عدت إلى منزل أبي في حي دار السلام، بعد عامين قضيتهما في كومباوند تملؤه الأشجار بحي السادس من أكتوبر، لأجد الحي الذي أعرفه منذ طفولتي وقد تبدلت ملامحه تمامًا، جُرفت الساحة الخضراء الكبيرة في المنطقة بالكامل، وبُني مجمع للمدارس مكانها، بينما اختفت الأشجار التي وقفت على ناصية شارعنا منذ ولادتي.
وعندما دخلت الشارع، شعرت بأنه مات، أو ارتدى السواد حزنًا على الأشجار التي ظلت تحرسه لعقود. ذهبت ألوانه، وأصبح شاحبًا كعجوز انتهى عمرها فجأة. ولم أتمالك نفسي أمام مشهد جذع شجرة مقطوع، إذ لم يبق من إحدى ذكريات طفولتي سوى 20 سنتيمترًا من الخشب.
لم يكن مشهد الشجرة المقطوعة في دار السلام واقعة عابرة، فقد أخذني إلى صورة أخرى من المكان نفسه في المنيرة، حيث اختفت أشجار عرفتها خلال سنوات الدراسة. ومع كل مرة كنت أعود فيها إلى مكان قديم فأجده مختلفًا، كان يتضح لي أن ما يتغير ليس شكل الشوارع وحده، وإنما أشياء صغيرة التصقت بذاكرة أصحابها حتى صارت جزءًا من سيرتهم الشخصية.
وحين بدأت أتتبع هذه الحكايات، اكتشفت أن المشهد لا يتوقف عند شارع أو حي أو مدينة بعينها. في القاهرة ومحافظات أخرى، غابت حدائق وأشجار وأماكن ترفيه ومعالم اعتادها الناس لسنوات، بعضها في سياق مشروعات تطوير معلنة، لكن أثر اختفائها امتد إلى ما هو أبعد من المباني والأرصفة، فخلف كل مكان تغير، كانت هناك أسرة اعتادت أن تجتمع فيه، وطفل كبر في ظله، وذكريات ظلت حاضرة حتى بعد أن اختفى المكان نفسه. من هنا بدأنا تتبع قصص هذه الأماكن، لا كما تبدو اليوم، وإنما كما بقيت في ذاكرة من عاشوا فيها.
الفسطاط.. حين تُمحى ذكريات طفولة آلاف الناس
من بين الأماكن التي فقدتها القاهرة حديقة الفسطاط، التي كانت لسنوات وجهة للأهالي في المناسبات والإجازات، وعرفت بين كثيرين باعتبارها متنفسًا للأسر محدودة ومتوسطة الدخل.
تقول نورا عبده (34 عامًا)، التي تسكن منطقة بير أم سلطان القريبة من الفسطاط، إن الحديقة كانت "المتنفس الوحيد لينا"، موضحة أن سعر تذكرة الدخول كان نصف جنيه في بداية الألفينات، ثم ارتفع إلى جنيه، قبل أن يصل في آخر سعر له إلى 5 جنيهات، وهو ما كان يتيح لمختلف الأسر دخولها، خاصة مع اتساع مساحتها ووجود الملاهي والأشجار وأماكن ألعاب الأطفال.
وتتذكر نورا أن والدها ووالدتها كانا يصطحبانها وإخوتها إلى الحديقة باستمرار، مثل كثير من أطفال المناطق المحيطة، وعندما كبرت وأنجبت ابنتها، أقامت عيد ميلادها السادس هناك، وهي تقول لها يومها "أنا وخالاتك قضينا هنا معظم أوقات الفسح في طفولتنا، عشان كده عايزة يكون ليكي ذكرى في الفسطاط زينا". ولم تكن تتخيل آنذاك أن يأتي يوم لا ترى فيه المكان مرة أخرى.
بين ماضٍ للأسر البسيطة وحاضرٍ للمستثمرين
تعود حديقة الفسطاط إلى سبعينيات القرن الماضي، وافتتحت مرحلتها الأولى عام 1989، وظلت لسنوات واحدة من المساحات الخضراء المفتوحة المهمة في القاهرة.
أما اليوم، فتشهد المنطقة إنشاء مشروع "حدائق تلال الفسطاط"، الذي يمتد على مساحة تقارب 500 فدان، ويضم مناطق ثقافية وترفيهية وسياحية واستثمارية، إلى جانب مساحات خضراء، ضمن خطة تطوير منطقة الفسطاط والقاهرة التاريخية، وهو مشروع تقدمه الحكومة باعتباره جزءًا من تطوير المنطقة وإعادة إحياء قلب القاهرة التاريخية، لكن التغيير بالنسبة إلى بعض سكانها يرتبط أيضًا بفقدان الشكل القديم للمكان الذي ارتبط بذكرياتهم.
ومع تغير المشهد، لم يعد دخول المنطقة متاحًا للأسر الفقيرة بالسياق نفسه الذي عرفته سابقًا، إذ أصبحت أرض حديقة الفسطاط ضمن أراضي كمباوند سكني، بينما يضم محيطها متحف الحضارات الذي يبلغ سعر تذكرة دخوله 90 جنيهًا للفرد، إضافة إلى حديقة "جزيرة التنين" الترفيهية التي تبدأ أسعار دخولها من 300 جنيه.
ومع اختفاء الحديقة من ذاكرة الجيل الذي عرفها، تبدو قصة أخرى في القاهرة شبيهة بها، هذه المرة من بوابة مدينة ملاهٍ ارتبطت أيضًا بقدرة الأسر على قضاء يوم كامل بأقل تكلفة.
"السندباد" يغادر القاهرة للأبد
يقول أحمد محمد، وهو من مواليد عام 1989، إن ذكريات الأعياد ارتبطت لديه ولدى أسرته بحديقة "السندباد"، التي كان والده يحبها ويحرص على اصطحاب الأسرة إليها، بعدما ارتبط هو أيضًا بالمكان خلال فترة خطوبته إلى والدته.
ويتذكر أحمد أن تذكرة الدخول كانت 5 جنيهات، وهو سعر جعل الخروجة مناسبة لأسرة مكونة من 5 أفراد، بينهم 3 أطفال كانوا يلعبون معظم الألعاب الموجودة، بينما كانت أسعار الألعاب تبدأ من 3 جنيهات وتصل أغلاها إلى 7.5 جنيه.
ويقول إن "الخروجة كلها كان ممكن تتكلف 50 جنيه و نروح مبسوطين أوي"، وهي تكلفة كانت مناسبة لدخل أسرة متوسطة الدخل، يعمل ربها نجارًا مسلحًا. وحين يقارن تلك الذكريات بواقع اليوم، يجد نفسه أمام تكلفة مختلفة تمامًا، إذ يقول "دلوقتي لما بفكر أخد ولادي الاتنين ومراتي مدينة ملاهي وبحسب التكلفة بلاقي إنه أقل خروجة هتوصل لـ1500 جنيه عشان ولادي يروحوا مبسوطين زي ما كان والدي بيعمل معانا".
وافتُتحت "السندباد" عام 1982 في منطقة النزهة الجديدة، وكان صاحبها رجل الأعمال الراحل محمد سعيد، الذي توفي عام 2006. وفي عام 2017، بيعت أرض الحديقة إلى مستثمر لإقامة مشروع سكني بدلًا منها.
وتكشف قصة "السندباد" جانبًا آخر من معنى فقدان المكان، إذ لم تكن قيمته بالنسبة إلى رواده مرتبطة بالألعاب وحدها، وإنما بكونه مساحة يمكن لأسرة كاملة أن تصنع فيها ذكريات مشتركة ضمن تكلفة كانت في متناولها.
