أعاد القبض على فريق تحرير منصة "متصدقش"، واختفاؤهم أيامًا قبل ظهورهم أمام جهات التحقيق وحبس بعضهم احتياطيًا، مطلب منع الحبس في قضايا النشر إلى صدارة النقاش داخل نقابة الصحفيين، في ظل استمرار ملاحقة الصحفيين باتهامات أخرى رغم الحظر الدستوري، ما أعاد طرح مشروع قانون يستهدف ترجمة هذا الحظر إلى حماية فعلية، عبر معالجة النصوص القانونية التي تتيح الالتفاف عليه وملاحقة الصحفيين بسبب ما ينشرونه.
فرغم مرور 12 عامًا على إقرار دستور 2014 وتعاقب 3 برلمانات، لم يصدر التشريع المطلوب، حتى عادت نقابة الصحفيين للمطالبة به، وتعهد نائب برلماني بتبني مشروعه داخل البرلمان، وفي محاولة للبحث عن حلول لهذا الواقع، استضافت النقابة ندوة بعنوان "أثر عدم إصدار قانون منع الحبس في قضايا النشر على العمل الصحفي وحرية الصحفيين"، بحضور وكيل النقابة ومحامين يتولون الدفاع عن صحفيين محبوسين وممثلين عن النقابة وباحثين ونواب سابقين وحاليين، لم يقتصر النقاش خلالها على المطالبة بإصدار القانون، وإنما امتد إلى مدى كفاية التشريع المقترح لمعالجة الفجوة بين النص الدستوري وتطبيقه.
حظر دستوري وحبس مستمر
قدمت إيمان عوف، مقررة لجنة الحريات بنقابة الصحفيين، صورة ملموسة لهذه الفجوة من خلال واقعة صحفية في محافظة المنيا، تعرضت للملاحقة قبل أيام من الندوة بعد نشرها عن أزمة مياه الصرف الصحي في إحدى المناطق، حيث رفعت شركة مياه الصرف الصحي دعوى ضدها، لتجد نفسها أمام اتهامات ببث أخبار كاذبة وإثارة المواطنين وقلب الرأي العام.
ومن هذه الواقعة، انتقلت عوف إلى حجم أزمة الحبس، مشيرة إلى أن عدد الصحفيين المحبوسين بلغ 20 صحفيًا حتى الأسبوع السابق للندوة، قبل أن يرتفع إلى 26 بعد حبس فريق "متصدقش"، بحسب ما ذكرته، محذرة من احتمال زيادة العدد إذا استمر غياب التشريعات التي تحول الضمانات الدستورية إلى حماية فعلية، فلا تظل هذه الضمانات حبيسة النصوص بينما تستمر الملاحقات على أرض الواقع.
ولم تكن الأرقام وحدها كافية لتوضيح حجم الأزمة، إذ استشهدت عوف بأوضاع صحفيين يقضون سنوات داخل السجون، من بينهم كريم إبراهيم الذي أمضى 6 سنوات في الحبس، وصفاء الكوربيجي التي تعاني من شلل الأطفال.
وتكشف هذه الحالات عن جانب آخر من آثار الحبس، حين تتحول العقوبة من إجراء قانوني يواجهه الصحفي إلى سنوات تمر من عمره بعيدًا عن حياته المعتادة، بينما تتراكم تبعات غيابه على أسرته.
وضربت عوف مثالًا بأسرة الصحفي ياسر أبو العيلة، إذ يتولى ابنه البالغ 19 عامًا رعاية إخوته في غياب والده، بعد القبض على أمه وخالته. أما نجل الصحفي حمدي مختار، الذي كان في نحو عامه الأول وقت القبض على أبيه، فقد بلغ سن الدراسة، حتى إنه لم يعد يتذكر شكل والده.
وتضع هذه الشهادات الأثر الإنساني للحبس في قلب النقاش القانوني. فالأمر لا يتعلق فقط بمدة العقوبة أو مسوغات استمرار الاحتجاز، وإنما بأعمار تمر، وأطفال يكبرون بعيدًا عن آبائهم، وأسر تضطر إلى تحمل مسؤوليات إضافية نتيجة غياب أحد أفرادها، ويعيد ذلك طرح السؤال عن جدوى الضمانات الدستورية إذا لم تنعكس على حياة الصحفيين وأسرهم.
وعلى مستوى النصوص القانونية، استند المحامي نبيه الجنيدي إلى المادة 71 من دستور 2014، التي تحظر توقيع عقوبة سالبة للحرية في الجرائم التي تُرتكب بطريق النشر أو العلانية، وأشار كذلك إلى المادة 29 من قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018، التي تتضمن الحظر نفسه.
ويرى الجنيدي أن المشكلة لا تكمن في غياب النص الدستوري وحده، وإنما في عدم تطبيقه فعليًا، فضلًا عن تعدد القوانين التي تتيح ملاحقة الأشخاص بسبب ما ينشرونه أو يعبرون عنه.
