"بنتي بقت كارهة المدرسة ومش عاوزة تروحها تاني وهي لسة في تالتة ابتدائي".. بهذه الحقيقة حكت أمينة* لـ "فكر تاني"، مسترجعة خوف طفلتها من التعليم بسبب صعوبة المناهج وإصرار المعلمين على تحويل الدرس الخصوصي إلى أمر واقع وملزم لها.
توضح أمينة الحالة التي وصلت لها ابنتها ملك* تلميذة في الصف الثالث الإبتدائي بإحدى المدارس الحكومية بالمعادي والتي امتنعت أمها في البداية أن تعطيها دروسًا خصوصية، فكان ذلك سببًا في أنها لم تستطع أن تجب على بعض الأسئلة الخاصة بالواجب ما جعل المعلمة تقوم بضربها بخشبة على يديها 4 مرات.
تقول أمينة لـ "فكر تاني": جاءت ابنتي في اليوم الثاني من الدراسة ومعها واجب انجليزي يزيد عن 10 صفحات ولم تستطع الحل بمفردها فحاولت أن أساعدها ولكن بعض الأشياء لم نستطع حلها سويا، فذهبت تاني يوم بدون حلها ما جعل المعلمة تنهال عليها بالضرب وتقول لها: لو مش عارفة تحلي خدي درس".
وأما منهج الرياضيات الياباني الذي يتم تطبيقه على الصف الثالث الابتدائي لأول مرة، تقول أمينة: "وقفنا جميعًا صامتين أمام الواجبات التي لا نستطيع حلها، وفي اليوم التالي عندما أخبرت ابنتي المدرس أنها لم تستطيع حل الواجب كله، ارتفع صوته وشطب اسمها من دفتر الحضور".
وتضيف: "في نفس المدرسة مُعلمة العربي تلح عليها لكي تأخذ معها درسًا خصوصيًا، وعندما تكرر الأمر قلت لبنتي أن تقول لها أنها لا تحتاج لدرس وأن أخيها سيساعدها في حل الواجبات، هربًا من الحاحها لأن بنتي لم تفهم منها بالمدرسة حتى أعطيها معها درس خصوصي".
تكمل: "أول ما اخبرتها ابنتي بهذا تغيرت طريقة المعاملة، وقالت لها: "خلي أخوكي ينفعك"، وبعدما كنت أسألها فتجيبني مباشرة تغيرت طريقة المعاملة وامتنعت عن الرد علي".
وكان آخر تواصل بين أمينة ومدرسة العربي، عندما سألتها عن شيئ يخص الواجب، قالت لها في رسالة صوتية حصلت عليها فكر تاني: "ما أنا قولتلهم في الفصل يعملو ايه، مش كل شوية تسأليني، هي قاعدة متخلفة في الفصل؟، دي لازم تاخد على دماغها، وبعدين احنا هنبتدي الدروس خلاص، مش هدي تاني في المدرسة، هدي برة في السنتر، مفيش حد هيدي في المدرسة، شوف ظروفك ايه وقوليلي".
أمينة ليست وحدها، فمع زيادة صعوبة المناهج وزيادة الواجبات في سنوات التعليم الأولى، يجد بعض أولياء الأمور أنفسهم أمام خيارا إجباريًا: إما أن يتحولوا إلى مدرسين لأبنائهم داخل المنزل، أو يدفعوا تكلفة درس خصوصي حتى يتمكن الطفل من متابعة ما يحدث داخل الفصل.
فهل تغيير المناهج وزيادة التقييمات لحضور التلاميذ للمدارس أدى إلى الحد من الحاجة إلى الدروس الخصوصية؟
يأتي ذلك في ظل تصريحات وزير التعليم محمد عبد اللطيف بتغيير البوصلة نحو تخفيف العبء عن كاهل أولياء الأمور وإعادة الروح إلى الفصل المدرسي، ومواجهة ظاهرة الدروس الخصوصية من خلال إعادة الطالب إلى المدرسة وتحسين جودة التعليم داخل الفصل، فضلًا عن معالجة عدد من الأسباب الهيكلية التي دفعت الأسر إلى الاعتماد على الدروس الخصوصية.
وبالرغم من القرارات والتوجيهات الرسمية لوزارة التربية والتعليم؛ التي شدد فيها على الحظر التام لكافة أشكال العقاب البدني أو النفسي، أو أي ممارسات تمس كرامة الطالب وسلامته النفسية داخل المدارس، مؤكدًا اتخاذ الإجراءات القانونية والإدارية الرادعة فور ثبوت أي مخالفة، تستمر المُعلمة في ضرب ملك كما أكدت والدتها في حديثها لـ "فكر تاني".
استنزاف ميزانية الأسر
تكشف أحدث نتائج بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك 2019/2020 الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، حجم التكلفة التي تتحملها الأسر المصرية لتعليم أبنائها، ووتستحوذ الدروس الخصوصية ومجموعات التقوية على جانب مهم من هذه الفاتورة، إذ بلغ إجمالي ما تنفقه الأسر المصرية عليها نحو 136.474 مليار جنيه سنويًا، بمتوسط إنفاق يبلغ 5,249 جنيهًا للأسرة الواحدة سنويًا.
يرى الدكتور كمال مغيث، الخبير بالمركز القومي للبحوث التربوية، في حديثه لـ "فكر تاني" أن تطوير المناهج لم يؤدي إلى الحد من الدروس الخصوصية، وإنما جعل المناهج أكثر صعوبة وبُعدًا عن متناول بعض التلاميذ، ما يدفعهم إلى البحث عن مصدر خارجي يساعدهم على الفهم والشرح بصورة أكثر تفصيلًا وصبرًا، وهو ما لا يتوافر، بالقدر الكافي داخل المدرسة الحكومية.
ويحمّل مغيث جانبًا من المشكلة إلى أوضاع المعلمين في المدارس الحكومية، موضحًا أن المعلم يواجه، من ناحية، ظروفًا مادية صعبة تدفعه إلى البحث عن مصادر إضافية للدخل، ومن ناحية أخرى يعمل بعض المعلمين بنظام الحصة أو التعاقد، وهو ما قد يؤثر، على مستوى التفرغ والجهد المبذول داخل الفصل.
ويؤكد الخبير بالمركز القومي للبحوث التربوية أن المشكلة لا تتعلق بالمناهج وحدها، وإنما بمدى إعداد المعلم لتدريسها، مشددًا على ضرورة تدريب المعلمين بشكل جيد على المناهج الجديدة، مهما كانت طبيعتها أو حداثتها، حتى يتمكنوا من نقلها إلى الطلاب بصورة مناسبة.
"بدل الدرس اتنين"
اضطرت هدي للاتفاق مع مدرسين اثنين لطفلها البالغ 10 سنوات في مادة الرياضيات للصف الخامس الابتدائي في إحدى المدارس الحكومية بالجيزة. تقول لـ"فكر تاني "لم أعد الاحق على المصاريف ولا على وقت الطفل. أقسم الأسبوع بين "مستر الشرح" و"مستر الحل والتدريب" للمادة الواحدة.
بدأت أزمة هدى مع مادة الرياضيات والعلوم مع تطور المناهج التي تتطلب قدرات استيعابية تفوق التطور العمري لطالب في سن العاشرة. داخل الفصل، يمر الوقت سريعاً بين إثبات الحضور ومحاولة تهدئة الطلاب، ليتحول وقت الشرح إلى خطوط عريضة سريعة لا تكفي لإفهام الطالب.
تقول هدى لـ "فكر تاني": "في البداية، سجلت لابني في درس خصوصي تقليدي مع معلم المادة ليفهم المنهج، لكننا اكتشفنا أن وقت الدرس يضيع بالكامل في شرح المفاهيم النظرية والتجارب دون وقت كافٍ للتدريب على نمط الأسئلة المباشرة وغير المباشرة، وحل نماذج الامتحانات المعقدة".
تضيف: "وجدنا أنفسنا أمام خيارين، إما أن يحصل على درجات متدنية ويصاب بالإحباط، أو نبحث عن معلم آخر متخصص في "التدريب والأفكار والحل السريع"، وبالفعل، أصبح يتلقى حصتين أسبوعياً للشرح مع معلم، وحصة أو اثنتين أسبوعياً مع معلم آخر لـ "قواعد الحل وتدريبات المراجعة" لنفس المادة".