القاهرة ترتدي ثوبًا جديدًا
هذا التغير الذي طال أماكن الترفيه امتد كذلك إلى معالم تاريخية وأشجار ظلت جزءًا من المشهد البصري للقاهرة لعقود. وفي حديثه عن هذه التحولات، يفرق عماد عثمان، كبير باحثي الآثار الإسلامية بالقاهرة، بين المناطق العشوائية والمناطق الأثرية والترفيهية القديمة، مؤكدًا أن بالإمكان تطوير الأماكن القديمة وترميمها وتنظيفها للحفاظ على الهوية البصرية لمدينة القاهرة التاريخية، لأن "كل شبر في القاهرة جزء من التاريخ".
ويشير عثمان إلى أن المدينة فقدت مؤخرًا عددًا كبيرًا من المعالم والأشجار في مناطق تاريخية، ويصف ما جرى في منطقة عرب اليسار بأنه من أكثر المشاهد إيلامًا بالنسبة إليه، موضحًا أن المنطقة كانت تضم بيت ماجد، الذي وصفه بأنه من أجمل المنازل الأثرية هناك، وشهد جزءًا من أحداث مذبحة المماليك، فضلًا عن الأشجار التي قُطعت بأعداد كبيرة في قرافة الإمام الشافعي، إلى جانب تغيير الخريطة المساحية للمنطقة بالكامل.
ويقول عثمان، الذي يبلغ من العمر 69 عامًا، إن القاهرة خلال سنوات حياته لم تتغير بهذا الشكل من قبل، موضحًا "طول المدة دي عشت في القاهرة عمري ما شوفتها بتتغير بالشكل دا. قبل كدا كانت حلوة زي ما هي والناس بتيجي تزورها عشان مدينة قديمة وعريقة". ويرى أن تطوير المناطق العشوائية وهدم البيوت المهددة بالسقوط أمر ممكن، مع ترميم بقية المباني وتركها للحفاظ على هوية المدينة.
ومن بين النماذج التي أثارت استغرابه أيضًا تطوير سور مجرى العيون، الذي يرى أن قيمته الأساسية تكمن في قدمه وتاريخه، فيما جرى طلاؤه على نحو وصفه بأنه يدلل على الحداثة.
ويختصر عثمان شعوره تجاه هذا التحول في تجربة شخصية يقول فيها "أول مرة أحس بالغربة كانت لما سافرت أمريكا للدراسة وكنت مشتاق للقاهرة أوي، لكن الغريب إني بقيت حاسس بالغربة وأنا جوا بلدي كأنها بلد تانية، مبقتش عارف طرقها اللي كنت حافظها زي كف إيدي".
ومع امتداد هذا الإحساس إلى مدن أخرى، لم تعد القاهرة الحالة الوحيدة التي تغير فيها المكان على نحو مس ذاكرة سكانه؛ تواصلنا مع عدد من الأشخاص في محافظات مختلفة، فوجدنا أن قصص التطوير حملت معها في حالات أخرى فقدانًا لأشجار وأماكن ارتبطت بحياة أصحابها.
إدفو.. أشجار ذهبت معها حكايات كثيرة
في إدفو، ظلت حديقة "حورس" لسنوات مقصدًا للأهالي في الأعياد والمناسبات، مستفيدة من موقعها على كورنيش النيل وما تضمه من مساحة خضراء وأشجار.
وتقول هايدي كمال، وهي من سكان إدفو، إنها انتقلت إلى المدينة مع أسرتها عندما كان عمرها 7 سنوات، وكانت الحديقة آنذاك من أجمل الأماكن الموجودة فيها، وتذهب إليها في الأعياد مع والدها، رحمه الله، لتجلس الأسرة معًا وتتغدى وتلعب.
