من مصر إلى أمريكا بـ23 ألف دولار.. كيف تتحرك شبكات تهريب المهاجرين؟

تكشف 5 قضايا أحالتها النيابة العامة إلى محاكم الجنايات خلال الفترة من سبتمبر 2025 إلى سبتمبر 2026 عن تحولات في خريطة الهجرة غير الشرعية من مصر، بعدما امتدت الطرق المرصودة من عبور البحر المتوسط عبر السواحل المصرية أو الليبية إلى مسارات برية وجوية تمر بدول عدة، من بينها أوزبكستان وتركيا للوصول إلى أوروبا، وموريتانيا ودول أمريكا الوسطى والمكسيك للوصول إلى الحدود الأمريكية، مستخدمة وسائل نقل تشمل الطائرات والشاحنات وقوارب الصيد والسفن السريعة.

وتكشف تفاصيل القضايا التي حصلت "فكر تاني" عليها عن شبكات من السماسرة والوسطاء والمنظمين، تتوزع بينهم مهام استقطاب الراغبين في الهجرة وترتيب الرحلات وتسهيل الانتقال بين الدول، مقابل مبالغ مالية تصل إلى 23 ألف دولار للشخص الواحد، رغم المخاطر التي قد تنتهي بالاحتجاز أو الترحيل.

وتتيح أوامر الإحالة والتحريات وأقوال الشهود تتبع هذه الشبكات، والتعرف إلى اختلاف أدوار أفرادها وأساليب عملهم من مسار إلى آخر.

أرقام رسمية ومسارات خارج السجلات

بينما تسجل البيانات الرسمية أعداد المصريين الحاصلين على موافقات للهجرة أو المكتسبين جنسيات أجنبية، ترسم أوراق القضايا الجنائية صورة مختلفة للهجرة غير النظامية، التي قد تبدأ باتفاق عبر الهاتف أو السوشيال ميديا، ثم رحلة جوية تبدو قانونية في بدايتها، أو انتقال بري عبر الدروب الصحراوية، قبل أن يجد الراغب في السفر نفسه داخل شبكة تمتد عبر دول عدة.

وبحسب البيانات الرسمية، بلغ عدد المصريين الحاصلين على موافقة للهجرة أو الذين اكتسبوا صفة مهاجر خلال عام 2025 نحو 164 شخصًا، مقابل 182 شخصًا في عام 2024، بتراجع نسبته 9.9%.

وتصدرت الولايات المتحدة وجهات الهجرة الرسمية بنسبة 40.2%، تلتها إيطاليا بنسبة 28%، ثم كندا بنسبة 9.1%، فيما كانت الفئة العمرية بين 30 و35 عامًا الأكثر هجرة، وشكل الحاصلون على مؤهلات جامعية النسبة الأكبر بواقع 43.4%.

وفي المقابل، بلغ عدد المصريين الذين اكتسبوا جنسيات أخرى خلال عام 2025 نحو 4335 شخصًا، مقابل 4220 شخصًا في عام 2024، مع احتفاظ 82.1% منهم بالجنسية المصرية إلى جانب الجنسية الجديدة.

ولا تخضع الهجرة غير الشرعية، بحكم طبيعتها السرية، لآلية تسجيل مماثلة لتلك المعتمدة في إحصاء المهاجرين رسميًا، ولذلك تستند التقديرات المتاحة إلى بيانات الوصول إلى أوروبا وتقارير مراقبة الحدود والتحقيقات الصحفية والاستقصائية.

وبحسب منظمة الهجرة الدولية، اعترض خفر السواحل الليبي 21762 مهاجرًا خلال عام 2024 وأعادهم إلى ليبيا، بينما بلغ عدد المهاجرين المسجلين لدى المنظمة داخل البلاد حتى ديسمبر من العام نفسه 787326 مهاجرًا ينحدرون من 5 جنسيات هي السودان والنيجر ومصر وتشاد ونيجيريا.

وتصدرت السودان القائمة بنسبة 26%، تلتها النيجر بنسبة 24%، ثم مصر بنسبة 21%، فيما بلغت نسبة كل من تشاد ونيجيريا 10%.

وتأتي هذه الأرقام في ظل مخاطر مستمرة على طرق الهجرة البحرية والبرية، إذ سجلت المنظمة نحو 8938 وفاة على طرق الهجرة حول العالم خلال عام 2024، قبل انخفاض العدد إلى نحو 7667 ضحية في عام 2025.

