"لكِ يومٌ يا صاحبة الجلالة..!"
بهذه النبوءة الصادمة، يوثّق الكاتب الصحفي الراحل جميل عارف في كتابه "أنا وبارونات الصحافة" تلك اللحظة العاصفة من مارس 1954.. كان الطقس ربيعياً، لكن القاهرة كانت تغلي بصراع محموم على السلطة وسط احتقان شعبي وضغط سلاح الفرسان. وعلى وقع تلك الفوضى العارمة، وقف الصاغ صلاح سالم، وزير الإرشاد القومي آنذاك، عند مدخل قصر عابدين، ليصرخ غاضبًا في وجوه مندوبي الصحف الذين هالهم مشهد الاعتداء بالضرب على عالم القانون الدستوري الدكتور عبد الرازق السنهوري داخل مكتبه بمجلس الدولة، واحتجوا على الزج بزملائهم في السجون.
لم تكن صرخة الويل والثبور من صلاح سالم انفعالاً عابراً، بل كانت تدشيناً لمسار طويل من تدجين الصحافة ومصادرة استقلالها.. مسارٌ حَجب مؤشرات الفشل، ثم غَطّى الساعات الأولى لهزيمة 1967 ببيانات عسكرية زائفة، ثم أعاد تأديب الأقلام بالفصل والتنكيل والاعتقال في خريف السادات عام 1981، قبل أن يستقر في عهد مبارك على هندسة "هوامش محسوبة" تخضع للمقايضة والترويض، وصولاً إلى عصرنا الراهن الذي انكمشت فيه التعددية الصحفية بشدة، واستقرت فيه إدارة المهنة بالأوامر الشفاهية والتوجيهات الفوقية، وتراجعت المعايير المهنية في إدارة غرف الأخبار واختيار قياداتها.
حين دُفعت الصحافة إلى "بيت الطاعة"
لم تكن المعركة المبكرة بين سلطة يوليو والصحافة مجرد خلاف عابر حول مقال أو مانشيت؛ بل كانت صراعًا على وظيفة الصحافة نفسها: هل تبقى سلطة مستقلة تراقب وتسأل، أم تتحول إلى "أداة تعبئة" تتبنى أهداف النظام وتمنحها غطاءً فكريًا؟
يكشف المفكر والمؤرخ أنور عبد الملك جوهر هذا الصراع في دراسته "المجتمع المصري والجيش (1952–1967)"، مستشهدًا بمقال محمد حسنين هيكل "أزمة المثقفين"، المنشور في الأهرام في ديسمبر 1961. لم يكن المطلوب، كما صاغه هيكل، أن يكتفي المثقفون بالتعاون السياسي مع الثورة، بل أن "يتفاعلوا معها، وأن يتبنوا قضيتها"، ويسهموا في صياغة عقيدتها ونظريتها الوطنية.
لكن المعضلة، وفق تحليل عبد الملك، أن انخراط المثقفين في مؤسسات الدولة لم يكن يعني خضوعهم الفكري الكامل لها. فقد شغلوا المناصب الحكومية، وأصدروا الكتب، وتولوا مواقع داخل الهيئات العامة، لكن "الشيء الذي رفضوا إعطاءه للسلطة هو قلبهم، وبالتالي أفكارهم".
هنا تأسست "المقايضة" التي ظلت تطارد الصحافة المصرية بدرجات مختلفة: مساحة للعمل والانتشار في مقابل الاقتراب من خطاب السلطة، ومزايا مؤسسية في مقابل تقليص المسافة النقدية. وما استعصى على التطويع الكامل، تعرض أحيانًا للفصل أو الحجب أو الاعتقال، أو جرى احتواؤه داخل "هوامش محسوبة".
لم يكن هذا المسار مستقيمًا، ولم تتشابه كل العهود في أدواتها أو حدودها؛ لكن جوهر المعركة بقي حاضرًا: سلطة تريد صحافة مطيعة، وصحافة لا تستطيع أداء وظيفتها العامة إلا إذا احتفظت بحقها في السؤال والتحقق والاختلاف.
ومن هنا يبرز السؤال الذي يختبره هذا التحقيق بالأرقام والوثائق: ماذا خسرت مصر استراتيجيًا، في الداخل والإقليم، حين ضاقت مساحة النقد وهيمن الصوت الواحد؟
وينطلق هذا التحقيق من فرضية أن هيمنة "الصوت الواحد" لم تُضعف الصحافة وحدها، بل أفقدت الدولة جزءًا لا يستهان به من قدرتها على مخاطبة الخارج والتأثير في المحيط الإقليمي، واستشعار أزمات المجتمع داخليًا، وتمثيل أقاليمه، وتجديد خبراتها المهنية.
ولاختبار هذه الفرضية، حصل التحقيق على نسخة من التقرير النهائي للجنة الرئيسية لتطوير الإعلام المصري الذي قدمته مجموعة الـ66 برئاسة رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام إلى رئيس الحكومة الدكتور مصطفى مدبولي في 5 فبراير الماضي تمهيدًا لتقديمه للرئيس السيسي. ثم حلّل التحقيق نشرات الإحصاءات الثقافية السنوية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بين عامي 2014 و2024، وقارن نتائج المصدرين.