وتشمل هذه التشريعات قانون العقوبات، وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، وقانون مكافحة الإرهاب، ولا تقتصر آثار هذه القوانين، وفق الجنيدي، على الصحفيين المقيدين في جداول النقابة أو العاملين في المواقع الإخبارية، وإنما تمتد إلى المواطنين أيضًا.
من الدستور إلى البرلمان
استعاد محمد سعد عبد الحفيظ، وكيل نقابة الصحفيين، المسار التشريعي الذي لم يكتمل منذ إقرار دستور 2014، مشيرًا إلى مرور 3 برلمانات من دون أن تتبنى أي كتلة نيابية معالجة شاملة للتعارض بين الحظر الدستوري والنصوص القانونية التي تسمح بالحبس في قضايا النشر والعلانية.
وأشار عبد الحفيظ إلى وجود مواد في قانون العقوبات وتشريعات أخرى، من بينها القوانين المتعلقة بمكافحة الإرهاب وجرائم تقنية المعلومات، تتيح الملاحقة في وقائع مرتبطة بالنشر. ويرى أن استمرار هذه النصوص يفرغ الحظر الدستوري من مضمونه، إذ يمكن أن يظل الصحفي معرضًا للحبس رغم وجود ضمانة دستورية يفترض أن تحميه من العقوبات السالبة للحرية بسبب ما ينشره.
ويمتد أثر الأزمة، بحسب وكيل النقابة، إلى حق الجمهور في معرفة ما يجري داخل مؤسسات الدولة، ومناقشة السياسات العامة والبدائل المطروحة وتقييمها، فحين يواجه الصحفي خطر الحبس بسبب عمله، لا تتوقف التداعيات عند حدود تجربته الشخصية، وإنما تمس قدرة المواطنين على الوصول إلى المعلومات التي تساعدهم على فهم القرارات العامة ومناقشة آثارها.
ويطرح عبد الحفيظ إصدار قانون يمنع الحبس في قضايا النشر بوصفه خطوة توفر للمحامين نصًا واضحًا يمكن الاستناد إليه عند المطالبة بإخلاء سبيل الصحفيين. فإذا لم تكن العقوبة السالبة للحرية مقررة للجريمة، يصبح استمرار الحبس الاحتياطي على ذمتها محل تساؤل، وفق طرحه.
ودعا وكيل النقابة إلى بناء ضغط مجتمعي أوسع للدفاع عن هذا المطلب، انطلاقًا من أن حرية الصحافة ليست امتيازًا مهنيًا للصحفيين، وإنما وسيلة تتيح للمواطنين معرفة ما يحدث وتكوين آرائهم ومحاسبة المسؤولين.
لكن معالجة النصوص التي تتيح الحبس لا تنهي، وحدها، المخاوف من استخدام اتهامات أخرى لملاحقة الصحفيين. ولفتت أسماء نعيم، الباحثة المتابعة لقضايا الصحفيين، إلى أن تغيير القوانين قد لا يكون كافيًا إذا استمرت الممارسات التي تسمح بإعادة توصيف الوقائع المرتبطة بالنشر باعتبارها جرائم من طبيعة مختلفة.
واستشهدت نعيم بترتيب مصر في مؤشر حرية الصحافة، قائلة إن البلاد تحتل المرتبة 169 من أصل 180 دولة، ثم تناولت ما وصفته بتغير أدوات ملاحقة الصحفيين، إذ قد لا تستند الملاحقة صراحة إلى العمل الصحفي نفسه، وإنما إلى اتهامات مثل الترويج لأعمال إرهابية أو ارتكاب جرائم أخرى.
وتساءلت عن الأدلة التي تستند إليها هذه الاتهامات في بعض القضايا، معتبرة أن وصف منشور بأنه ترويج لعمل إرهابي لا يغني عن إثبات الفعل المنسوب إلى المتهم. فالفارق هنا ليس لغويًا فقط، وإنما يتعلق بما إذا كانت الملاحقة تقوم على فعل محدد يمكن إثباته، أم على وصف قانوني قد يحول النشر نفسه إلى مدخل للاتهام.
ومن هذه الزاوية، أبدت نعيم تحفظات على صياغة مشروع القانون المطروح للنقاش، رغم تأييدها المبدأ الذي يقوم عليه. وترى أن المشروع يحتاج إلى معالجة دقيقة تمنع الالتفاف على الحظر الدستوري من خلال إضفاء أوصاف أمنية على وقائع جوهرها نشر رأي أو خبر أو نقد.
وتميز نعيم بين النشر باعتباره فعلًا تعبيريًا، وارتكاب فعل جنائي مستقل عنه. ووفق طرحها، لا ينبغي أن يؤدي تغيير الوصف القانوني للواقعة وحده إلى إتاحة الحبس من جديد، في حين تظل الأفعال الجنائية المستقلة خاضعة لتقييمها القانوني.
