بعد عدة أشهر من ظهور دعوات تعديل الدستور، وبعد أسابيع قليلة من تدشين حملة إلكترونية تدعم بقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي في الحكم حتى عام 2050، تطرق السيسي خلال كلمته في الندوة التثقيفية للقوات المسلحة بمناسبة الذكرى الـ53 لانتصارات السادس من أكتوبر إلى الدستور، قائلًا "في دستور للدولة دي، في دستور إحنا وافقنا عليه للدولة دي، ما حدش هيمسه، ما حدش هيمسه".
جاء حديث الرئيس عن الدستور ضمن خطاب مطول تخلله التشديد على ضرورة الاستقرار وتماسك الدولة، والتحذير من "إسقاط الدولة من الداخل"، واستعاد السيسي ما اعتبره محاولات سابقة لهدم الدولة، مستحضرًا مواقف تعود إلى عهد الرئيس الراحل أنور السادات، من بينها التظاهرات التي امتدت من القاهرة إلى أسوان في يناير 1977 احتجاجًا على القرارات الاقتصادية التي وصفها السيسي بأنها إجراءات "الإصلاح الاقتصادي"، رابطًا بينها وبين الإجراءات التي اتخذها بنفسه عام 2016، وقال "من 76 لـ2016، 40 سنة كل ده ماحدش عمل حاجة".
ثم عرج على التحديات التي تواجه الدولة، مؤكدًا أن الأهم هو الحفاظ على وجودها، إذ قال "المهم يكون فيه دولة، إنما التحديات بتاعة الدول ما بتنتهيش"، وخلال حديثه عن التحدي الرئيسي والمعركة الأساسية للدولة، قاطعه أحد الحاضرين قائلًا "ما تقلقش يا ريس"، ليرد السيسي "أنا ما أقلقش علشان ربنا موجود، ما بقلقش علشان ربنا موجود ومطلع عليَّ وعلى جهد البناء والتنمية والتعمير اللي بنعمله للناس".
"ما بتصدقوش"!
توقف الرئيس عند وجوده على رأس السلطة منذ نحو 12 عامًا، ورد على إحدى المشاركات في الندوة التي قاطعته بقولها "بنحبك يا ريس"، قائلًا "أنا كمان والله بحبكم وقلقان عليكم"، ثم واصل الحديث عن سنوات حكمه وما شهدته من حرب على الإرهاب وسقوط شهداء ومصابين.
وخلال حديثه عن "مخططات إسقاط الدولة من الداخل"، قال السيسي "وصلوكم لأن أنتم ما بتصدقوش"، ثم استطرد "هذه معركة دولة، معناها إننا كلنا نتكلم عن حاجة واحدة أكررها من 2011، من 2011".
وتوقف الرئيس عند ما وصفه بـ"حرب نفسية" تستهدف المصريين عبر السوشيال ميديا، قائلًا "يحاولوا إنتاج الموضوع يقولك مش عارف مين هيتولى إيه ومين هيمسك إيه، فيه دستور للدولة دي، فيه دستور إحنا وافقنا عليه للدولة دي، ما حدش هيمسه، ما حدش هيمسه، وبالتالي خلاص ما حدش يعبث بقى، ما حدش يعبث بعقولكم".
وحذر السيسي مرارًا من تكرار سيناريو 2011، قائلًا "والله ما هتقوم تاني، والله والله والله كان ربنا سبحانه وتعالى في 2011، و12، و13، جابر لخواطر المصريين، ورحمهم من الشر اللي قابل الدول التانية، وادانا فرصة، فخلوا بالكم من بلدكم، مش مني".
ترحيب أم قلق؟
من بين محاور الخطاب المطول، استأثر الجزء المتعلق بالدستور باهتمام الصحف والسياسيين والمحللين، إذ رأى عدد من السياسيين في حديث الرئيس حسمًا للجدل الدائر حول تعديل الدستور، وإغلاقًا للباب أمام أي احتمالات لمنحه فرصة ولاية رئاسية إضافية بعد انتهاء ولايته الحالية في 2030.