لكن هذه البيانات لا توضح وحدها كيف تتحرك شبكات التهريب أو كيف يدفع الراغبون في السفر مئات الآلاف من الجنيهات أو آلاف الدولارات مقابل رحلة قد تبدأ من القاهرة أو إحدى المحافظات، ثم تمر بالسلوم وليبيا أو موريتانيا وأمريكا الوسطى، وتنتهي بمحاولة عبور الحدود الأمريكية أو الوصول إلى أوروبا.

وتقدم القضايا الجنائية الـ5 تفاصيل عن هذه الآليات، من خلال مسارات السفر وأساليب الاستقطاب والمبالغ المدفوعة والأدوار الموزعة بين أفراد الشبكات.

34 متهمًا أمام الجنايات في 5 قضايا

وتوزعت أعداد المتهمين بحسب أوامر الإحالة بواقع 8 متهمين في قضية النزهة رقم 359 لسنة 2026 جنايات، و5 متهمين في قضية منشأة القناطر رقم 7037 لسنة 2026 جنايات، و9 متهمين في قضية النزهة رقم 10425 لسنة 2025 جنايات، و8 متهمين في قضية المرج رقم 19624 لسنة 2025 جنايات، و4 متهمين في قضية النزهة رقم 17581 لسنة 2025 جنايات، بإجمالي 34 متهمًا.

ووصفت النيابة العامة المتهمين في القضايا بأنهم عناصر ضمن جماعات منظمة تخصص نشاطها في تهريب المهاجرين، مع اختلاف المهام المنسوبة إليهم، إذ نسبت إلى أحدهم قيادة جماعة إجرامية وإدارتها، بينما تولى آخرون متابعة خطوط السير واستقطاب الراغبين في الهجرة وحجز تذاكر الطيران وتسهيل المرور عبر المنافذ الشرعية والتنسيق مع عناصر في دول أخرى.

وتكشف إحدى القضايا عن شبكة تمتد بين مصر وليبيا، تبدأ باستقطاب الراغبين في الهجرة داخل مصر، ثم نقلهم عبر الدروب الصحراوية إلى الأراضي الليبية وتسليمهم إلى مهربين هناك، قبل تجميعهم على السواحل تمهيدًا لنقلهم عبر البحر المتوسط إلى أوروبا باستخدام مراكب صيد غير آمنة وغير مخصصة لهذا الغرض.

أما الرحلات المتجهة إلى الولايات المتحدة، فتظهر في قضيتين تتضمن إحداهما طريقًا متعدد المراحل يبدأ من مصر إلى دولة إفريقية، ثم موريتانيا، ومنها إلى نيكاراجوا، قبل المرور بهندوراس وجواتيمالا والمكسيك وصولًا إلى الحدود الأمريكية.

المسار الأول.. الولايات المتحدة في الصدارة

تصدرت الولايات المتحدة الوجهات النهائية للمسارات المرصودة في القضايا، سواء عبر الطريق المعروف في التحقيقات باسم "طريق نيكاراجوا" أو من خلال شبكات أخرى اتهمتها النيابة بتنظيم رحلات غير مشروعة إلى الأراضي الأمريكية.

ففي القضية رقم 10425 لسنة 2025 جنايات النزهة، والمقيدة برقم 6096 لسنة 2025 كلي شرق القاهرة، اتهمت النيابة 9 أشخاص بتكوين جماعة إجرامية منظمة تخصص نشاطها في تهريب المصريين إلى الولايات المتحدة.

وبحسب التحقيقات، تبدأ الرحلة بسفر المهاجر من مصر عبر رحلة جوية قانونية إلى دولة إفريقية، ومنها إلى موريتانيا، ثم إلى نيكاراجوا، قبل مواصلة الطريق عبر هندوراس وجواتيمالا والمكسيك وصولًا إلى الحدود الأمريكية. واستخدم بعض المهاجرين وسائل نقل متعددة للتنقل بين الدول والمناطق، فيما اضطر آخرون إلى الاختباء داخل شاحنات ووسائل نقل أخرى خلال أجزاء من الرحلة.

وعند الوصول إلى الحدود، تضمنت الوقائع التي رصدتها القضية عبور المهاجرين ثم تسليم أنفسهم إلى قوات حرس الحدود الأمريكية وطلب اللجوء، إلى جانب محاولات الدخول بصورة سرية.