الحبس قبل الحكم
لم تتوقف ملاحظات نعيم عند العقوبات المقررة بعد صدور الأحكام، وإنما امتدت إلى الحبس الاحتياطي الذي قد يسبق المحاكمة. وأشارت إلى أن قانون تنظيم الصحافة القديم رقم 96 لسنة 1996 تضمن في مادته 41 نصًا يتعلق بمنع الحبس الاحتياطي في جرائم النشر، قبل أن تتغير المعالجة التشريعية لاحقًا.
وتكشف هذه الملاحظة عن جانب يحتاج إلى معالجة مستقلة في مشروع القانون المقترح، فتعديل العقوبات السالبة للحرية المقررة لجرائم النشر لا يضمن وحده إنهاء فترات الحبس السابقة على الحكم، ما لم يتناول التشريع هذه المرحلة صراحة.
ولا تطالب نعيم بمنح الصحفيين حصانة من المساءلة، وإنما بضمان محاسبتهم بوسائل عادلة، تشمل التصحيح عند الخطأ، من دون أن تتحول الملاحقة الجنائية إلى وسيلة لمعاقبة التعبير أو إسكات النقد.
وطرحت تساؤلات بشأن مدى شمول مشروع القانون لجميع النصوص التي تسمح بالحبس في وقائع النشر، وما إذا كانت صياغته تتضمن ضمانات تمنع الالتفاف على الحظر من خلال تغيير الوصف القانوني للواقعة. وهي أسئلة تتصل بفاعلية التشريع نفسه، إذ تتوقف الحماية على قدرته على التعامل مع طرق الملاحقة المختلفة، لا على إعلان مبدأ عام فحسب.
تعهد برلماني
على المسار التشريعي، تعهد عاطف مغاوري، عضو مجلس النواب عن حزب التجمع، بالتحرك لتبني مشروع القانون. وقال إن الدستور يتضمن قواعد عامة تحتاج إلى تشريعات تنظم تنفيذها، مشيرًا إلى أن حظر الحبس في قضايا النشر والعلانية يستدعي قانونًا يحول هذا المبدأ إلى قواعد قابلة للتطبيق.
واستعاد مغاوري مشاركته، خلال الفصل التشريعي السابق، في مناقشات مرتبطة بقانون الإجراءات الجنائية، موضحًا أن نقابة الصحفيين وعددًا من النواب طرحوا مواقف تتعلق بالحبس الاحتياطي. وأشار كذلك إلى إرجاء العمل بالقانون الجديد للإجراءات الجنائية من أكتوبر 2026 إلى أكتوبر 2027.
ويرى مغاوري أن التعامل مع الحبس الاحتياطي يحتاج إلى مراجعة تتيح الإفراج عن المحبوسين الذين لا تتوافر في حالاتهم مبررات تستدعي استمرار احتجازهم، وفق تقديره، مع مراعاة طبيعة الوقائع المنسوبة إليهم.
أما فيما يتعلق بقضايا النشر، فأعلن استعداده للبدء في جمع توقيعات النواب على مشروع القانون، مشيرًا إلى إمكانية إعداد 3 أوراق تحمل كل منها 20 توقيعًا، تمهيدًا للتحرك بالمشروع داخل البرلمان. وأكد أن معالجة الملف تحتاج إلى تعاون مع نواب آخرين، حتى لا يقتصر التحرك على موقف فردي.
غير أن التعهد البرلماني لم يحسم النقاش بشأن البيئة التشريعية التي يعمل القانون المقترح داخلها. فقد أعادت سميرة الجزار، النائبة السابقة، التذكير بملف قانون حرية تداول المعلومات، معتبرة أن غياب المعلومات الكافية يمثل عائقًا أمام عمل النواب أنفسهم عند مناقشة القوانين.
وأشارت الجزار إلى ملفات مثل الإيجار القديم والهجرة، مستشهدة بها على الصعوبات التي تواجه مناقشة القضايا العامة في ظل نقص المعلومات، وفق مداخلتها. ويضيف هذا الطرح جانبًا آخر إلى النقاش، إذ ترتبط قدرة الصحافة على أداء دورها بمدى توافر المعلومات التي تسمح بفحص السياسات العامة ومناقشتها، كما ترتبط قدرة المشرّع على معالجة الأزمات بإمكانية الوصول إلى المعلومات ذات الصلة بها.
وتتوقف فاعلية مشروع القانون الذي ستقدمه النقابة على قدرته على معالجة النصوص التي تسمح بالحبس في قضايا النشر، ووضع ضمانات تحول دون تجاوز الحظر الدستوري عبر اتهامات أخرى أو تغيير الوصف القانوني للوقائع. فالمعيار ليس صدور قانون يكرر مبدأ الحماية، وإنما أن يوفر قواعد واضحة يمكن تطبيقها على الحالات التي يواجه فيها الصحفيون خطر الحبس بسبب ما ينشرونه.