وهكذا تحول جدول الطفل الأسبوعي إلى طاحونة لا تتوقف، يخرج من المدرسة إلى السنتر الأول، ثم يهرع لموعد الدرس الثاني، ليصل إلى المنزل في نهاية اليوم منهكاً غير قادر على ممارسة أي نشاط طفولي أو رياضي، وهو ما دافع عنه وزير التعليم الأسبق رضا حجازي إذ خرج في تصريحات له عبر صفحته الشخصية على «فيسبوك»، ليؤكد أن الطفل يحتاج إلى أن يلعب، ويضحك، ويجري، ويسأل، ويكتشف، ويخطئ، ويحاول من جديد، مؤكدًا أن الطفل يحتاج إلى وقت بلا جدول، ولعب بلا هدف تعليمي مباشر، وحكاية قبل النوم، وحديث هادئ مع أسرته، وذكريات جميلة تبقى معه عندما يكبر.
وبالرغم من حديث هدى عن إرهاق الأسر بدفع تكلفة درسين للمادة الواحدة، ترى وزارة التربية والتعليم أنها وضعت بالفعل آليات ميدانية حدّت بشكل كبير من ظاهرة الدروس الخصوصية، إذ أكد الوزير في تصريحات في 12 نوفمبر 2025 أن الوزارة واجهت ظاهرة الدروس الخصوصية من خلال تنفيذ حلول فنية تمثلت في الاعتماد على التقييمات المستمرة وضمان انضباط حضور الطلاب بنسب قياسية تجاوزت 87.7%، وهو ما ساهم في القضاء على ظاهرة الدروس الخصوصية.
ولكن هل إلزام الطلاب بالحضور الصباحي للتقييمات قضى فعلياً على الدروس الخصوصية، أم نقلها فقط إلى ساعات ما بعد الظهيرة ورفع كاهل الإنفاق المالي على الأسرة؟
هل حدت المناهج الجديدة من ظاهرة الدروس الخصوصية؟
تشير تقديرات شركة منصة فاست كومباني ميدل إيست المتخصصة في قطاع الأعمال إلى أن حجم إنفاق الأسر المصرية على الدروس الخصوصية في 2024 بلغ نحو780 مليون دولار بينما من المتوقع أن يصل إلى 931 مليون دولار في 2026.
تقول أسماء، مُعلمة رياضيات في المرحلة الابتدائية، في حديثها لـ "فكر تاني" إن كثافة المحتوى تجعل أولياء الأمور يشعرون بالقلق على مستوى أبنائهم، خاصة مع وجود تقييمات وامتحانات مستمرة، وهو ما يدفع بعض الأسر إلى الاستعانة بالدروس الخصوصية.
وتوضح أن الهدف المعلن من تطوير المناهج كان -من بين أمور أخرى- مواجهة ظاهرة الدروس الخصوصية وتشجيع الطلاب على الانتظام في المدارس، إلا أنها ترى أن ما يحدث على أرض الواقع قد يكون عكس ذلك، قائلة: إن ولي الأمر عندما يعود ابنه إلى المنزل ولا يكون قادرًا على فهم ما درسه أو حل واجباته، يضطر إلى التواصل مع مدرس خارج المدرسة حتى يستطيع مساعدته.
وتشير إلى أن بعض أولياء الأمور، بدلًا من الاكتفاء بدرس واحد، أصبحوا يستعينون بأكثر من درس لمساعدة أبنائهم على مواكبة المناهج، موضحة أن كثافة المحتوى جعلت الأسر مرعوبة على مستقبل أبنائها، ولا تنتظر حتى ظهور النتيجة لتعرف مستوى الطفل.
تضيف إيمان أن تجربتها الشخصية كمعلمة تجعلها تلاحظ احتياج بعض الأطفال إلى التأسيس والدعم خارج المدرسة، موضحة أن بعض الطلاب الذين يلتحقون بالدروس في السنوات الأولى يحتاجون في البداية إلى التأسيس قبل متابعة المنهج.
ولا يختلف الوضع كثيرًا في المدارس الخاصة، ففي حديثها لـ "فكر تاني" ترى فاطمة محمد، معلمة بإحدى المدارس الخاصة في التجمع ورئيسة قسم الصفوف الأولية، أن الدروس الخصوصية بدأت في الزيادة داخل بعض المدارس الخاصة بالتزامن مع زيادة متطلبات المناهج والتقييمات، موضحة أن الطلاب كانوا في السابق لا يلجأون إلى الدروس في مواد مثل اللغة العربية إلا في حالات محدودة تتعلق بضعف مستوى الطالب، بينما أصبح بعض أولياء الأمور أكثر حرصًا على الاستعانة بمدرسين خارج المدرسة خوفًا من تعثر أبنائهم.