ورحبت الحركة المدنية الديمقراطية بحديث السيسي، وقالت في بيان صحفي "استقبلت الحركة المدنية الديمقراطية بارتياح شديد التصريح الأخير للرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن عدم المساس بالدستور، ونرى فيه خطوة إيجابية تعزز احترام النصوص الدستورية، وتؤكد أن الدستور هو الإطار الحاكم للحياة السياسية، ولا يُعدّل وفقًا للظروف أو الأشخاص، ونثمّن هذا الموقف لما يحمله من رسائل طمأنة بشأن استقرار القواعد التي تنظم العلاقة بين السلطة والمجتمع".
وأكدت الحركة أن احترام الدستور وتفعيله والتداول السلمي للسلطة تمثل ركائز أساسية لإحداث انفراجة سياسية واجتماعية، وتوسيع المجال العام أمام الأحزاب والنقابات والإعلام ومنظمات المجتمع المدني، بما يعيد الأمل إلى المواطنين في إمكان الانتقال الديمقراطي ويفتح مسارًا لتغيير سياسي واجتماعي عميق، يقوم على المشاركة والمساءلة والشفافية، ويتيح للمجتمع تحديد مصيره والدفاع عن مصالحه عبر آليات ديمقراطية سلمية.
وشددت على أن احترام الدستور والالتزام بمبدأ التداول السلمي للسلطة وجهان لمسار واحد، وأن ترسيخهما عمليًا يتطلب إجراءات ملموسة، من بينها تهيئة مناخ سياسي يسمح بالمنافسة العادلة، وضمان الحقوق والحريات العامة، والإفراج عن سجناء الرأي، وإفساح المجال أمام حوار وطني جاد وشامل.
وطالبت الحركة بتحويل تصريح الرئيس إلى التزام عملي يفتح الباب أمام مرحلة جديدة يشعر فيها المصريون بأنهم شركاء حقيقيون في صياغة مستقبل وطنهم.
وعلى الرغم من ترحيب الحركة، التي تضم قطاعًا واسعًا من أحزاب المعارضة يغلب عليه الطيف اليساري والناصري، لم تتبنَّ مكوناتها موقفًا موحدًا من التصريح، إذ علقت القيادية في الحزب الاشتراكي المصري كريمة الحفناوي على بيان الحركة، مشككة في جدية التصريح أو إمكان اعتباره قرارًا نهائيًا، وقالت "المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين".
في المقابل، رحب القيادي في الحركة المدنية الديمقراطية ومؤسس حزب الكرامة حمدين صباحي بتصريح الرئيس، وقال إن "تصريح الرئيس السيسي أن الدستور لن يمسه أحد هو خير القول ونرجو أن يؤدي إلى خير العمل".
من جانبه، اعتبر رئيس حزب العدل وعضو مجلس النواب عبد المنعم إمام أن تصريح الرئيس بشأن الدستور المصري يحمل دلالة سياسية ودستورية مهمة، ترتبط بمستقبل الحياة السياسية وترسيخ مبدأ تداول السلطة.
وقال إمام، عبر صفحته على فيسبوك، إن التأكيد على عدم المساس بالدستور يفتح الباب أمام انتقال سلمي للسلطة مع انتهاء المدة الرئاسية الحالية، وفقًا لأحكام الدستور، بما يعزز جوهر النظام الجمهوري القائم على تداول السلطة.
وأضاف أن التاريخ سيسجل هذا الموقف للرئيس عبد الفتاح السيسي بوصفه تكريسًا لهذا المبدأ، كما يضع القوى السياسية المصرية بمختلف توجهاتها أمام لحظة تاريخية تتطلب من الجميع العمل بمسؤولية وتجرد، والاستعداد مبكرًا لاستحقاق انتقال السلطة المقبل.
ورأى إمام أن القيمة الحقيقية للاستقرار تكمن في ترسيخه عبر مؤسسات مستقرة ودستور يُحترم وسلطة تتداول ودولة تستمر وتتقدم مهما تغير الأشخاص، معربًا عن ثقته في أن المصريين سيجنون ثمار هذا المسار رغم الصعوبات والتحديات.
ماذا يحدث في المستقبل؟
يأتي حديث الرئيس عن الدستور وسط تكهنات بشأن تعديلات دستورية قد تُطرح خلال السنوات القليلة المقبلة، بما قد يتيح مد فترة الرئاسة أو منح السيسي فرصة ولاية جديدة، وقد صدرت دعوات في هذا الاتجاه عن بعض السياسيين، من بينهم ياسر قورة، عضو مجلس الشيوخ عن حزب الوفد ووكيل لجنة حقوق الإنسان بالمجلس.
وفي الوقت نفسه، ظهرت حملة إلكترونية تحمل اسم "السيسي حتى 2050"، ونشرت عبر صفحتها الرئيسية رسالة إلى المشاركين ازدحمت بالأخطاء الإملائية، تحدثت فيها عن التحديات غير المسبوقة التي تمر بها مصر والمنطقة، وما وصفته باستهداف مباشر لأمن مصر واستقرارها، معتبرة أن هذه الظروف تستلزم استكمال ما بدأه السيسي من إنجازات وعبور البلاد إلى بر الأمان.
ودعت الحملة، التي قدمت نفسها بوصفها مبادرة انطلقت من "شعب مصر العظيم"، إلى الالتفاف حول القيادة السياسية ودعم بقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي في منصبه لتجاوز المرحلة العصيبة التي يمر بها الشرق الأوسط والعالم، ومواصلة مسيرة التنمية من أجل مستقبل أفضل لمصر.
ولم تقتصر أخطاء الحملة على اللغة والإملاء، إذ شابت رسالتها أخطاء قانونية ودستورية أيضًا، فقد اختتمتها بدعوة مجلسي "الشعب" و"الشورى" إلى إصدار قانون استثنائي يسمح باستمرار السيسي في حكم مصر، رغم أن المجلسين لا يملكان صلاحية إصدار قانون من هذا النوع، كما أن آخر مجلس شورى شهدته مصر انتُخب عام 2012 ثم حُلّ، وألغى دستور 2014 الغرفة البرلمانية الثانية، قبل أن تستحدث تعديلات 2019 مجلس الشيوخ.
ويظل تعديل الدستور المسار اللازم لإتاحة ولاية رئاسية جديدة للسيسي بعد عام 2030، على أن يوافق عليه الشعب المصري في استفتاء عام، وتحدد المادة 226 من الدستور إجراءات التعديل، التي تبدأ بطلب يقدمه رئيس الجمهورية أو خُمس أعضاء مجلس النواب، ثم تُطرح التعديلات للاستفتاء بعد موافقة ثلثي أعضاء المجلس عليها.
ولا تعني هذه الحملة المحدودة بالضرورة وجود حراك فعلي في هذا الاتجاه حتى الآن، كما أن حديث الرئيس لا يستبعد بصورة قاطعة احتمال طرح تعديلات دستورية مستقبلًا عبر مجلس النواب استجابة لمطالب شعبية، على غرار حملة "كمل جميلك" التي دعت السيسي إلى الترشح للرئاسة للمرة الأولى عام 2014.
وسبق أن تحدث السيسي في لقاء صحفي مع شبكة "سي إن إن" عن رفضه البقاء في كرسي الرئاسة من دون إرادة المصريين، وأكد تأييده الاكتفاء بفترتين رئاسيتين مدة كل منهما 4 أعوام، وعدم تغيير هذه القاعدة في الدستور، غير أن مبادرة أطلقها عبد الهادي القصبي، رئيس ائتلاف دعم مصر في مجلس النواب آنذاك، دفعت الائتلاف إلى تقديم تعديلات دستورية تضمنت مادة انتقالية أتاحت للرئيس الترشح لولاية إضافية تنتهي عام 2030.
ومن الآن وحتى عام 2029، يظل المشهد مفتوحًا على احتمالين، أولهما نشوء حراك شعبي وسياسي يفتح الباب أمام تعديلات دستورية جديدة تسمح بولاية رئاسية إضافية، والثاني إقدام السلطة على تغييرات جوهرية في هيكلها تتيح الدفع ببدائل من داخلها، تمهيدًا لتسليم السلطة وتداولها في إطار سلمي وآمن.