لم تكن الخسارة مجرد تهاوٍ في أرقام النسخ أو اختفاء صحف، بل تجلت في أربعة مسارات رئيسية، تحملت مصر عبرها أثمانًا باهظة:
المسار الأول: تآكل القوة الناعمة
لم تكن الصحافة المصرية يوماً مجرد مطبوعات ورقية تباع على الأرصفة، بل كانت طوال القرن العشرين "الكتيبة المتقدمة" للدبلوماسية الشعبية وخط الدفاع الأول عن الأمن القومي؛ كان المقال الصادر من القاهرة يشارك في تشكيل الجدل السياسي في الإقليم، ويشرح الموقف المصري أمام جمهور يمتد من بغداد ودمشق إلى الخرطوم والرياض والرباط.. ولم يكن انهيار توزيع الصحف مجرد أزمة صناعة أرهقتها كلفة الورق والطباعة، بل كان انكماشًا حادًا في إحدى القنوات التي استخدمتها مصر لعقود كي تخاطب جمهورها خارج حدودها، وتقدم روايتها للأحداث الإقليمية والدولية بلغتها ومن خلال مؤسساتها الصحفية.
تكشف سلسلة النشرات السنوية للإحصاءات الثقافية، الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء خلال الفترة من 2014 إلى 2024، أولى علامات الانكفاء؛ فقد هبط إجمالي نسخ الصحف العامة الموزعة خارج مصر من 28.482 مليون نسخة عام 2014 إلى 66 ألف نسخة فقط عام 2024، بانخفاض بلغ نحو 99.77%. ولم يكن المسار هبوطًا منتظمًا؛ إذ سجل قفزتين استثنائيتين في 2021 و2023، ارتبطتا بارتفاع توزيع الصحف الصادرة بالفرنسية، قبل أن ينتهي إلى أدنى مستوى في السلسلة.
رغم قفزتي 2021 و2023 المرتبطتين بارتفاع توزيع الصحف، انتهى التوزيع الخارجي إلى 66 ألف نسخة في 2024؛ أي 0.23% فقط من مستواه المسجل عام 2014.
وبلغة أكثر وضوحًا، انخفض ما كانت الصحف توزعه خارج البلاد من قرابة 78 ألف نسخة في المتوسط الحسابي يوميًا عام 2014 إلى نحو 180 نسخة فقط يوميًا في 2024 لجميع الصحف العامة مجتمعة.
ولا يتعلق الأمر فقط بالصحف الأسبوعية أو الإصدارات محدودة الانتشار؛ فالصحف اليومية الصباحية، التي كانت تاريخيًا الواجهة الرئيسية للصحافة المصرية، هبط توزيعها الخارجي من نحو 22.562 مليون نسخة عام 2014 إلى ستة آلاف نسخة طوال عام 2024، بانخفاض يقترب من 99.97%.
وتعادل النسخ الستة آلاف متوسطًا حسابيًا لا يتجاوز 16 نسخة يوميًا موزعة خارج مصر عبر سوق الصحف اليومية الصباحية بأكمله. وهو رقم لا يصدر عن الجهاز بوصفه توزيعًا يوميًا، وإنما توصل إليه التحقيق بقسمة الإجمالي السنوي على عدد أيام العام؛ لإظهار الحجم الفعلي للانكماش.
لم تعد المسألة إذن أن المصريين والعرب في الخارج يشترون صحفًا مصرية أقل، بل إن شبكة الوصول المادي للصحافة المصرية إلى جمهورها الخارجي تكاد تكون قد اختفت. كادت الصحيفة المصرية أن تتوقف عن السفر، وتبخر حضورها المادي في العواصم التي كانت بالأمس تنتظر طائرة الصباح لقراءة افتتاحياتها.
وتظهر الأرقام أيضًا أنه في عام 2014، بلغ إجمالي توزيع الصحف العامة داخل مصر وخارجها نحو 655.329 مليون نسخة، مثّل التوزيع الخارجي منها قرابة 4.4%.
وبعد عشر سنوات، هبط إجمالي التوزيع إلى نحو 176.093 مليون نسخة، ولم يعد نصيب الخارج يتجاوز 0.04% تقريبًا.
الأمن القومي لا تحرسه البيانات الرسمية
لا تحمي الصحافة الأمن القومي بترديد الموقف الرسمي، بل بإنتاج معلومات موثوقة، ومساءلة الروايات، وكشف الثغرات قبل تحولها إلى أزمات. فالرواية المستندة إلى التحقق وتعدد المصادر أقدر على إقناع الجمهور في الداخل والخارج من رسالة أحادية؛ وحين تتحول المؤسسات إلى منصات متشابهة، لا يُستبعد النقد وحده، بل تفقد الدولة جانبًا من صدقية رسالتها.
وهنا تلتقي الأرقام مع الإقرار الصريح الوارد في التقرير النهائي للجنة الرئيسية لتطوير الإعلام المصري، الذي جاء فيه أن سياسات السيطرة وهيمنة الصوت الواحد: "استنزفت، ولا تزال، ما يملكه الإعلام والصحافة من رصيد تاريخي في بناء القوة الناعمة للدولة المصرية في المنطقة"، فالصحافة التي لا يثق بها جمهورها في الداخل يصعب أن تتحول إلى مصدر مؤثر في الخارج، مهما اتسعت مساحة البث أو تكررت الرسالة الرسمية.
فراغ لم تقسْه السلطة
لكن نشرات الجهاز المركزي تكشف، في الوقت نفسه، فجوة خطيرة في المعرفة الرسمية؛ فهي ترصد بدقة عدد النسخ المطبوعة والموزعة، لكنها لا تقدم قياسًا موازيًا للحضور الرقمي للصحافة المصرية خارج البلاد.