وتحذر من أن اتساع الفجوة بين متطلبات المناهج وقدرات الأطفال الفعلية قد يدفع الأسر إلى مزيد من الاعتماد على الدروس الخصوصية، خاصة في المدارس التي لا تتوافر فيها الإمكانات نفسها الموجودة في بعض المدارس الخاصة.
وتؤكد أن الطفل الذي يواجه صعوبة في القراءة والكتابة لن يكون من السهل عليه التعامل مع أسئلة طويلة أو مصطلحات تتجاوز مستوى مهاراته الحالية، وأن المشكلة لا تتعلق بقدرة الأطفال على التعلم بقدر ما ترتبط بمدى توافق المحتوى والتقييم مع المرحلة العمرية والمهارات التي يمتلكها الطفل بالفعل، مشيرة إلى أن أي تطوير للمناهج يحتاج إلى مراعاة الفروق بين الأطفال والإمكانات المتاحة داخل كل نوع من المدارس.
المنهج صعب رغم الدكتوراة
اضطرت هبة، ولية أمر طالب في المرحلة الابتدائية، إلى الاستعانة بمدرسة خصوصية حتى تتمكن من متابعة نجلها في منهج الرياضيات، رغم حصولها على درجة الدكتوراه، موضحة أنها تجد صعوبة في فهم بعض المسائل بالطريقة التي يقدم بها المنهج، وهو ما يجعلها بحاجة إلى شرح مسبق حتى تتمكن من نقل المعلومة إلى طفلها.
وتقول هبة لـ"فكر تاني": يعتبر باخد درس خاص مع المدرسة الخصوصية لابني عشان أعرف أتابع معاه"، موضحة أن المشكلة بالنسبة إليها لا تتعلق بعدم قدرتها على التعلم، وإنما بالطريقة التي انتقل بها الطفل من العمليات الحسابية البسيطة إلى مسائل تتطلب منه تنفيذ عدة خطوات متتابعة.
وتوضح أن نجلها كان في العام السابق لا يزال يعتمد على أصابعه في إجراء العمليات الحسابية البسيطة، قبل أن يجد نفسه أمام مسائل تتطلب منه تحليلًا متتابعًا للوصول إلى الإجابة، فتقول: "إزاي واحد متعود على الحفظ ومتعود إنه يعد على صوابعه، فجأة أنقله لمرحلة كبيرة خالص، وأخليه يعمل أربع عمليات تحليل في دماغه لعملية حسابية واحدة؟".
من المذنب؟
يرى الدكتور عاصم حجازي، أستاذ علم النفس التربوي بجامعة القاهرة، في حديثه لـ«فكر تاني»، أن المشكلة لا تكمن بالضرورة في المناهج نفسها، وإنما في غياب الإعداد المسبق للطلاب لاستيعاب طبيعتها، موضحًا أن بعض المناهج تحتاج إلى تهيئة خاصة تسبق تدريسها، تشمل تنمية قدرات معينة لدى الأطفال وتدريبهم على التفكير وحل المشكلات، حتى يتمكنوا من التعامل مع المحتوى الجديد بصورة أفضل.
ويحذر حجازي من أن التركيز على تطوير المحتوى دون تهيئة الطلاب لاستيعابه قد يؤدي، من وجهة نظره، إلى نتيجة عكسية تتمثل في زيادة لجوء الطلاب إلى الدروس الخصوصية، باعتبارها وسيلة لتعويض ما لم يتمكنوا من فهمه داخل الفصل.
ويشير أستاذ علم النفس التربوي إلى أن طبيعة المناهج القائمة على الاكتشاف والبحث وحل المشكلات تحتاج إلى وقت كافٍ داخل الحصة حتى يتمكن المعلم من شرحها وتطبيقها مع الطلاب، وهو ما قد يمثل تحديًا في المدارس التي تعمل بنظام الفترتين، مع تقليص الوقت المتاح للتدريس.
ويبقى السؤال: هل نجحت المناهج الجديدة والقرارات التنظيمية في الحد من ظاهرة الدروس الخصوصية، أم أنها ضاعفتها وفاقمت حدة المشكلة؟