لكن الصورة التي رأتها مؤخرًا كانت مختلفة تمامًا، إذ تقول "لما مريت عليها من أيام وشوفت المنظر، قلبي انقبض وبكيت"، موضحة أن المكان كان يذكرها بوالدها وبلمة العائلة، وأن ما أصاب الحديقة جعلها تشعر بحزن على مكان جميل أصبح، بحسب وصفها، "خرسانة وطوب أحمر".
ولا يرتبط اعتراض هايدي بالذاكرة وحدها، إذ تشير إلى طبيعة إدفو شديدة الحرارة، وترى أن لكل شجرة قيمة كبيرة، لأن ظلها وهواها يساعدان الأهالي في مواجهة ارتفاع درجات الحرارة.
تقع حديقة حورس، أو "جنينة إدفو" كما يسميها الأهالي، على مساحة نحو 9500 متر مربع، وكانت تضم أشجارًا ومساحات خضراء وقاعة للمناسبات. وفي عام 2024، دخلت الحديقة ضمن أعمال تطوير المسار السياحي بمدينة إدفو، ولاحظ سكان المدينة اختفاء عدد من أشجارها المعمرة التي ظلت لعشرات السنوات على حافة النهر، تظل الأهالي وترافق المشهد اليومي للمدينة.
ومن الأشجار التي ارتبطت بظل المكان في إدفو، تمتد الحكاية إلى مدينة أخرى ارتبط اسمها أيضًا بالخضرة، لكنها فقدت واحدًا من عناصر مشهدها القديم.
الإسكندرية.. في ثوبها الجديد من دون الترام التاريخي
في الإسكندرية، تبدلت ملامح أجزاء من مشهد الترام الذي ظل لعقود واحدًا من أشهر معالم المدينة ووسيلة أساسية لحركة سكانها.
في محطة كامب شيزار، كانت فاتن محمود تقف مع أصدقائها في انتظار الترام الأزرق للذهاب إلى مدرستها في الإبراهيمية. وتقول فاتن، 39 عامًا، "من يوم ما اتولدت والترام موجود، لما تم هدم محطة كامب شيزار حسيت إن ذكريات سنين كتير من حياتي بتتمسح وبتتهدم مع كل حجر من المحطة".
وتستعيد فاتن تفاصيل يومية صغيرة تبدو في ذاكرتها جزءًا من المكان نفسه، فتتذكر أن ركوب الترام كان يبدأ بتذكرة قيمتها "بريزة"، ثم ارتفع السعر إلى ربع جنيه، وأنها كانت تمشي يوميًا مع أصدقائها وتعد الأشجار حتى محطة المدرسة، بينما كانت تحفظ "السكة الخضرا على شريط الترام، والزرع والدكك الخشب".
وعندما علمت الأسرة بأعمال التطوير، ظنت أن الأمر سيتعلق بإضافة دكك جديدة ومظلات وصيانة للترام، لكنها تقول "محدش كان متصور إن أجزاء من الترام والمحطات هتختفي بالشكل ده". وترى أن الترام كان شريانًا مهمًا في حياة كل سكندري، إذ اعتمد عليه طلاب المدارس والموظفون وسيلة مواصلات أساسية ورخيصة.
ترام الإسكندرية جزء من تاريخها
يعود تاريخ ترام الإسكندرية إلى القرن التاسع عشر، وتحديدًا عام 1863، عندما بدأت عرباته تجرها الخيول، ثم بدأ تشغيل الترام بالكهرباء في مطلع القرن العشرين. وعلى مدار أكثر من قرن، لم يكن الترام مجرد وسيلة انتقال، وإنما أصبح جزءًا من صورة الإسكندرية وذاكرة سكانها والسائحين أيضًا.
وفي مارس 2025، طرحت الهيئة القومية للأنفاق مناقصة لهدم منشآت ومحطات على مسار ترام الرمل ضمن أعمال مشروع تطوير الخط، وشملت القائمة محطة كامب شيزار، بحسب مستندات المناقصة المنشورة إعلاميًا.
ومن ثم، فإن التغيير الذي يطرأ على مسار الترام ومحطاته لا يتعلق بالنقل وحده بالنسبة إلى سكان المدينة، وإنما يمتد إلى علاقتهم بالمشهد الذي عرفوه لعقود، وهو المعنى ذاته الذي ظهر في إدفو مع الأشجار، وفي القاهرة مع الحدائق وأماكن التنزه.
ولم تختلف مدن القنال كثيرًا عن هذه الحكاية، إذ فقدت الإسماعيلية أيضًا شيئًا من ظلها القديم، ومعه تفاصيل بقيت عالقة في ذاكرة سكانها.
باريس الصغرى تفقد جزءًا من ظلها
ارتبط تاريخ مدينة الإسماعيلية بتخطيط يعتمد على المساحات الخضراء والأشجار، حتى عُرفت بلقب "باريس الصغرى". لكن هذا المشهد تعرض هو الآخر لتغيير ترك أثره لدى سكان المدينة.
يقول عبد الله محمد، 34 عامًا، من سكان حي الشيخ زايد بالإسماعيلية، إن الأهالي استيقظوا قبل أيام على أصوات عالية مصدرها الجرافات التي أزالت أشجار شارعهم، وهي أشجار يقول إنها كانت مزروعة منذ أكثر من 50 عامًا. ويرى أن سكان الحي جميعهم كانت لهم ذكريات معها، فقد جلسوا تحتها في الحر ولعبوا بجوارها سنوات طويلة، كما كان وجودها يمنح الشارع مظهره الذي اعتادوه.
ويروي عبد الله أن بعض الأشجار كانت تحمل أسماء عشاق وذكريات قصص حب، ويقول "كنا بنمشي نقرأ عليه حروف حبايب اجتمعوا واتفرقوا هنا". وعندما رأى السيارات تنقل الأشجار، وجد نفسه يتساءل عن مصير الخشب الذي كُتبت عليه تلك القصص لسنوات "خشب للأثاث ولا فحم للشوي والشيشة؟".
ولا تقتصر قيمة الأشجار في الإسماعيلية على وظيفتها البيئية بالنسبة إلى سكانها، إذ تشكل الأشجار المعمرة والمساحات الخضراء جزءًا من الصورة التاريخية التي تكونت حولها شخصية المدينة.
تطوير أم محو ذاكرة؟
هذا السؤال ينتقل من تجربة السكان إلى قراءة أوسع لطبيعة التغيير الذي تشهده المدن. ويرى إبراهيم عز الدين، الباحث العمراني، أن المشكلة في التغيير الذي تشهده القاهرة ليست في مبدأ التطوير نفسه، فالمدن بطبيعتها تتغير، وإنما في طبيعة هذا التغيير وسرعته ومدى احترامه للطبقات التاريخية والاجتماعية التي صنعت شخصية المدينة.
ويشرح عز الدين لـ"فكر تاني"، أن "القاهرة ليست مجرد مبانٍ وطرق، وإنما تاريخ طويل يتكون من الشوارع والأشجار والحدائق والمقاهي ودور السينما والكباري والميادين، وحتى أماكن الجلوس والانتظار التي ارتبطت بذاكرة أجيال. لذلك عندما تختفي حديقة أو صف من الأشجار المعمرة أو مكان ترفيهي، فنحن لا نفقد أصلًا ماديًا فقط، وإنما نفقد جزءًا من الذاكرة الجمعية. التطوير الجيد يجب أن يضيف طبقة جديدة إلى تاريخ المدينة، لا أن يمحو الطبقات السابقة".
ويرى الباحث العمراني أن بعض تدخلات التطوير قد تعطي أولوية لحركة السيارات وتوسعة الطرق وإنشاء المحاور والكباري على حساب المساحات الخضراء والفراغات العامة والمشهد العمراني القائم. ويؤكد أن "الشجرة في مدن شديدة الحرارة والكثافة مثل القاهرة وأسوان وغيرها من المحافظات جزء من البنية التحتية، فهي توفر الظل وتساهم في خفض درجات الحرارة وتحسين جودة الهواء وتخلق مساحات للمشي والجلوس".
وتزداد أهمية هذا الجانب عند إزالة الأشجار المعمرة، إذ يشير عز الدين إلى أنه لا يمكن تعويضها ببساطة بزراعة أشجار جديدة، موضحًا "هناك فارق بيئي وعمراني كبير بين شجرة عمرها 50 أو 100 عام وبين شتلة تحتاج عقودًا حتى تؤدي الوظيفة نفسها".
كما يحذر من التجانس البصري الذي قد ينتج عن إزالة العناصر المحلية واستبدالها بأنماط متكررة من الرصف والخرسانة والأسوار والمحاور المرورية. ويشير إلى أن القاهرة التاريخية ومصر الجديدة والمعادي ووسط البلد، وغيرها من المناطق في المحافظات، لكل منها شخصية ونسيج عمراني مختلف، وأن جزءًا من قيمة المدينة يكمن في هذا التنوع.
ويرى أن تطوير المدن يتطلب الاستعانة بمختصين في التخطيط العمراني، لأن بالإمكان تجديد القديم وترميمه وإنشاء الجديد إلى جواره بصورة متناغمة، من دون التخلي عن عنصر لصالح آخر. ويختتم رؤيته بسؤال يرى أنه يجب أن يسبق أي مشروع "ما الذي سنفقده إذا فعلنا ذلك؟". ويضيف أن إعادة بناء نافورة أو رصف ميدان ممكنة، لكن من الصعب إعادة شجرة عمرها 80 عامًا، أو مقهى ارتبط بذاكرة 3 أجيال، أو شارع احتفظ لعقود بعلاقته الخاصة بين المباني والأشجار والمشاة. فالمدينة، بحسب تعبيره، "ليست ملكًا للجيل الذي يديرها اليوم فقط، وإنما هي إرث من الأجيال السابقة وحق للأجيال القادمة".
لكن فقدان الأشجار والحدائق لا يرتبط بالذاكرة والتخطيط وحدهما، إذ يقود السؤال أيضًا إلى الإطار القانوني الذي يفترض أن ينظم عمليات القطع والإزالة، وهو ما يطرح بدوره سؤالًا عن الجهة التي تملك القرار وكيفية مراقبته.
ماذا يقول القانون عن الأشجار؟
خلف كل شجرة مقطوعة أو مساحة خضراء أزيلت منظومة قانونية يفترض أن تحدد متى وكيف يمكن تنفيذ مثل هذه الأعمال، وتواصلت "فكر تاني" مع المحامي أحمد الصعيدي، المحامي البيئي ورئيس مجلس أمناء المؤسسة المصرية للحقوق البيئية، الذي يرى أن المشكلة لا تكمن في غياب النصوص التي تجرم بعض صور قطع الأشجار، وإنما في عدم وجود إطار تشريعي متكامل وموحد، من وجهة نظره، لإدارة الأشجار وحمايتها داخل المدن، يحدد بوضوح ضوابط تقليمها ونقلها وإزالتها، والجهات المسؤولة عن اتخاذ هذه القرارات وآليات الرقابة عليها.
ويقول الصعيدي إن "وجود نصوص متفرقة وتنظيمات مختلفة لموضوع تقليم وقطع الأشجار بيخلق مساحة للعشوائية في التعامل مع الأشجار والمساحات الخضراء. المواطن المصري بيشوف عمليات قطع للأشجار وإزالة أماكن ترفيهية من غير ما يعرف الأسباب أو الجهة اللي اتخذت القرار، وده بيخلق حالة من عدم الثقة في أن الإزالة تمت بالضرورة للصالح العام".
ويضيف أنه تقدم شخصيًا ببلاغات تتعلق بوقائع قطع أشجار في مصر الجديدة والغربية، من بينها أشجار كافور تاريخية، كما وثق بعض الوقائع بالفيديو وأرسلها إلى النيابة العامة، موضحًا "مجاليش أي رد بخصوص البلاغات".
ويشرح الصعيدي أن المطالبة لا تتوقف عند تجريم بعض الوقائع، وإنما تشمل وضع قواعد جديدة ورقابة فعالة على قرارات إزالة الأشجار والحدائق وتحديد المسؤوليات بصورة لا تترك مجالًا للغموض. ويقول "إحنا بنطالب بقوانين جديدة منظمة ورقابة فعالة على قرارات إزالة الأشجار والحدائق وتحديد المسؤوليات بصورة لا تترك مساحة للغموض، إلى جانب وجود جهات بعينها مسؤولة عن الأشجار على أرض الواقع، لأنها حاليًا بيفرق دمها بين القبائل، يعني المحليات والمحافظات والبيئة وكذا مؤسسة تقدر تقطع وتقلم الأشجار وتزيل الحدائق، وده مينفعش".
ويرتبط هذا الموقف أيضًا بذكريات شخصية لدى الصعيدي، الذي يقول "أنا شخصيًا حزين على أماكن ارتبطت بيها لفترة طويلة، وهما حديقتين، واحدة منهم قدام كنيسة البارون والأخرى قدام محكمة مدينة نصر، والاتنين تم تخريبهم وتغيير شكلهم من غير ما نعرف إيه السبب".
كم يبلغ نصيب المصري من الأكسجين؟
وراء الحزن الذي عبر عنه السكان، ووراء ذكريات الطفولة التي تعود إلى الأشجار والحدائق ومحطات الترام، توجد أرقام ترسم جانبًا آخر من المشكلة يتعلق بحجم المساحات الخضراء المتاحة للمصريين.
وبحسب إحصائية أجرتها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، فإن متوسط نصيب الفرد من المساحات الخضراء في مصر لا يتجاوز نحو 17 سنتيمترًا مربعًا إلى 39 سنتيمترًا مربعًا، فيما ذكرت البيانات الحكومية أن نصيب الفرد 1.2 متر، وهو رقم يظل بعيدًا أيضًا عن المستوى الذي وضعته منظمة الصحة العالمية، التي توصي بألا يقل نصيب الفرد عن 9 أمتار مربعة من الخضرة لضمان جودة الحياة والصحة النفسية والبدنية.
ربما لا يتذكر الطفل اسم الشجرة التي كان يلعب تحتها، ولا يعرف تاريخ الحديقة التي قضى فيها يوم عيد ميلاده، ولا يفكر في قيمة محطة الترام التي ينتظرها كل صباح، لكنه يكبر، وتكبر معه التفاصيل الصغيرة التي صنعها المكان، شجرة، مقعد خشبي، حديقة رخيصة، ترام أزرق، طريق إلى المدرسة، أو مساحة خضراء كانت تجمع العائلة، وعندما يختفي المكان، لا تختفي معه الأشجار والحجارة وحدها، وإنما تختفي أيضًا أجزاء من ذاكرة من عاشوا فيه.
التطوير حق للمجتمعات، لكنه لا يعني بالضرورة محو كل ما سبق. المدن تحتاج إلى التحديث، كما تحتاج إلى ذاكرة تحفظ هويتها، وإلى تخطيط يوازن بين احتياجات الحاضر وقيمة ما تركه الماضي.
وربما لا يحتاج المصريون إلى استعادة كل شيء كما كان، بقدر ما يحتاجون إلى ألا يستيقظوا يومًا فيجدوا أن آخر ما تبقى من طفولتهم قد اختفى، ولم يعد لهم حتى ظلّ يستدلون به على الطريق.