تراخيص المواقع الصحفية في مصر.. طلبات معلقة وحجب وملاحقات

أصدرت الدائرة التاسعة بمحكمة جنح القاهرة الجديدة، برئاسة المستشار محمد مبارك، حكمًا بتغريم الزميلة لينا عطا الله، رئيسة تحرير "مدى مصر"، 3 ملايين جنيه، في اتهامها بـ"إدارة موقع من دون ترخيص"، مع غلق الموقع، وأعقب الحكم احتجازها على يد قوات الأمن.

وجاء الحكم بعد أسبوع من استدعاء الزميلة إلى نيابة أمن الدولة العليا للتحقيق معها بسبب تقرير نشره الموقع عن الأوضاع داخل السجون، قبل إخلاء سبيلها مقابل 100 ألف جنيه.

وتكشف قضية عطا الله جانبًا من أزمة أوسع تواجه المؤسسات الصحفية المستقلة في مصر، إذ ظلت طلبات ترخيص بعض المواقع معلقة لسنوات من دون رد رسمي يحسم موقفها، بينما تلقت مؤسسات أخرى قرارات بالرفض دخلت بعدها في إجراءات التظلم، وتعرضت مواقع للحجب أو الملاحقة القانونية قبل استقرار أوضاعها الإدارية.

ومنذ فتح باب التقدم بطلبات ترخيص المواقع الإلكترونية في أكتوبر 2018، سلكت المؤسسات مسارات متباينة أمام المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، في وقت أعلن فيه المجلس منح تراخيص وشهادات توفيق أوضاع لمجموعات من المواقع والتطبيقات والمؤسسات الإعلامية على دفعات متعاقبة.

من الحجب إلى التقنين

وينظم القانون رقم 180 لسنة 2018 إجراءات ترخيص المواقع الإلكترونية، وقبل صدوره، بدأت في مايو 2017 موجة حجب طالت مواقع إلكترونية، خاصة الصحفية منها، من دون معرفة الجهات المسؤولة عنها حتى الآن، ورصدت مؤسسة حرية الفكر والتعبير حجب 596 موقعًا.

وفي 27 أغسطس 2018، نُشر قانون تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رقم 180 لسنة 2018، الذي أخضع المواقع الإلكترونية المشمولة بأحكامه لنظام الترخيص المسبق من المجلس، وتنص المادة السادسة منه على ضرورة الحصول على ترخيص لتأسيس المواقع الإلكترونية أو إدارتها في الحالات التي يشملها القانون.

وبدأت المؤسسات الراغبة في توفيق أوضاعها التقدم بطلبات الترخيص في أكتوبر 2018، ثم استُكملت القواعد المنظمة بإصدار اللائحة التنفيذية بقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 418 لسنة 2020، وقرار المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رقم 26 لسنة 2020 بشأن تنظيم التراخيص، وكان المجلس قد أعلن إصدار لائحة تنظيم التراخيص في مايو 2020، بعد صدور اللائحة التنفيذية في فبراير من العام نفسه.

وتنص المادة 15 من لائحة التراخيص على رسوم تصل إلى 50 ألف جنيه، ومدة ترخيص تبلغ 5 سنوات، مع البت في الطلب خلال مدة لا تتجاوز 90 يوما من تاريخ استيفائه، بقرار مسبب يخطر به صاحب الشأن، كما يحدد القانون رسوم ترخيص الموقع الإلكتروني بحد أقصى 50 ألف جنيه ومدة الترخيص بخمس سنوات.

غير أن تجارب عدد من المواقع تثير تساؤلات حول الفارق بين المدد المحددة في القواعد المنظمة والوقت الذي استغرقته المؤسسات فعليا لمعرفة موقف طلباتها، ومدى وضوح القرارات والإخطارات التي وصلتها.

رفض متأخر وإجراءات متداخلة

قدمت "مدى مصر" طلبها الأول للحصول على ترخيص في أكتوبر 2018، ثم أعادت التقدم في أغسطس 2020، وفي عام 2022 علمت المؤسسة شفهيا برفض الطلب، قبل أن يظهر إخطار رسمي بالرفض خلال التحقيق مع رئيسة تحريرها لينا عطا الله في فبراير 2024، وفق التسلسل الوارد في المعلومات المتاحة عن القضية، كما تناول الموقع مسار الدعوى التي أقامها ضد المجلس بعد عدم إخطاره بقرار الرفض.

وفي 2023، قدمت المؤسسة طلبًا جديدًا للحصول على الترخيص، فيما ظل موقفه بحاجة إلى الحسم، وكان الموقع قد تعرض للحجب منذ مايو 2017، ثم لحجب إداري لمدة 6 أشهر في أكتوبر 2023، بعدما أعلن المجلس في 29 أكتوبر من العام نفسه قراره حجب الموقع ورابطه الإلكتروني لمدة 6 أشهر وإحالة الموضوع إلى النيابة العامة.

وتتداخل في هذه الحالة مسارات إدارية وقضائية لا يمكن فهمها من دون التمييز بين تاريخ اتخاذ قرار الرفض، وتاريخ إخطار المؤسسة به، وتاريخ علمها بالقرار، ثم تاريخ الطعن عليه أو التقدم بطلب جديد، إذ يؤثر كل تاريخ في قدرة المؤسسة على الاعتراض على القرار واستكمال إجراءات الترخيص.

ويقول مختار منير، المحامي بمؤسسة حرية الفكر والتعبير وأحد أعضاء فريق الدفاع عن عطا الله، إن القواعد المنظمة تقتضي البت في طلب الترخيص خلال 90 يومًا، وإن قرار الرفض يجب أن يوضح أسبابه حتى يتسنى لصاحب الشأن الطعن عليه، مشيرًا إلى أن بعض المؤسسات لم تتلق إخطارات واضحة بالرفض أو بأسبابه.

وفي حالة "مدى مصر"، قال منير إن المجلس أبلغ النيابة العامة بأنه أخطر المؤسسة برفض طلب الترخيص، لكن الإخطار الذي وصل إلى النيابة أشار، بحسب شرحه، إلى تأخر المجلس 6 أشهر في إصدار قرار الرفض، ثم تأخر 6 أشهر أخرى في إخطار لينا عطا الله به.

طلبات بلا رد

لم تحصل منصة "فكر تاني" على ترخيصها رغم مرور أكثر من عام على تقديم الطلب وسداد الرسوم المقررة، قبل أن تتلقى الشركة المالكة إخطارًا برفضه في سبتمبر 2024، واستند المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في قراره إلى ملاحظات تتعلق بالسياسة الإعلانية وخطة تأمين أجهزة البث.

وقدمت الشركة تظلمًا في أكتوبر 2024، وردت على أسباب الرفض بمذكرة قانونية، لكن المجلس أبلغها في يناير 2025 بأن التظلم لا يزال قيد الفحص، وحتى إعداد التقرير، لم تحصل "فكر تاني" على الترخيص، أو تتلق نتيجة نهائية بشأن التظلم.

وامتد انتظار المؤسسة إلى مرحلة التظلم بعد صدور قرار الرفض، فيما تحدد القواعد المنظمة مدة لا تتجاوز 90 يومًا للبت في طلب الترخيص الأصلي من تاريخ استيفائه.

ويواجه موقع "المنصة" وضعًا مشابهًا، إذ تقدمت بطلب ترخيص في أكتوبر 2018، ثم أعادت تقديم أوراقها في أغسطس 2020، من دون تلقي رد رسمي يحسم موقفها، وخلال هذه الفترة تعرض الموقع للحجب ما بين 13 و15 مرة، كان آخرها في يوليو 2023.

وفي يونيو 2020، اقتُحم مقر "المنصة" واحتُجزت رئيسة تحريرها نورا يونس على خلفية اتهام بإدارة موقع من دون ترخيص، ووثق الموقع تقديم طلب الترخيص في 2018 وإعادة تقديم الأوراق في 2020، إلى جانب مداهمة مقره واحتجاز رئيسة تحريره في يونيو 2020.

أما "مصر العربية"، فتقدمت بطلب الترخيص في أكتوبر 2018، وأعادت تقديمه في 2020، من دون رد رسمي معلوم، وكان الموقع قد تعرض للحجب منذ مايو 2017، ثم داهمت الشرطة مقره في 2018 وأُلقي القبض على رئيس تحريره عادل صبري.

وتوقفت "مصر العربية" عن العمل في 2021، بعدما واجهت ما وصفه مسؤولوها بعراقيل قانونية حالت دون استمرارها، وتذكر المعلومات المتاحة أن التوقف وقع في مايو 2021، بينما أشارت تقارير إلى أن الموقع توقف في أبريل من العام نفسه.

وفي أواخر 2022، تقدم موقع "مصر 360" بطلب ترخيص لم يُحسم قبل حجب الموقع في يونيو 2023، وأشارت تقارير نقابية إلى رفع الحجب عنه في مارس 2024، لكن ذلك لم يحسم بالضرورة موقف طلب الترخيص، وكانت منظمات حقوقية قد وثقت حجب "مصر 360" و"السلطة الرابعة" في يونيو 2023، فيما أشارت تقارير نقابية لاحقة إلى رفع الحجب عن عدد من المواقع، من بينها "مصر 360"، خلال 2024.

وتكشف هذه الحالات اختلاف مسارات المؤسسات بين انتظار الردود والحجب والتوقف عن العمل، كما تثير تساؤلات بشأن وضوح الإجراءات الإدارية وآليات حسم الطلبات، والعلاقة بين الوضع القانوني للمواقع والإجراءات المتخذة بحقها قبل حسم موقف طلبات الترخيص.

"السلطة الرابعة".. سنوات من الانتظار قبل الترخيص

امتد مسار ترخيص موقع "السلطة الرابعة" لسنوات، إذ تقدم بطلبات خلال الفترة الممتدة بين عامي 2020 و2022، ثم تعرض للحجب في 10 يونيو 2023 على خلفية عدم حصوله على الترخيص، وأُعلن رفع الحجب عنه في 2024، قبل أن يعلن الموقع في يناير 2026 حصوله على الترخيص.

ويقول ريمون وجيه، رئيس تحرير الموقع، إن "السلطة الرابعة" تعرض للحجب 3 مرات في أعوام 2019 و2022 و2023، وإن أسباب الحجب لم تكن واضحة بالنسبة إليه، كما واجه الموقع اعتراضات خلال مسار الترخيص شملت اسمه ومحتواه.

وأوضح وجيه أن المؤسسة لم تتلق إخطارات واضحة تفسر الموقف، وأن الموظفين الذين راجعهم في المجلس لم تكن لديهم معلومات كافية، ووصف ما واجهه الموقع بأنه مسار غامض لم تتضح فيه أسباب الحجب أو الاعتراضات على طلب الترخيص على نحو كاف.

ويقول مختار منير إن الدستور والقانون يقتضيان وضوح أسباب الرفض بما يتيح الطعن عليه، ويستند في هذا السياق إلى المادتين 70 و71 من دستور 2014، اللتين تتناولان حرية الصحافة والإعلام وضماناتهما، مشيرا إلى أن بعض المؤسسات لم تتلق إخطارات واضحة بالرفض أو بأسبابه.

وتواصلت "فكر تاني" مع المهندس خالد عبد العزيز، رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، للاستفسار عن أسباب تأخر البت في طلبات بعض المواقع، وآليات إخطار المؤسسات بالقرارات، والمعايير التي تحكم ترتيب فحص الملفات، لكنه لم يرد على اتصالاتنا حتى إعداد هذا التقرير.

تراخيص معلنة وطلبات لم تحسم

في الوقت الذي كانت فيه مؤسسات صحفية مستقلة تنتظر ردودا على طلباتها، أعلن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام منح تراخيص وشهادات توفيق أوضاع لدفعات متعددة من المؤسسات والمواقع والتطبيقات.

ففي يونيو 2022، أعلن المجلس تسليم 100 ترخيص وشهادة توفيق أوضاع، ثم أعلن تسليم 78 ترخيصا في يناير 2024، و21 ترخيصا لمواقع وتطبيقات إلكترونية في يوليو 2025، و20 ترخيصا في أغسطس من العام نفسه، كما أعلن في أبريل 2026 تقنين أوضاع 10 كيانات رقمية، إلى جانب إعلانات عن تراخيص لمنصات ومواقع وتطبيقات أخرى.

وتكشف المقارنة بين هذه الإعلانات ومسارات المؤسسات التي ظلت طلباتها معلقة أن أزمة ترخيص المواقع الصحفية في مصر لا تتعلق فقط بالحصول على موافقة إدارية، وإنما تمتد إلى طول انتظار الردود وغموض بعض الإجراءات وقرارات الرفض والإخطار بها، في وقت تواجه فيه مؤسسات صحفية الحجب أو الملاحقة القانونية قبل حسم أوضاعها.

وبينما يعلن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام منح تراخيص لدفعات متعاقبة من المؤسسات، تظل طلبات أخرى معلقة لسنوات، بما يطرح تساؤلات عن اتساق تطبيق القواعد المنظمة، وقدرة المؤسسات الصحفية على معرفة أوضاعها القانونية والدفاع عن حقوقها.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة