصول على المال وسرعة صرفه قد توحيان للعميل بأن الأمر يسير، قبل أن تظهر لاحقًا أعباء السداد".

ماذا تقول الشركات؟

حاولت "فكر تاني" التواصل مع الرئيس التنفيذي لشركة "أمان"، المهندس حازم مغازي، والرئيس التنفيذي لشركة "فوري"، المهندس أشرف صبري، عبر الهاتف وتطبيق "واتساب" والبريد الإلكتروني الرسمي، كما راسلت شركتي "سهولة" و"تساهيل" عبر عناوين البريد المعلنة على موقعيهما، لكنها لم تتلق ردًا حتى تاريخ نشر هذا التقرير.

وحيث إن تعثر العميل لا ينفي حق الشركات في استرداد أموالها وفق القوانين والأطر التعاقدية، كما لا يعفيه من التزاماته المالية، فإن هذا الحق يظل محكومًا بحدود تحمي خصوصية المتعامل وكرامته. فالتمويل الاستهلاكي الذي اتسع لمساعدة الأسر على مواجهة أعباء لم تعد دخولها تكفيها، يفقد جزءًا من غايته حين تتحول إجراءات التحصيل إلى ضغط نفسي أو تهديد بالتشهير، وتصبح حماية العميل من هذه الممارسات جزءًا من الرقابة على النشاط، لا مسألة منفصلة عن استرداد الديون.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة