في قلب الإسكندرية، تدير صابرين* (27 عامًا) حياتها وفق معادلة زمنية ومالية شديدة التعقيد. تعمل مسؤولة للموارد البشرية في إحدى الشركات الخاصة، وتتعامل يوميًا مع إدارة الوقت والحلول الإدارية المطبقة على الموظفين، لكن تلك المفاهيم نفسها تصطدم بواقع مختلف تمامًا حين يتعلق الأمر برعاية طفلها البالغ من العمر عامين.
منذ ولادته، خاضت صابرين رحلة بحث طويلة عن حضانة مناسبة توفر الحد الأدنى من الأمان والجودة بالقرب من محل سكنها، لكنها لم تصل إلى نتيجة. ومع تكرار المحاولات من دون جدوى، لم تجد أمامها سوى قبول حضانة تبعد مسافة كبيرة عن مقر عملها ومسكنها.
تتقاضى صابرين 6000 جنيه شهريًا، يذهب منها 2000 جنيه مباشرة إلى الحضانة، لتختفي بذلك نسبة كبيرة من دخلها قبل أن يبدأ الشهر. وتشرح لـ"فكر تاني" أن الخدمة المتاحة تتيح لها ترك طفلها حتى الرابعة عصرًا، لكن إغلاق الحضانة في هذا الموعد يدفعها في أحيان كثيرة إلى الاستئذان ومغادرة العمل قبل انتهائه، حتى تتمكن من الوصول إليها قبل إغلاق أبوابها.
ولا تنحصر أزمتها في الاقتطاع المالي من راتبها، إذ تمتد إلى ضغط مهني ونفسي متواصل، سببه محاولة تجنب التقصير في وظيفتها مع الالتزام في الوقت نفسه بمواعيد حضانة لا تتناسب دائمًا مع ساعات العمل الفعلية أو زحام الطرق. ومع ذلك، لا تبدو فكرة ترك الوظيفة خيارًا مطروحًا أمامها، إذ توضح أن راتب زوجها وحده لا يستطيع تغطية متطلبات الأسرة في الظروف الاقتصادية الحالية، لتجد نفسها بين خيارين، إما أن تلتهم الحضانة جزءًا كبيرًا من دخلها، أو أن تُقتطع من أساسيات المعيشة إذا قررت البقاء في المنزل.
وتكشف تجربة صابرين جانبًا من مأزق أوسع يمتد بين المحافظات والمدن الكبرى، إذ لا يكفي دخول المرأة المصرية إلى سوق العمل وحده ليضمن تمكينها اقتصاديًا عندما تظل مسؤولية الرعاية اليومية معلقة بها. عندها تتحول كلفة العمل إلى عبء إضافي تتحمله الأم من راتبها ووقتها وصحتها، في ظل وجود حضانات تحدد أسعار خدماتها وفق آليات السوق، ونصوص قانونية لا تجد طريقها دائمًا إلى التطبيق الكامل.
وفي سوهاج، تبدو المشكلة مختلفة في تفاصيلها، لكنها تقود إلى النتيجة نفسها. إذ تواجه منى عائق يرتبط أساسًا بالمكان ونوعية الخدمات المتاحة. تبدأ الشابة العشرينية يومها بمحاولة تهدئة طفليها التوأم في أشهرهما الأولى، ثم متابعة احتياجات طفلها الثالث، فيما تبتعد فكرة البحث عن فرصة عمل تدريجيًا حتى تصبح طموحًا مؤجلًا.
وتقول منى لـ"فكر تاني" إن المشكلة لم تكن في العثور على وظيفة أو في الراتب الذي يمكن أن تحصل عليه، وإنما بدأت حين خرجت للبحث عن مكان آمن لأطفالها. ففي القرى، كما توضح، لا تتوافر حضانات تستقبل الرضع، وكانت تسمع في كل مكان تطرقه العبارة نفسها "أطفالك أصغر من السن المسموح". ومن هنا وجدت نفسها أمام سؤال عملي لا تملك له إجابة، كيف يمكن لأم لديها توأم في هذا العمر أن تخرج إلى العمل بينما لا توجد مؤسسة واحدة تقبل رعايتهما.
ومع غياب شبكة عائلية قادرة على تحمل مسؤولية 3 أطفال صغار طوال ساعات النهار، انتهى الأمر بمنى إلى الجلوس في المنزل، لا باعتباره اختيارًا شخصيًا، وإنما نتيجة مباشرة لغياب خدمة رعاية يمكنها الاعتماد عليها في المنطقة التي تعيش فيها.
كلفة خروج المرأة من سوق العمل
تنعكس هذه العوائق على المشاركة النسائية في سوق العمل، وهو ما تظهره الأرقام الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في بيان أوضاع المرأة المصرية، إذ يبلغ معدل مساهمة المرأة في قوة العمل 20.7%، مقارنة بـ70.6% للذكور.
ويربط النقابي العمالي والباحث الاقتصادي حسن بربري بين هذا المعدل المنخفض والعقبات المرتبطة بالرعاية، موضحًا لـ"فكر تاني" أن خروج المرأة من سوق العمل نتيجة تلك العوائق لا يمثل خسارة اجتماعية فقط، وإنما يحمل تكلفة اقتصادية أيضًا، بسبب إهدار الاستثمارات التي أنفقتها الدولة والأسرة على تعليمها وتدريبها، إلى جانب فقدان قيمتها الإنتاجية ومساهمتها المباشرة في الناتج المحلي.
ومن هذه الزاوية، يرى بربري أن رعاية الأطفال لا يمكن التعامل معها باعتبارها قضية اجتماعية منفصلة عن الاقتصاد، موضحًا أن تكلفة خدمات الرعاية قد تصل، وفقًا لدراسة لمنظمة العمل الدولية ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف مصر"، إلى ما بين 20% و30% من دخل المرأة. ويعني ذلك أن جزءًا كبيرًا من العائد المالي الذي تحققه الأم من العمل قد يذهب مباشرة إلى تمويل الرعاية، بما قد يجعلها تشعر بأنها تعمل أساسًا لتغطية كلفتها.
ماذا يقول قانون العمل
وسط هذه التجارب، تظهر فجوة واضحة بين ما تواجهه الأمهات ميدانيًا وما نص عليه التشريع المصري. فـقانون العمل يلزم صاحب العمل الذي يستخدم 100 عاملة فأكثر في مكان واحد بإنشاء دار حضانة لأطفال العاملات، أو التعاقد مع دار حضانة قائمة لتوفير الرعاية لهم.
ويمتد الالتزام أيضًا إلى المنشآت الواقعة في منطقة واحدة التي يقل عدد العاملات في كل منها عن 100 عاملة، إذ ينص القانون على مشاركتها في تنفيذ هذا الالتزام. كما يسمح لصاحب العمل، بدلًا من إنشاء دار حضانة أو التعاقد معها، بتحمل تكاليف رعاية أطفال العاملات في إحدى دور الحضانة، على أن تحدد الضوابط وآليات التنفيذ بقرار من الوزير المختص، بالتنسيق مع وزارة التضامن الاجتماعي والمجلس القومي للطفولة والأمومة.
وفي مارس الماضي، أصدر وزير العمل قرارًا وزاريًا جديدًا يحدد القواعد والضوابط المنظمة لدور الحضانة التابعة لمنشآت العمل، بهدف تنظيم رعاية أطفال العاملات وضمان توفير بيئة مناسبة لهم، بالتنسيق مع وزارة التضامن الاجتماعي والمجلس القومي للطفولة والأمومة، وبعد العرض على المجلس الأعلى للتشاور الاجتماعي.
ويضع القرار إطارًا أكثر تفصيلًا لتنظيم الخدمة وشراكة بين الجهات المعنية، لكن اختبار الواقع يكشف أن المشكلة لا تتعلق دائمًا بغياب النص، وإنما قد ترتبط أيضًا بدرجة تطبيقه داخل المؤسسات نفسها.
ساعة الرضاعة إلى سراب
وتجسد قصة "ماجدة"، وهي إدارية في إحدى الجامعات الحكومية بالقاهرة، جانبًا آخر من هذه الفجوة. فعملها داخل مؤسسة رسمية تابعة للدولة لم يضمن لها وجود حضانة مفعلة لطفلها داخل مقر العمل، ومع ولادته وجدت نفسها أمام مزايا قانونية قائمة نظريًا دون أثر ملموس في حياتها اليومية.
لم تُنشأ الحضانة التي يفترض أن يوفرها القانون، كما فقدت ساعات الرضاعة الإضافية كثيرًا من جدواها العملية، لأن الوصول إلى طفلها في المنزل ثم العودة إلى مقر العمل يتطلب قطع مسافات طويلة ويستهلك وقتًا قد يفوق الفائدة التي يفترض أن تحققها تلك الساعة.
وتصف ماجدة لـ"فكر تاني" تفاصيل يومها، قائلة "المعاناة الحقيقية مش بس في الفلوس اللي بتدفع، المعاناة في الاستنزاف النفسي والبدني كل يوم، أنا بصحى من الساعة 5 الصبح عشان أجهز الطفل وأنزله لحضانة خاصة بعيدة عن شغلي، وبعدها أجري عشان ألحق مواعيد الشغل، وطول ساعات العمل ذهني مقسوم نصين، نص في الشغل اللي قدامي، والنص التاني في قلق ورعب دائم على ابني، هل آكل، هل تضرر، هل الحضانة دي أمينة بجد ولا لأ".
وحين تحاول الاستفادة من ساعة الرضاعة، تواجه عائق المسافة والزحام. وتقول إن المشوار من مكان العمل إلى الحضانة يستغرق أكثر من ساعة، ما يعني أنها تحتاج إلى ساعتين أو 3 حتى تذهب لإرضاع طفلها وتعود، فيما يُنظر إلى غيابها داخل العمل باعتباره "تعطيل للمصلحة"، وقد تقابله خصومات مباشرة.
وعند نهاية الشهر، تتضح الكلفة بصورة أكبر، إذ تقول "لما بمسك المرتب في آخر الشهر وبخصم منه مصاريف الحضانة الخاصة مع تكلفة الميكروباصات والمصروفات اليومية، بلاقي الصافي لا يذكر، وبحس أني بشتغل بلاش".
وتتجاوز أزمة الرعاية أحيانًا مسألة الدخل والوقت لتصل إلى لحظات طارئة تتطلب استجابة فورية من جهة العمل. ففي سبتمبر 2025، توفيت طفلة رضيعة تبلغ من العمر 3 أشهر داخل شركة نايل لينين جروب للنسيج بالمنطقة الحرة في العامرية بالإسكندرية، على ذراع والدتها العاملة دعاء أحمد، بعد رفض الإدارة منح الأم إذنًا أو إجازة لمغادرة المصنع وإسعاف طفلتها المريضة.
وترى وفاء عشري، منسقة برنامج المناخ والانتقال العادل في دار الخدمات النقابية والعمالية، أن غياب الحضانات داخل أماكن العمل أو بالقرب منها يقود إلى مشكلات متكررة للعاملات، وتشير إلى أن واقعة العاملة في الإسكندرية كشفت بصورة مؤلمة عن الإشكاليات التي قد تواجهها الأم عندما لا تجد وسيلة لرعاية طفلها أثناء وجودها في العمل.
وتوضح عشري أن هذه الصعوبات لا تقتصر على القطاع الخاص، وإنما تظهر أيضًا داخل المؤسسات الحكومية التي تضم أعدادًا كبيرة من العاملات والموظفات، مثل مديريات التعليم والصحة والمحافظات، معتبرة أن تلك الجهات تحتاج، بحكم حجم قوة العمل النسائية فيها، إلى التعامل بجدية مع مسألة توفير الحضانات.
ويتقاطع هذا التصور مع قراءة حسن بربري للواقعة، إذ يقول لـ"فكر تاني"، إن "ما حدث لطفلة عاملة الإسكندرية يُعد انعكاسًا صارخًا لبيئات عمل تغيب عنها الرقابة وتُدار بأسلوب السيطرة المطلقة على حساب الحقوق الإنسانية والقانونية للعاملات".
ويضيف أن غياب الحضانات داخل المنشآت لا يمثل نقصًا في الخدمات الاجتماعية فقط، وإنما قد يتحول، في بعض الحالات، إلى عامل يعمق التمييز ضد المرأة ويدفعها إلى المفاضلة بين صحة أطفالها واستمرارها الوظيفي.
أنت صحفية.. لا تكوني أمًا
إذا كانت هذه الأزمات تلاحق الأمهات في قطاعات عمل مختلفة، فإن طبيعة العمل الصحفي تضيف إليها تحديات أخرى تتعلق بساعات العمل وشروط الاستمرار المهني.
ولم تشفع السنوات الطويلة التي قضتها بسنت محمد في العمل الصحفي داخل مؤسسة روزاليوسف لدى القائمين على إدارتها، إذ تغيرت طريقة التعامل معها بعد زواجها وإنجابها، وواجهت أولى أزماتها المهنية بقرار غير معلن حال دون تعيينها داخل المؤسسة لمجرد أنها أصبحت زوجة وأمًا. وعلى الرغم من تمكنها لاحقًا من القيد بنقابة الصحفيين، ظلت آثار الأزمة ممتدة إلى استقرارها الوظيفي والمالي.
وحين حاولت بسنت العودة إلى العمل عبر إلحاق طفلها بحضانة، اصطدمت مجددًا بكلفة الرعاية. وتقول لـ"فكر تاني" إن سعر الحضانة تجاوز 3500 جنيه، لتجد نفسها أمام خيارين، دفع هذا المبلغ الذي يلتهم جزءًا كبيرًا من دخلها، أو تقليص ارتباطها بالعمل الصحفي والاتجاه إلى العمل الحر من المنزل مقابل دخل غير ثابت.
اختيار المنزل لم ينهِ المشكلة، لأن وجود الطفل معها في أثناء ساعات العمل كان يعني توقفها عن إنجاز أعمالها الصحفية لأيام متتالية. وتوضح "اخترت البيت، لكن النتيجة كانت التعطل المستمر، فالعمل والطفل في مساحة واحدة يعني أنني أتوقف لأيام عن الإنجاز، وهو ما ينعكس مباشرة بالسلب على ميزانية البيت واستقراري النفسي والمهني".
وتتقاطع تجربة بسنت مع نتائج دراسة تناولت الممارسات في السوق المصري بعنوان "أثر توفير إعانات رعاية الطفل وخدمات التوظيف على مشاركة النساء في القوى العاملة في مصر". وحددت الدراسة 3 عوامل رئيسية تعيق استمرار النساء في العمل.
أول هذه العوامل انحياز أصحاب الأعمال ضد العمالة النسائية، إذ أظهر مسح ميداني أن 51% منهم يفضلون صراحةً توظيف الرجال لتفادي كلفة وتبعات التزامات الرعاية. أما العامل الثاني فهو الارتفاع الكبير في تكلفة الرعاية الخارجية، بما يرفع "تكلفة الفرصة البديلة" للعمل ويجعل صافي أجر الأم بعد اقتطاع مصاريف الحضانة محدود الجدوى اقتصاديًا. ويرتبط العامل الثالث بالأعراف والمعايير الاجتماعية التقليدية التي تحصر دور المرأة في النطاق المنزلي وتحملها وحدها أعباء الرعاية غير المدفوعة الأجر.
ومع اجتماع هذه العوامل، تجد بعض الأمهات أنفسهن أمام بيئة مهنية أكثر ضغطًا، لا تنتهي مشكلتها عند سؤال القدرة على دفع كلفة الحضانة.
بالنسبة إلى أمل، وهي صحفية شابة، تكمن المشكلة الأساسية في صراع نفسي وإنساني يرتبط بترك الأطفال في سن مبكرة جدًا داخل دور الرعاية، ولا سيما خلال الأشهر الأولى التي تتطلب رضاعة طبيعية ورعاية متصلة. وتقول لـ"فكر تاني"، إن "مشكلتي ليست في تكلفة الحضانة أو مستوى أمانها، بل في شعور القلق الشخصي والخوف المستمر من ترك أطفالي لعدة ساعات طويلة وهم في هذا السن الصغير، الفترة الأولى تحديدًا تكون معقدة للغاية بسبب متطلبات الرضاعة الطبيعية والحاجة لوجود الأم".
ومع استمرار هذا القلق، اضطرت أمل إلى تقديم تنازلات وظيفية متتالية والعمل عن بُعد، في مقابل أسقف رواتب منخفضة. وتقول إن العمل أون لاين يوفر حلًا مؤقتًا مقابل رواتب قليلة جدًا، فيما بدأت دائرتها الاجتماعية والمهنية تتآكل وتتقلص تدريجيًا.
وفي مارس الماضي، رحبت لجنة المرأة بنقابة الصحفيين بقرار وزير العمل المنظم لقواعد رعاية أطفال العاملات، وأعلنت بدء التنسيق مع وزارة العمل والمؤسسات الصحفية لوضعه موضع التنفيذ، خصوصًا أن القرار يلزم المنشآت التي تضم 100 عاملة فأكثر في مكان واحد بإنشاء حضانة أو التعاقد مع حضانة قائمة لرعاية أطفال العاملات حتى سن الرابعة.
غير أن تنفيذ القرار على الأرض لا يزال في بدايته، بحسب إيمان عوف، رئيس لجنتي المرأة والحريات بنقابة الصحفيين، التي توضح لـ"فكر تاني" أن اللجنة كانت تنتظر صدور اللائحة التنفيذية قبل مخاطبة المؤسسات الصحفية. ومع صدورها منذ أيام قليلة، تستعد اللجنة لإعداد مخاطبات وإرسالها إلى المؤسسات الصحفية، والهيئة الوطنية للصحافة، والشركات التي لديها قوة إعلامية كبيرة، لبدء تنفيذ ما تنص عليه اللائحة بشأن رعاية أطفال العاملات.
وترتبط أهمية هذه الخطوة، بحسب عوف، بطبيعة العمل الصحفي نفسها، إذ تختلف ساعات عمل الصحفية عن كثير من الوظائف التقليدية. فقد تعمل بعض الموظفات وفق مواعيد ثابتة، بينما لا تلتزم الصحفية بالضرورة بجدول محدد من الثامنة صباحًا إلى الثانية ظهرًا، وقد يمتد عملها حتى الخامسة مساءً أو إلى ساعات متأخرة.
وفي غياب حضانة داخل المؤسسة، تجد الصحفية خيارات محدودة، من بينها الحصول على إجازة دون أجر أو تقديم الاستقالة. وتشير عوف أيضًا إلى مشكلة أخرى تظهر في بعض الحالات التي تتعامل معها اللجنة، تتمثل في رفض بعض المؤسسات منح إجازات مرتبطة برعاية الطفل رغم كونها مقررة في القانون.
وتوضح أن هذه الظروف قد تدفع الصحفية، بعد الاستقالة، إلى العمل بأجر أقل أو الاتجاه إلى العمل عبر الإنترنت والعمل الحر (الفريلانس)، وهو ما يؤثر في قدرتها على الاستمرار في المجال الصحفي وفي فرصها المهنية. وترى أن تحميل الصحفية هذه الكلفة المهنية لمجرد أنها أصبحت أمًا يمثل عائقًا مباشرًا أمام استمرارها في العمل.
هل قانون العمل يساعد المرأة
ترى وفاء عشري أن النص الحالي في قانون العمل لا يكفي وحده لمساعدة الأمهات على الاستمرار في العمل، لأنه يربط توفير الحضانة بوجود 100 عاملة في المنشأة، وهو ما يحرم أعدادًا من العاملات في المنشآت الأصغر من الاستفادة من هذه الخدمة.
وتربط عشري موقفها بمبدأ دستوري يتعلق بتيسير التوفيق بين واجبات الأسرة ومتطلبات العمل، معتبرة أن وجود حد عددي محدد لا ينبغي أن يحول دون حصول العاملات في المنشآت الصغيرة على خدمات رعاية الأطفال.
وتشرح موقفها بالقول "مش معنى إن فيه 5 موجودين في شركة قطاع خاص أو في معمل أو في مشغل إنهم يتحرموا من إن يبقى ليهم حضانة قريبة منهم أو موجودة داخل المكان"، معتبرة أن القضية لا ينبغي أن تتوقف عند رقم محدد من العاملات، وإنما عند ضرورة توفير خدمة رعاية قريبة من مكان العمل تتيح للمرأة الاستمرار في وظيفتها.
وتشير عشري كذلك إلى أن ربط الالتزام بعدد محدد من العاملات قد يفرز نتيجة أخرى في سوق العمل، إذ قد يرى بعض أصحاب الأعمال أن زيادة عدد النساء العاملات ترتب التزامات إضافية، ما قد يدفعهم إلى تقليل فرص توظيف النساء أو الحد من وجودهن داخل أماكن العمل.
القانون يحتاج إلى تنفيذ
في المقابل، يرى مجدي البدوي، نائب رئيس اتحاد عمال مصر، أن النص القانوني الحالي يمكن أن يساعد المرأة على الاستمرار في العمل، مؤكدًا أن العامل الأساسي في نجاح هذه النصوص يتمثل في تنفيذها على أرض الواقع.
ويشير البدوي إلى أن بعض أماكن العمل، خصوصًا المصانع، قد لا تكون مناسبة لإنشاء حضانة داخل مقر العمل بسبب طبيعة المكان، أو وجود روائح أو انبعاثات قد تؤثر في صحة الأطفال. ولهذا، فإن إتاحة خيار التعاقد أو الاشتراك في حضانة خارج مقر العمل يمكن أن تمثل حلًا في هذه الحالات.
ويرى أن الجمع بين توفير خدمة رعاية الأطفال، سواء داخل مقر العمل أو من خلال الاشتراك في حضانة قريبة، وبين حق الأم المرضعة في فترات الراحة، يوفر إطارًا يساعد المرأة على التوفيق بين مسؤولياتها الأسرية واستمرارها في العمل، شريطة الالتزام الفعلي بهذه الحقوق.
وتعيد هذه الشهادات المختلفة القضية إلى نقطة واحدة تتقاطع عندها أزمات صابرين ومنى وماجدة وبسنت وأمل، وهي أن وجود النص القانوني لا يحسم وحده معضلة الرعاية. فحين تصبح الحضانة عبئًا يقتطع جزءًا كبيرًا من راتب الأم، أو تكون بعيدة عن مقر العمل، أو لا تتوافر أصلًا في المنطقة التي تعيش فيها، أو تتحول الحقوق القانونية إلى إجراءات يصعب الاستفادة منها عمليًا، تصبح كلفة الاستمرار في العمل أعلى من مجرد قيمة مالية تدفعها الأسرة.
وعند هذه النقطة، تتقاطع مسؤولية الأسرة مع سوق العمل والتشريع والخدمات المتاحة، فيما تجد الأمهات أنفسهن أمام خيارات ضيقة تتراوح بين تحمل كلفة الرعاية، تقليص فرصهن المهنية، أو الخروج من سوق العمل. وتبقى قدرة القواعد المنظمة لرعاية الأطفال على الوصول إلى مكان العمل الفعلي، لا إلى النص وحده، عنصرًا أساسيًا في تحديد ما إذا كانت الأم تستطيع الجمع بين مسؤولياتها الأسرية واستمرارها المهني.
-
أسماء مستعارة حفاظًا على خصوصية أصحابهن.