ولا تكشف النشرات ما إذا كان الجمهور الخارجي انتقل إلى المواقع المصرية، ولا حجم الحضور العربي والدولي داخل زوارها، ومن ثم لا نعرف إن كانت الرقمنة قد عوّضت ما فقده التوزيع الورقي.
لذلك لا تسمح أرقام النسخ الورقية وحدها بالجزم بأن الجمهور الخارجي توقف عن متابعة الصحافة المصرية، أو أن منصة بعينها استولت عليه. لكنها تثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن قناة التوزيع الخارجي التقليدية انهارت تقريبًا، من دون أن توفر الإحصاءات الرسمية دليلًا على بناء قناة رقمية بديلة بالحجم نفسه.
فضاء رقمي محاصر
والصحافة الرقمية لم تملأ الفراغ الذي تركته الصحافة المطبوعة، لأنها تعرضت للحجب ليس في 2014، إنما جاءت نقطتها الفاصلة في 24 مايو 2017، حين نقلت وكالة أنباء الشرق الأوسط عن مصدر أمني أن السلطات حجبت 21 موقعًا إخباريًا، بدعوى "دعم الإرهاب ونشر الأكاذيب". ووثّق الواقعة تقنيًا "المرصد المفتوح لتدخلات الشبكة" (OONI)، وهو مشروع دولي غير ربحي تأسس عام 2012، ويستخدم أدوات مفتوحة المصدر لقياس الرقابة على الإنترنت، ورصد حجب المواقع والتطبيقات وأدوات تجاوز الحجب، ثم ينشر نتائج قياساته في قاعدة بيانات متاحة للجمهور.
وما لبث نطاق الحجب أن تجاوز المواقع الإخبارية إلى منصات حقوقية ومدونات ومواقع توفر أدوات لتجاوز الحجب نفسه؛ إذ قالت مؤسسة حرية الفكر والتعبير إنها رصدت، حتى نهاية يونيو 2020، ما لا يقل عن 549 موقعًا محجوبًا، مع تفاوت نطاق الحجب بين شبكات الاتصالات ومن يوم إلى آخر.
وأكدت القياسات التقنية اتساع الظاهرة. ففي دراسة مشتركة بين مؤسسة حرية الفكر والتعبير و"أوني"، جرى تحليل قياسات جُمعت بين يناير 2017 ومايو 2018. ومن بين أكثر من ألف عنوان إلكتروني ظهرت في اختبارات الوصول إليه اختلالات شبكية، سجل 178 عنوانًا مؤشرات قوية ومتكررة على الحجب، بينها أكثر من مئة عنوان تابع لمؤسسات إعلامية، إلى جانب مواقع وأدوات تساعد المستخدمين على تجاوز الرقابة.
وفي عام 2018، انتقل الحجب من ممارسة يصعب تعيين مصدر قراراتها إلى أداة ينظمها القانون؛ فأدخلت المادة السابعة من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 آلية لحجب المواقع ضمن إجراءات التحقيق، متى قامت أدلة على أن محتواها يشكل جريمة منصوصًا عليها في القانون وتهديدًا للأمن القومي أو الاقتصاد القومي. كما أجازت المادة 19 من قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018 للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام وقف أو حجب المواقع والمدونات والحسابات الشخصية التي يبلغ عدد متابعيها خمسة آلاف أو أكثر، عند مخالفة المحظورات الواردة فيها.
وتكشف قراءة هذه الوقائع - وهي قراءة يستخلصها التحقيق، لا فلسفة رسمية معلنة - انتقال السياسة من ملاحقة مادة بعد نشرها إلى التحكم في بوابة الوصول نفسها؛ أي تقييد الناشر والقارئ وأداة تجاوز الحجب معًا. لذلك لا يمكن افتراض أن الرقمنة عوّضت تلقائيًا ما خسرته الصحافة المطبوعة، وإن كانت بيانات الحجب وحدها لا تقيس حجم الجمهور المفقود، ولا تثبت أن كل ضعف رقمي كان نتيجة مباشرة لها، لكنها تعني أن فراغا إعلاميا خلقته السلطة ويجب ملؤه حسب نظرية الأواني المستطرقة.
الفراغ الإعلامي لا يبقى بلا منافسة؛ فكلما انكمش حضور المؤسسات المصرية، اتسعت مساحة المنصات الاجتماعية والقنوات العابرة للحدود والمواقع الإقليمية والدولية. ولا تثبت بيانات التوزيع انتقال جمهور بعينه إلى منصة محددة، لكنها توثق انهيار قناة تقليدية طالما استخدمتها مصر للوصول إلى الخارج.
لذلك لم تخسر مصر ملايين النسخ فقط، بل جانبًا من قدرتها على رواية قصتها ومخاطبة الخارج بلغتها. وحين أُخضع صوت الصحافة وجُرّفت مؤسساتها، لم تحصل الدولة على إعلام أكثر أمانًا؛ بل على مجال عام أشد هشاشة، وجمهور أكثر استعدادًا للبحث عن المعلومة خارج مؤسساتها، ورواية مصرية أقل حضورًا في ساحة لا تعترف بالفراغ.
المسار الثاني: تعطيل جهاز الإنذار المبكر للدولة
أخطر ما تخسره الدولة حين تضيّق على الصحافة ليس مقالاً ناقداً أو صوتاً معارضاً، بل عيونها وآذانها في المجتمع. فالصحافة الحرة لا تعمل فقط بوصفها منبراً للجمهور فقط، وإنما تؤدي وظيفة- ضمن وظائفها المتعددة- أشبه بجهاز إنذار مبكر: تلتقط الشكوى المحلية قبل أن تتحول إلى غضب عام، وتكشف الخلل الإداري قبل أن يصبح أزمة، وتنقل إلى صانع القرار ما قد تحجبه التقارير الرسمية وتسلسلات البيروقراطية.
هذه ليست وظيفة نستعيرها من أدبيات حرية التعبير فقط؛ فالتقرير النهائي للجنة الرئيسية لتطوير الإعلام المصري يؤكدها من داخل مؤسسات الدولة نفسها، إذ يعرّف التقرير السياسات الإعلامية بأنها الأطر التي يفترض أن تحول الإعلام إلى "جسر موثوق في إدارة العلاقة بين الدولة والمجتمع"، قبل أن يقر في تشخيصه للواقع بأن هذا الجسر أصابه خلل هيكلي.
ففي الصفحة الرابعة عشرة، يرصد التقرير حالة من "عدم الثقة المتبادلة" بين السلطة التنفيذية ووسائل الإعلام والجمهور؛ إذ أصبح كل طرف يرى أن الآخر لا يمثل احتياجاته وتطلعاته. ويردّ ذلك، ضمن أسباب أخرى، إلى "غياب التفكير النقدي لمصلحة غلبة نمط احتفالي وتعبوي"، وإلى "سياسات السيطرة والاحتكار وهيمنة الصوت الواحد"، التي أفقدت الرسالة الإعلامية المصرية ـ بحسب تعبير التقرير ـ عناصر التوازن والمصداقية والفاعلية.
المفارقة أن السلطة، حين دفعت الصحافة إلى تبني الرواية الرسمية وتكرارها، لم تحرم المجتمع وحده من حقه في المعرفة، بل حرمت نفسها من المعلومات التي لا تنتجها أجهزتها. فعندما تنشغل غرف الأخبار بإثبات نجاح السياسات بدلًا من اختبار آثارها، تختفي من أمام صانع القرار مؤشرات مبكرة للاحتقان: مستشفى قرية لا يعمل، أو الأثر اليومي لارتفاع الأسعار الذي لا تنقله المؤشرات المجردة، أو قرار بزيادة أسعار الكهرباء يولّد غضبًا صامتًا قبل أن يتحول إلى أزمة.
ويتفق يحيى قلاش، نقيب الصحفيين الأسبق وأحد رموز تيار الاستقلال النقابي، مع هذا التشخيص، لكنه يذهب به إلى قلب معادلة الأمن وحرية التعبير، قائلًا: "الكارثة أن تُوضَع استراتيجية الأمن قبل الإعلام والثقافة وحرية التعبير، ثم يُطلب من الصحافة أن تتطابق معها. بينما العكس هو الصحيح: حرية التعبير تصنع قدرًا أكبر من الأمن؛ لأنها تمكّن الدولة من رؤية المشكلات والتعامل معها قبل أن تتراكم".
انطفاء المنابر الحزبية
تكشف النشرات السنوية للإحصاءات الثقافية أن هذا الاختلال تزامن مع انكماش حاد في إحدى أهم قنوات التعبير السياسي المنظم: الصحافة الحزبية.
ففي عام 2014، سجل الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء وجود ثماني صحف حزبية، أصدرت خلال العام 1436 عدداً، ووزعت محلياً نحو 8.729 مليون نسخة، فضلاً عن 4.477 مليون نسخة موزعة خارج مصر.
وبحلول عام 2024، انخفض العدد إلى أربع صحف فقط بحسب تصنيف النشرة، بإجمالي 477 عدداً طوال العام. أما التوزيع المحلي لجميع الصحف الحزبية مجتمعة، فتراجع إلى 279 ألف نسخة، فيما لم يسجل الجدول أي نسخ موزعة في الخارج.
ولم يكن الهبوط خطيًا؛ إذ لم تسجل نشرة 2020 سوى صحيفة حزبية واحدة، ثم ارتفع العدد لاحقًا من دون استعادة الانتشار المفقود.
كان انهيار الوصول إلى الجمهور أشد من انكماش العناوين: بقي نصف الصحف، لكن التوزيع المحلي هبط إلى 3.2% من مستواه في 2014، ولم تسجل نشرة 2024 توزيعًا خارجيًا.
لا يعني انكماش المنابر الحزبية خسارة الأحزاب وحدها؛ فالصحيفة الحزبية المهنية تتيح تفسيرًا بديلًا للسياسات، وتحول الاعتراض المبعثر إلى مطالب علنية، وقد تلتقط أزمات محلية لا تصل إلى الصحف القومية. وحين تنسحب هذه الأصوات، لا تختفي المظالم، بل تفقد قناتها المنظمة وتنتقل إلى دوائر مغلقة أو منشورات متفرقة قد تعيد منصات عابرة للحدود تقديمها، فيما لا يصل أثرها إلى الدولة إلا متأخرًا أو مشوشًا، وربما بعد تحولها إلى موجة يصعب احتواؤها.
ولا يحتاج هذا الاستنتاج إلى تحميل الأرقام أكثر مما تحتمل؛ فتقرير تطوير الإعلام نفسه يدعو إلى الانتقال من "الخطاب الرسمي" إلى "الخدمة الإخبارية"، وتقديم أحداث الساعة على النشاطات الرسمية، وإتاحة وجهات النظر المختلفة وتمثيل المعارضة، إلى جانب تأسيس فرق للصحافة الاستقصائية تنطلق من أزمات الشارع.
لكن التوصية لا تعني التنفيذ. وهنا يضع يحيى قلاش يده على الفجوة بين تكرار التشخيص وغياب التغيير: "حين لا تتوافر إرادة تسمح بوجود صحافة مختلفة، يُملأ الفراغ بالتصريحات والتوصيات والمؤتمرات. يصبح ذلك طريقة لإدارة المشكلة لا حلها؛ فالتشخيص معروف، وما ينقص هو قرار الانتقال من إدارة الأزمة إلى حلها".
ويقترح التقرير أيضًا إنشاء وحدة وطنية لرصد اتجاهات الرأي العام لحظيًا، لكن التوصية نفسها تكشف حجم الوظيفة التي أُضعفت؛ فلا تستطيع لوحة بيانات أو خوارزمية لرصد «الترند» أن تحل محل صحفي مستقل يعمل بين الناس. فالخوارزمية تقيس ما أصبح متداولًا، بينما تكتشف الصحافة الجادة ما لم يتحول إلى "ترند" بعد، وتصل إلى الفئات الأقل ظهورًا، وتتحقق من الشائعات، وتفسر لصانع القرار أسباب الخلل والمسؤولية عنه. حين يخفت النقد لا تختفي الأخطاء، وحين تغيب صحافة المعارضة لا يختفي الاعتراض. الذي يختفي فقط هو الإنذار المبكر، ولا تعرف الدولة حجم ما لم تسمعه إلا عندما يصبح تجاهله مستحيلاً.
المسار الثالث: بتر الصحافة الإقليمية وصناعة "الصحاري الإخبارية"
في الخريطة الرسمية للصحافة المصرية عام 2024، تبدو الجمهورية كما لو كانت محافظتين فقط. ففي بلد يتوزع سكانه على 27 محافظة، تركزت تقريبًا كل القوة البشرية العاملة في الصحف داخل القاهرة والجيزة، بينما لم تحصل بقية المحافظات إلا على نسبة ضئيلة لا تكاد تظهر إحصائيًا.
تكشف النشرة السنوية للإحصاءات الثقافية أن متوسط عدد العاملين بالصحف بلغ 18,884 شخصًا خلال عام 2024؛ استحوذت القاهرة وحدها على 15,537 منهم، والجيزة على 3,229. وبذلك ضمت المحافظتان معًا 18,766 عاملًا، بما يعادل 99.38% من جميع العاملين الذين رصدتهم النشرة.
أما المحافظات الخمس والعشرون الأخرى مجتمعة، فلم تضم سوى 118 عاملًا، أي 0.62% فقط؛ ما يعادل ستة عاملين تقريبًا من كل ألف عامل في الصحف المصرية.
ولا تتغير الصورة كثيرًا إذا استبعدنا الإداريين والفنيين والعمال، ونظرنا فقط إلى فئة "الصحفيين والمحررين". فمن بين 4,480 صحفيًا ومحررًا رصدتهم النشرة، عمل 3,254 في القاهرة و1,175 في الجيزة؛ أي إن المحافظتين استحوذتا معًا على 4,429 صحفيًا ومحررًا، بنسبة 98.86%. ولم يتبقَّ للمحافظات الخمس والعشرين الأخرى سوى 51 صحفيًا ومحررًا، بما يعادل 1.14% من الإجمالي.
ويظهر الاختلال نفسه في خريطة المؤسسات؛ فمن بين 53 منشأة صحفية مسجلة، تركزت 37 منشأة في القاهرة وتسع في الجيزة، أي 46 منشأة بنسبة 86.8%. وتوزعت المنشآت السبع المتبقية على ست محافظات فقط: منشأتان في الشرقية، ومنشأة واحدة في كل من الغربية والمنوفية والبحيرة وبني سويف وسوهاج.
وهكذا لم ترصد النشرة منشآت صحفية في 19 محافظة مصرية كاملة.
لم ترصد النشرة منشآت صحفية في 19 محافظة، ولم يتبقَّ للمحافظات الخمس والعشرين خارج القاهرة والجيزة سوى 118 عاملًا، بينهم 51 صحفيًا ومحررًا.
قد يفسر وجود المقار الرئيسية للصحف القومية والخاصة في القاهرة جانبًا من هذا التركز، لكنه لا يفسر ضخامته كلها. فالفارق لم يعد بين مركز صحفي كبير وأقاليم تمتلك صحافة أصغر؛ وإنما بين مركز يحتكر تقريبًا العمالة والتحرير والقرار المؤسسي، ومحافظات لا تمتلك في معظمها مؤسسة صحفية مسجلة واحدة.
وعندما تغيب غرفة الأخبار المحلية، لا تختفي الأخبار فحسب؛ بل تضعف قدرة المجتمع على تعريف مشكلاته وفق أولوياته. فلا تظهر المحافظة غالبًا إلا عند وقوع حادث كبير، أو زيارة مسؤول، أو افتتاح مشروع، بينما تتوارى تفاصيل حياتها اليومية: مدرسة ينقصها المعلمون، ومستشفى تتعطل أجهزته، وقرية تعاني نقص المياه، أو مشروع أُعلن ولم يُنفذ. وهكذا تصبح أخبار الأقاليم، في أحيان كثيرة، امتدادًا لجدول أعمال الأجهزة التنفيذية، ويظهر المواطن متلقيًا لما تقرر المؤسسات نشره، لا مصدرًا للأولويات.
اعتراف رسمي بـ"الصحاري الإخبارية"
ويأتي الاعتراف بهذه "الصحاري الإخبارية" من داخل مؤسسات الدولة نفسها؛ إذ يستخدم تقرير اللجنة الرئيسية لتطوير الإعلام المصري المصطلح صراحة، ويدعو في الصفحة 42 إلى توجيه القنوات الإقليمية والإذاعات المحلية نحو محتوى خدمي يعالج مشكلات الجمهور في الصحة والتعليم، وتحويلها من "ميكروفونات رسمية" إلى منصات تساعد في حل مشكلات المواطنين. وفي الصفحة 62 يقترح تحويل القنوات الإقليمية إلى منصات رقمية تتيح لكل محافظة التعبير عن نفسها، وإنشاء وحدات محلية مرتبطة بمركز وطني، مع تدريب وتشغيل شباب المحافظات بدلًا من إنتاج المحتوى كله في العاصمة.
وتكشف هذه التوصيات أن وجود وسيلة تحمل اسم الإقليم لا يكفي إذا ظلت تكرر الخطاب المركزي، وأن محافظات كثيرة تفتقر إلى البنية والصحفيين القادرين على اكتشاف مشكلاتها والتحقق منها ومساءلة المسؤولين عنها.
اختفاء أربعة من كل خمسة منافذ توزيع
لم يقتصر الانكماش على أماكن إنتاج الصحافة؛ فقد أصاب أيضًا شبكة وصولها إلى الجمهور. ويقر تقرير تطوير الإعلام بأن عدد منافذ توزيع الصحف انخفض من ستة آلاف منفذ إلى 1,200 فقط، أي بتراجع قدره 80%، واختفاء 4,800 نقطة توزيع. وبعبارة أخرى، لم يتبقَّ سوى منفذ واحد من كل خمسة منافذ كانت قائمة.
ويربط التقرير هذا الانخفاض بانسحاب متعهدين وموزعين بسبب تراجع العائد المالي، إلى جانب إزالة أكشاك بقرارات محلية أفقدت المحافظات نقاط بيع رئيسية. وهكذا تكتمل دائرة العزلة: فالصحيفة والقرار التحريري ومعظم العاملين يتمركزون في القاهرة والجيزة، فيما تتراجع المنافذ التي تحمل المنتج إلى الأقاليم؛ فلا تمتلك محافظات كثيرة مؤسسات محلية قوية تنتج أخبارها، ولا شبكة توزيع كافية تحمل إليها صحافة المركز.
ولا يعني ذلك أن سكان المحافظات أصبحوا بلا معلومات؛ فقد انتقل جانب كبير من استهلاك الأخبار إلى المواقع وشبكات التواصل. لكن صفحة غير مهنية أو مجموعة مغلقة لا تعوّض غياب المؤسسة الصحفية المحلية؛ فالصحافة ليست مجرد نقل للمعلومات، وإنما تحقق وتوثيق ومساءلة، وسجل عام يمكن الرجوع إليه.
وفي هذا الفراغ، تزدهر الشائعة والصفحات غير المعلومة، ويصبح المواطن أكثر اعتمادًا على روايتين متقابلتين: رواية رسمية قد لا ترى المشكلة، ورواية متداولة قد تضخمها أو تشوهها. أما الحلقة الغائبة فهي الصحفي المحلي الذي يعرف المكان، ويستطيع فحص الادعاء، والوصول إلى المسؤول، وتقديم صورة تتجاوز الدعاية والغضب معًا.
حدود ما تقوله الأرقام
تقيس نشرة الجهاز مواقع المنشآت والعاملين المسجلين بها، ولا تحصي بالضرورة جميع المراسلين الذين تعمل بهم الصحف من خارج مقارها، كما لا ترصد المواقع والمنصات المحلية الرقمية غير الداخلة في نطاق الحصر. لذلك لا تثبت البيانات غياب كل نشاط صحفي عن المحافظات التسع عشرة، لكنها توثق تركزًا مؤسسيًا وبشريًا بالغ الحدة.
لكن تظل النتيجة عصية على التجاهل: لا يمكن بناء وعي وطني متوازن أو أداء وظيفة الإنذار المبكر بينما تحتكر محافظتان 99.4% من العاملين بالصحف، وتغيب المؤسسات الصحفية عن 19 محافظة. فالوعي الوطني لا يُصنع في العاصمة ثم يوزع على الأطراف، بل يتكون من تدفق القصص والمشكلات والأفكار بين المركز وكل مدينة وقرية؛ وحين ينقطع هذا التدفق، لا تصبح الأقاليم مجهولة للقاهرة فقط، بل تصبح الدولة أقل قدرة على رؤية نفسها .
المسار الرابع: الانهيار المالي وتجريف بيوت الخبرة
لا تموت المؤسسة الصحفية فقط عندما تتوقف مطابعها أو تغلق أبوابها؛ فقد يبدأ تآكلها حين يتوقف دخول الأجيال الجديدة إلى غرف الأخبار، ويغادر أصحاب الخبرة من دون أن يجدوا من ينقلون إليه أسرار المهنة، فتتحول الصحيفة من بيت تتراكم فيه المعرفة إلى خط إنتاج يطارد العاجل والسريع والقابل للنقر.
تكشف المقارنة بين نشرتي الإحصاءات الثقافية لعامي 2014 و2024 حجم هذا الانكماش؛ فقد سجل الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء 39,116 عاملًا بالصحف في 2014، مقابل 18,884 عاملًا في نشرة 2024. لكن المقارنة تحتاج إلى تنبيه منهجي: يسجل رقم 2014 عدد المشتغلين في نهاية العام، بينما يمثل رقم 2024 متوسط عددهم خلال العام؛ ولذلك لا تمثل القيمتان نقطتي قياس متطابقتين تمامًا، وإن ظلتا تكشفان اتجاهًا واضحًا إلى التراجع الحاد.
وبحساب الفرق بين الرقمين، يقل عدد 2024 عن الرقم المسجل قبل عقد بمقدار 20,232 عاملًا، أي 51.72%، ليصبح أقل من نصفه. غير أن إجمالي العاملين لا يقتصر على الصحفيين، بل يشمل الإداريين والفنيين والمصورين والعمال ودوائر الطباعة والتوزيع والخدمات المساندة.
أما فئة «الصحفيين والمحررين»، فانخفض عددها من 5,206 في نشرة 2014 إلى 4,480 في نشرة 2024؛ بفارق 726 صحفيًا ومحررًا، يعادل 13.95%. وبذلك لم تفقد الصحافة نصف صحفييها، لكن رقم إجمالي العاملين المرصود في 2024 جاء أقل بأكثر من النصف من رقم 2014، بما يكشف انكماشًا حادًا في جسدها المؤسسي.
غير أن الحديث عن فقدان نصف كوادر الصحافة يحتاج إلى تفكيك؛ فالهبوط في إجمالي العاملين كان أعمق بكثير من التراجع في عدد الصحفيين والمحررين وحدهم.
جاء إجمالي العاملين المرصود في 2024 أقل بنحو 51.7% من رقم 2014، مقابل تراجع يقارب 14% للصحفيين والمحررين؛ ما يكشف أن الانكماش الأكبر أصاب دوائر التشغيل والدعم.
وتكمن خطورة هذا التراجع في أن الصحيفة لا ينتجها المحرر وحده؛ فالتحقيق الاستقصائي يحتاج إلى مصور ومصمم وباحث ومدقق قانوني ودعم تقني ووقت للتحرير، كما تحتاج الصحافة الحديثة إلى فرق للبيانات والفيديو والتطوير الرقمي والأرشفة. وقد يستمر النشر رغم انكماش هذا الهيكل، لكن بعدد أقل من العاملين المطالبين بإنتاج محتوى أكثر وأسرع وبموارد أقل، بما قد يضغط على العمق والجودة.
مؤسسة مثقلة بتسعة مليارات جنيه
يضع تقرير اللجنة الرئيسية لتطوير الإعلام المصري هذه الأرقام داخل سياق مالي ومؤسسي أوسع. فهو يصف النموذج الاقتصادي لغالبية المؤسسات الإعلامية بأنه "نموذج اقتصادي خاسر"، نتيجة تراجع الإيرادات وارتفاع التكاليف وتراكم المديونيات وفوائدها، إلى جانب غياب الحوكمة الرشيدة.
وفي الصفحة 59، يقدر التقرير ديون المؤسسات الصحفية القومية بنحو تسعة مليارات جنيه، أغلبها لمصلحة الضرائب والتأمينات الاجتماعية. ويتزامن ذلك مع تراجع التوزيع والإعلانات، وتقادم المطابع، وضعف البنية الرقمية، ومحدودية مراكز البحث والتفكير داخل المؤسسات الصحفية.
ولا يعني ذلك أن الأزمة المالية وحدها صنعت تراجع المحتوى؛ فتقرير اللجنة يقدم تشخيصًا مركبًا يجمع بين ضعف النموذج الاقتصادي، وتقييد الحريات، وتراجع المعايير المهنية، وبطء التحول الرقمي، ونقص التدريب، وطريقة اختيار القيادات. لكن تراكم هذه العوامل يجعل أول ما يُضحى به عادة هو العمل الذي يحتاج إلى وقت واستقلال وموارد.
قرار التعيين الذي أوقف الزمن
المديونية لا تفسر وحدها أزمة الأجيال. ففي توصياته العاجلة، يطالب التقرير صراحةً بـ"إعادة النظر في قرار إيقاف التعيينات الجديدة"، وإنهاء ملف العمالة المؤقتة، وألا تزيد مدة التدريب في المؤسسات الصحفية والإعلامية على عامين.
ولا تبدو آثار تجميد التعيينات نظرية في خبرة قلاش النقابية؛ إذ يحذر من أن استمرار الصحفي في وضع مؤقت لسنوات لا يهدد مستقبله وحده، وإنما يغير تكوين المهنة والنقابة: "هناك من يظل في وضع مؤقت 15 عامًا. وهذه كارثة على المهنة، وعلى مستقبل المؤسسات، وعلى تركيبة الجمعية العمومية ومجلس النقابة. فعندما تبحث المؤسسات عن صحفيين من الأجيال الأحدث، قد لا تجدهم؛ لأن التعيينات والقيد توقفا أو تباطآ سنوات طويلة".
تكشف هذه التوصيات أن بوابة الدخول الطبيعية إلى المهنة أصابها خلل ممتد. فحين تتوقف التعيينات، لا يتجمد عدد الموظفين فقط، وإنما يتجمد العمر المهني للمؤسسة: يتقدم الجيل القائم في السن، ويتقاعد بعض أفراده أو يغادرون، بينما يبقى الشباب في أوضاع مؤقتة، أو ينتقلون إلى منصات أخرى، أو يدخلون المهنة من خارج غرف الأخبار التقليدية من دون مسار واضح للتدريب والترقي.
خسارة الذاكرة المؤسسية
ما خسرته مصر هنا لا يُقاس فقط بتراجع عدد العاملين في الجداول. فالخسارة الأعمق التي تنذر بها هذه المؤشرات، وتسندها توصيات التقرير وشهادة قلاش بشأن تجميد التعيينات، هي تآكل «بيت الخبرة» الذي كانت تمثله المؤسسات الصحفية: مراسل يعرف مدينته، ومحرر اقتصادي يحتفظ بتاريخ القرارات، وديسك يراجع الوقائع والأسماء، ومصور يوثق التحولات، وأرشيف يصل الحاضر بالماضي، ورئيس قسم يعرف متى تكون المعلومة ناقصة ومتى تكون الرواية الرسمية غير كافية.
وحين تضعف هذه الشبكة، تصبح الأخطاء أكثر قابلية للتكرار، والذاكرة أقصر، والمحتوى أكثر تشابهًا، وقدرة الصحافة على إنتاج معرفة جديدة أقل. ويخسر صانع القرار، بدوره، مؤسسة كانت تستطيع تقديم معلومات مستقلة، وكشف آثار السياسات، والتنبيه إلى المشكلات قبل تحولها إلى أزمات.
فالصحافة لا تُورث بقرار إداري، وإنما تنتقل خبرتها من جيل إلى جيل داخل غرفة أخبار حية. وحين تتوقف الأجيال الجديدة عند الباب، لا يشيخ العاملون وحدهم؛ تشيخ المؤسسة، ويشيخ معها إدراكها للمجتمع وقدرتها على مساءلته وخدمته.
والصحافة من المهن التي لا تنتقل خبراتها كاملة عبر الكتب أو قاعات المحاضرات. يتعلم الصحفي كيف يبني شبكة مصادر، ويميز بين الوثيقة الحقيقية والمضللة، ويكتشف ما يخفيه البيان الرسمي، ويحمي مصدره، ويواجه الإنكار، ويصوغ السؤال الذي لا يريد المسؤول سماعه، من خلال العمل إلى جوار صحفيين سبقوه.
لذلك فإن توقف التعيينات لا يقطع موردًا بشريًا فحسب؛ بل يقطع سلسلة نقل المعرفة غير المكتوبة داخل المؤسسة. يغادر الصحفي القديم، فتغادر معه ذاكرة من المصادر والوقائع والسياقات والعلاقات لا تحتويها ملفات الأرشيف.
حين دفعت الدولة ثمن الصمت
لا تقول هذه الأرقام إن التضييق وحده صنع أزمة الصحافة المصرية؛ فقد تبدلت عادات الجمهور، وصعدت المنصات الرقمية، وارتفعت تكاليف الورق والطباعة، وانهار جانب من نموذجها الاقتصادي. لكنها تقول شيئًا لا يقل خطورة: إن السيطرة وهيمنة الصوت الواحد لم تحميا الصحافة من الانهيار، بل أضعفتا قدرتها على مقاومته وتجديد نفسها واستعادة ثقة جمهورها.
وفي المحصلة، لم تخسر مصر ملايين النسخ أو آلاف العاملين فقط؛ خسرت جزءًا من قدرتها على مخاطبة الخارج برواية موثوقة، ومن جهاز الإنذار الذي كان ينقل إليها أوجاع المجتمع قبل انفجارها، ومن أصوات حزبية كانت توسّع مجال النقاش السياسي، ومن صحافة محلية ترى ما يجري خارج العاصمة. كما خسرت جانبًا من بيوت الخبرة التي كانت تحفظ ذاكرة الدولة والمجتمع، وتورّث أصول المهنة من جيل إلى آخر.
لقد سعت السلطة طويلًا إلى صحافة أكثر طاعة، لكنها لم تحصل بذلك على إعلام أقوى أو دولة أكثر أمانًا؛ فالصحافة التي لا تسأل لا تكشف الخلل، والتي لا تختلف لا تقدم بدائل، وحين تتحول إلى مرآة للصورة المرغوبة يفقد صانع القرار والمواطن فرصة رؤية الواقع كاملًا. لذلك ليست استعادة الصحافة مطلبًا فئويًا أو حنينًا إلى زمن الورق، بل ضرورة لدولة تحتاج إلى معلومات مستقلة ومساءلة حقيقية؛ فالبلاد لا تحميها الرواية الواحدة، وإنما قدرتها على رؤية الخطأ قبل أن يكبر، وسماع الغضب قبل أن ينفجر، وتصحيح القرار قبل أن تصبح كلفته أزمة.
ومن خبرة امتدت عقودًا داخل نقابة الصحفيين وفي الدفاع عن استقلالها، يختصر يحيى قلاش جوهر القضية في أن حرية الصحافة ليست مناسبة موسمية ولا مطلبًا فئويًا: "نحن لا نحتاج إلى يوم للإعلام الحر، بل إلى إعلام يمارس حريته كل يوم؛ لأن حرية التعبير ليست حقًا للصحفيين وحدهم، وإنما حق للمصريين جميعًا، وأداة لحماية المجتمع والدولة في الوقت نفسه".
وقبل أكثر من سبعين عامًا، صاح صلاح سالم متوعدًا: "لكِ يوم يا صاحبة الجلالة". وقد جاء ذلك اليوم بالفعل، لكن فاتورته لم تدفعها الصحافة وحدها؛ دفعتها مصر من قدرتها على أن ترى نفسها، وتسمع مجتمعها، وتروي قصتها بصوت يثق به الناس