22 مهاجرًا في قضيتي الطريق إلى أمريكا

تضمنت أوراق القضية رقم 10425 لسنة 2025 جنايات النزهة بيانات 12 مهاجرًا مصريًا وصفتهم النيابة بأنهم شهود إثبات، وكشفت أقوالهم عن مبالغ متفاوتة دفعوها مقابل ترتيب الرحلات وتسهيل انتقالهم بين الدول.

وشملت المبالغ المدفوعة 23 ألف دولار و14 ألف دولار، إلى جانب 13 ألف دولار و12 ألف دولار في حالات أخرى، فضلًا عن مبالغ بالجنيه المصري بلغت 600 ألف و650 ألفًا و800 ألف و900 ألف جنيه.

وأشارت تحريات الشرطة إلى أن المجموعة كانت تحصل على مبالغ تتراوح بين 7 آلاف و23 ألف دولار عن المهاجر الواحد، بما يعني أن الكلفة القصوى تجاوزت مليون جنيه مصري وفق سعر صرف يزيد على 50 جنيهًا للدولار، مع اختلاف المقابل بحسب المسار ومراحله والخدمات المتفق عليها.

أما القضية الثانية، رقم 19624 لسنة 2025 جنايات المرج، والمقيدة برقم 2555 لسنة 2025 كلي شرق القاهرة، فتضمنت بيانات 10 مهاجرين، وأُحيل فيها 8 متهمين إلى المحاكمة بتهمة تكوين جماعة إجرامية منظمة تخصص نشاطها في تهريب المهاجرين إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

وتكشف القضيتان عن رحلة تتوزع مراحلها بين دول عدة، وتتداخل خلالها أدوار المنظمين والوسطاء، فيما يتحمل المهاجرون تكاليف مالية كبيرة من دون ضمان الوصول إلى الاستقرار في وجهتهم.

المسار الثاني.. من مصر إلى ليبيا ثم إيطاليا

تعتمد إحدى طرق الهجرة المرصودة على عبور الحدود البرية المصرية إلى ليبيا، ثم الانتقال إلى السواحل الليبية تمهيدًا لمحاولة الوصول بحرًا إلى أوروبا، وهو ما ظهر في القضية رقم 359 لسنة 2026 جنايات النزهة، والمقيدة برقم 1359 لسنة 2026 كلي شرق القاهرة.

وكشفت التحقيقات عن استقطاب الراغبين في الهجرة داخل مصر، ثم نقلهم إلى السلوم ومنها عبر الدروب الصحراوية إلى ليبيا، حيث يجري التواصل مع مهربين ليبيين وتجميع المهاجرين على الساحل قبل تجهيزهم لعبور البحر المتوسط على متن مراكب صيد غير آمنة.

وضمت القضية 8 متهمين، بينما وردت بيانات 10 مهاجرين في التحقيقات، وظهرت إيطاليا وجهة نهائية في عدد من أقوالهم، التي كشفت عن مبالغ مدفوعة تراوحت بين 270 ألفًا و480 ألف جنيه، مع ورود مبالغ أخرى بلغت 450 ألفًا و400 ألف و280 ألف جنيه.

ولم تقتصر الوقائع على العبور البري، إذ سافر أحد المهاجرين من مطار برج العرب إلى بنغازي في رحلة قانونية، ثم تعامل مع شبكات تهريب داخل ليبيا، قبل أن تلقي السلطات الليبية القبض عليه وترحله إلى مصر.

أما القضية الأخرى المرتبطة بالوصول إلى إيطاليا، وهي القضية رقم 17581 لسنة 2025 جنايات النزهة، والمقيدة برقم 5774 لسنة 2025 كلي شرق القاهرة، فضمت 4 متهمين اتهمتهم النيابة بتدبير تهريب 4 مهاجرين من مصر إلى إيطاليا عبر البحر.

وتضمنت قائمة المجني عليهم طفلًا دون الثامنة عشرة، فيما أشار أمر الإحالة إلى استخدام قوارب صيد في عمليات التهريب بالمخالفة للغرض المخصصة له، بما عرض حياة المهاجرين للخطر.

المسار الثالث.. من أوزبكستان وتركيا إلى أوروبا

يختلف الطريق الوارد في القضية رقم 7037 لسنة 2026 جنايات مركز منشأة القناطر، والمقيدة برقم 3606 لسنة 2026 كلي شمال الجيزة، عن المسارات البرية والبحرية، إذ يبدأ باستخدام المنافذ الجوية والرحلات القانونية قبل أن يتحول إلى مسار غير نظامي يستهدف الوصول إلى إحدى الدول الأوروبية.

وضمت القضية 5 متهمين، بينهم شخص قالت النيابة إنه قائد الجماعة، وآخر يملك شركة سياحة في البرازيل، ومتهم يعمل محاسبًا، وآخر موظف في شركة لخدمات الطيران، وخامس يعمل مراقبًا ومفتشًا صحيًا.

وبحسب أمر الإحالة، تولت الجماعة استقطاب الراغبين في الهجرة غير الشرعية وحجز تذاكر الطيران ومتابعة خطوط السير وتسهيل إجراءات المرور عبر المنافذ الشرعية، قبل مواصلة الرحلة خارج البلاد.

وظهر في التحقيقات مسار يبدأ من مصر إلى أوزبكستان، ثم تركيا وصولًا إلى إحدى الدول الأوروبية، وكان من بين المجني عليهم حدث يبلغ 17 عامًا، كشفت الأوراق عن تدبير سفره عبر هذا الطريق، كما ذكرت أن المبلغ المتفق عليه في إحدى الوقائع بلغ 800 ألف جنيه.

وتوضح هذه القضية أن عملية التهريب قد تبدأ برحلات جوية ومنافذ قانونية، قبل أن تتحول إلى مسار غير نظامي يستهدف الوصول إلى دولة أخرى.

المهاجرون في موقع المجني عليهم وشهود الإثبات

أمكن حصر بيانات 37 مهاجرًا وردت أسماؤهم في القضايا الـ5، وتعاملت معهم النيابة العامة بوصفهم مجنيًا عليهم وشهود إثبات على نشاط تهريب المهاجرين، من دون توجيه اتهامات إليهم بارتكاب جرائم الهجرة غير الشرعية في الوقائع محل الرصد.

ومن بين هؤلاء قاصران على الأقل، أحدهما يبلغ 17 عامًا في قضية منشأة القناطر، والآخر طفل وردت بياناته ضمن قضية تهريب 4 مهاجرين إلى إيطاليا، فيما تضمنت بقية الملفات أسماء شباب في العشرينيات وما فوقها، بينهم مهاجرون تراوحت أعمار بعضهم بين 20 و22 عامًا.

وتضمنت التحقيقات أقوال المهاجرين عن الأشخاص الذين تواصلوا معهم، والمبالغ التي دفعوها، وطرق السفر والدول التي مروا بها، والأشخاص الذين التقوا بهم خلال الرحلات، كما استُخدمت أقوالهم في عدد من الوقائع لتحديد هوية المتهمين من خلال الصور الرسمية والسوشيال ميديا وأرقام الهواتف والمحادثات.

وبذلك تميزت الملفات بين الأشخاص الذين نُسب إليهم تنظيم عمليات التهريب وتحقيق عائد مالي منها، والمهاجرين الذين دفعوا الأموال بغرض الوصول إلى دولة أخرى، واعتبرتهم النيابة مجنيًا عليهم وشهود إثبات في مواجهة المتهمين.

الترحيل من الولايات المتحدة خلال عهد ترامب

تضمنت التحقيقات في القضية المرتبطة بالطريق إلى الولايات المتحدة أسماء 12 مهاجرًا مصريًا ذكرت الأوراق أنهم وصلوا إلى الأراضي الأمريكية، ثم خضعوا لإجراءات من السلطات انتهت، في الحالات التي رصدتها القضية، إلى الترحيل.

وأشارت الأوراق إلى وقوع هذه الإجراءات خلال فترة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بما يكشف أن دفع مبالغ كبيرة وقطع مسافات طويلة عبر دول عدة لم يضمنا للمهاجرين الاستقرار في الولايات المتحدة، إذ انتهت بعض الرحلات بالاحتجاز ثم الترحيل.

وتوضح هذه الوقائع أن شبكات التهريب رتبت رحلات تتعدد محطاتها وتتفاوت تكلفتها، فيما ظل المهاجر معرضًا لمخاطر الطريق والإجراءات القانونية في دول العبور والوجهة النهائية، حتى بعد اجتياز الحدود والوصول إلى الأراضي الأمريكية.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة