فقاعة العقارات تقترب.. ماذا يكشف إلغاء سيتي سكيب و"عقار إكزيت"؟

لم يعد السؤال في سوق العقارات المصري هو ما إذا كان هناك من يريد شراء وحدة سكنية، وإنما من يستطيع دفع ثمنها، فالمشتري ما زال موجودًا، والأرقام تؤكد ذلك، لكن الأسعار ابتعدت تدريجيًا عن قدرته على الشراء، واتسع مدى لأقساط لسنوات، وظهرت وحدات يحاول أصحابها بيعها بعدما عجزوا عن مواصلة سدادها.

وفي الوقت نفسه، بدأ المطورون أنفسهم يغيرون طريقة الوصول إلى العملاء. انسحبت شركات من معرض "سيتي سكيب مصر" في 2026، بعد سنوات كان المعرض خلالها واحدًا من أهم أماكن بيع العقارات وجذب المشترين. وبينما يفسر المطورون هذه الخطوة بتغير أدوات التسويق وارتفاع تكلفة المشاركة، يقرأها خبراء آخرون باعتبارها واحدة من إشارات الضغط التي تتجمع في السوق.

المشهد إذن لا يدور حول غياب الطلب وحده، وإنما حول فجوة تتسع بين العقار المعروض والسعر الذي يستطيع المشتري تحمله. ومن هذه الفجوة تبدأ قصة سوق تتغير قواعده أمام البائع والمشتري معًا.

المعرض الذي لم يعد يبيع كما كان

جاء إلغاء نسخة العام الحالي من معرض "سيتي سكيب"، الذي يُعد أكبر معرض عقاري في مصر والمنطقة، بعد عزوف المطورين العقاريين عن المشاركة، بعدما كانت النسخ السابقة تضم أكثر من 80 شركة. وفسر كبار المطورين هذه الخطوة برغبتهم في التركيز على تنفيذ المشروعات القائمة والالتزام بجداول التنفيذ، إلى جانب ارتفاع الأعباء المالية للمشاركة.

لكن 3 مطورين تحدثوا لـ"فكر تاني" يرون أن إلغاء المعرض لا يعني أن السوق العقاري المصري فقد قوته، وإنما يعكس تغيرًا مستمرًا منذ أكثر من عامين في الطريقة التي يبحث بها العميل عن العقار ويشتريه. فقد تغير سلوك العميل، وتبدلت أدوات البيع والتسويق، وأصبحت المنصات الرقمية والتسويق المباشر والفعاليات الخاصة بكل شركة أكثر تأثيرًا في الوصول إلى المشترين.

وهذا التحول يبدو أوضح إذا عدنا إلى الدور الذي لعبته المعارض لسنوات. فقد ظل المطورون حتى العام الماضي يروجون لها باعتبارها من أكثر الأدوات التسويقية فاعلية في السوق المصرية، لأنها تجمع البائعين والمشترين في مكان واحد، وتمنح العميل فرصة لمقارنة العروض المختلفة واختيار ما يناسب احتياجاته وقدرته الشرائية.

لكن المكان الذي كان يجمع البائع بالمشتري أصبح له ثمن مرتفع. أحمد العتال، صاحب شركة للتطوير العقاري، يرى أن "سياسة التسعير" في "سيتي سكيب" خلال العامين الماضيين لعبت دورًا مهمًا في ابتعاد عدد من الشركات عن المشاركة، خصوصًا مع الارتفاع الكبير في تكلفة إيجارات ومساحات المعرض والتجهيزات والتشغيل والتسويق.

وتبدأ تكلفة إيجار المساحات الصغيرة من 20 ألف دولار، وتصل إلى 50 ألف دولار للأجنحة الضخمة، قبل احتساب مصاريف التصميم والديكورات المتقدمة والتجهيزات التقنية والشاشات.

ومع ذلك، يرى البعض أن ارتفاع تكلفة المشاركة وحده لا يفسر إحجام المطورين، فشركات العقارات تنفق أصلًا مبالغ كبيرة على الإعلان والتسويق. ففي رمضان 2024، أنفق المطورون أكثر من 1.5 مليار جنيه على الإعلانات بين الإنتاج والبث، وفق تقرير صادر عن شركة "ذا بورد كونسالتينج" لاستشارات الأعمال.

ومن هنا يشرح العتال حسابات الشركات بطريقة مباشرة، إذ يرى أن أي شركة تنظر إلى العائد على الاستثمار، وعندما تصبح تكلفة المشاركة في معرض بحجم "سيتي سكيب" قادرة على تمويل حملة تسويقية قوية تمتد لفترة أطول، وتصل إلى العميل مباشرة وبشكل أكثر استهدافًا، يصبح من الطبيعي أن تعيد الشركات ترتيب أولوياتها وميزانياتها.

أحمد أمين مسعود، المطور العقاري، يضع الأرقام نفسها أمامه عندما ينظر إلى ما يحدث داخل المعرض. فهو يقول إن تكلفة المشاركة مرتفعة جدًا، فالإيجارات غالية، وتجهيز الـ"Stand" أصبح بأرقام خيالية، ثم تأتي عمولات البروكرز، أي السماسرة والمسوقين، المنتشرين في المعرض الذين يطاردون العملاء ويستحوذون على أغلب المبيعات، ما يضعف البيع المباشر من الشركات.

لهذا يرى المطورون أن إنفاق ما بين 8 و20 مليون جنيه من أجل المشاركة في معرض لم يعد منطقيًا مع تغير أدوات التسويق والعرض. فالمبلغ الذي يُدفع للمعرض كان يمكن توجيهه إلى حملات تصل إلى العميل مباشرة، بينما العائد من المشاركة لم يعد، بحسب العديد منهم، يتناسب مع التكلفة.

ومن هذه الحسابات جاء قرار مسعود بتأسيس معرض خاص بشركته. فهو يقول إن الوحدة الواحدة التي كان يفترض بيعها في "سيتي سكيب" ستكلف المطور إيجارات وتجهيزات وعمولة بروكرز، ما أفقد المعرض أهم نقطة يحتاج إليها المطور، وهي البيع والتواصل المباشر مع العميل، ولذلك قررت الشركة "تأسيس معرض خاص بها".

المشتري موجود.. لكن السعر أعلى من قدرته

رغم تراجع حضور المطورين في المعارض، فإنهم لا يرون أن المشكلة في اختفاء المشترين. العتال يقول إن الطلب ما زال موجودًا، لكن أدوات البيع والتسويق هي التي تغيرت. فلم يعد العميل يصل إلى العقار بالطريقة نفسها التي كان يصل بها سابقًا، فالعقار لم يتغير، وإنما "طريقة الوصول إلى العميل هي التي تغيرت".

أحمد أمين مسعود يوافقه الرأي، ويقول إن "الطلب على عقارات مصر حقيقي وموجود، ولن يتوقف، لكن ما تغير فعليًا هو طريقة الشراء".

لكن طريقة الشراء الجديدة تكشف مشكلة أوسع عندما تنتقل من سؤال وجود العميل إلى قدرته على دفع السعر. وهنا يرى المطور جاسر بهجت أن السوق يمر بمرحلة تغيير طبيعية، يظهر فيها خروج مطورين ووجود مشروعات متعثرة قد لا تكتمل، أو كما يصف الأمر، أن "السوق يظبط نفسه بنفسه".

وقال بهجت لـ"فكر تاني" إن السوق يحتاج إلى عامين إضافيين لاستيعاب التغيرات التي حدثت خلال الفترة من 2020 إلى 2025. وأوضح أن حجم البيع انخفض ثم عاد إلى معدلات 2022 و2023، ولذلك فإن الاعتماد على نتائج مبيعات 2024 قد يكون مضللًا، لأنها كانت سنة غير طبيعية.

وكانت 2024 مختلفة عن السنوات الأخرى بسبب ارتفاع سعر الدولار، الذي دفع الأفراد إلى اللجوء للعقارات كملاذ آمن لحفظ قيمة أموالهم في مواجهة التضخم. ومع ارتفاع الإقبال، تصاعدت المضاربات وقفزت الأسعار بوتيرة غير مسبوقة، ودخل مستثمرون إلى السوق بهدف تحقيق مكاسب سريعة من شراء وحدات ثم إعادة بيعها بعد ارتفاع أسعارها.

لكن إذا كان المشتري لا يزال موجودًا، فإن السؤال يصبح أكثر تحديدًا، ماذا يحدث عندما يظل راغبًا في الوحدة بينما يصبح سعرها خارج قدرته؟

وحدات للبيع عجز أصحابها عن سدادها

تظهر الإجابة في مكان آخر من السوق، حيث بدأت وحدات عقارية تُعرض للبيع بعدما عجز أصحابها عن مواصلة الأقساط. وبالتزامن مع إلغاء معرض "سيتي سكيب" 2026، ظهرت بيانات من منصة "عقار إكزيت"، التي استُحدثت لمساعدة العملاء المتعثرين الذين اشتروا وحدات عقارية بالتقسيط ولم يتمكنوا من إكمال الأقساط، ثم حاولوا بيعها بالطرق العادية دون جدوى.

وبلغ عدد الوحدات المطروحة للبيع على "عقار إكزيت" 6437 وحدة، بقيمة إجمالية تصل إلى 93 مليار جنيه. وأقبل عليها الراغبون في البيع لأن فسخ العقد مع المطور العقاري يعرض المالك لفقد 15% من إجمالي سعر الوحدة، بينما يسترد الأقساط التي دفعها بالطريقة نفسها التي كان يسدد بها. فإذا ظل يسدد قيمة العقار 3 سنوات ثم تعثر، فإنه يحصل على أمواله بالطريقة نفسها خلال 3 سنوات أيضًا.

هذه الأرقام دفعت المستشار خالد عبد العزيز، وكيل أول لجنة الإسكان السابق بمجلس النواب، إلى قراءة المشهد باعتباره أزمة ثقة أيضًا. فهو يقول إن "عقار إكزيت" تكشف بياناتها عن سوق مضطرب، ويرى أن السبب الأول هو عدم وفاء الكثير من المطورين بالتزاماتهم في مواعيد التسليم.

ويضيف أن المواطنين والمستثمرين الصغار اكتشفوا "مصيبة" أنهم وقعوا على عقود إذعان مع المطورين، بمعنى أنه ليس لهم حقوق، وإنما التزامات فقط أمام شركات التطوير.

وبالنسبة إلى عبد العزيز، لا يكمن الخطر في عدم وجود مشترين أو مستثمرين صغار، وإنما في فقدان الثقة بسبب عقود الإذعان التي يفرضها المطور، إلى جانب عدم وجود خطوط حمراء أو جهاز رقابي يتابع سوق العقارات وتشرف عليه وزارة الإسكان، ويضع شروطًا لهذه العقود لخلق حالة من "التوازن" بين المطور والمواطن. والهدف من ذلك، كما يقول، هو مصلحة الجميع، المواطنين والمطورين الجادين.

وهذه الفكرة، أي وجود فجوة بين ما يعرضه السوق وما يستطيع الناس الوصول إليه، تتكرر في تحذيرات خبراء منذ سنوات. فالسوق المصرية تعاني، وفق هذا الطرح، من "Market Disequilibrium"، حيث يكون العرض في مكان والطلب في مكان آخر يفصل بينهما بُعد هائل، أو كما وصفه الخبراء بأنهما يبعدان "آلاف السنين الضوئية". لذلك تحتاج مصر حاليًا إلى هيئة تنظم العلاقة بين المطورين والمشترين.

الطلب موجود ولا يصل إلى الوحدة

تكشف بيانات "عقار إكزيت" عن هذه الفجوة بصورة أكثر وضوحًا. فالشريحة السعرية الأقل من 3 ملايين جنيه تسجل كثافة طلب غير مسبوقة، بواقع 9.5 طلبات شراء لكل وحدة معروضة. أي أن هناك أشخاصًا يريدون شراء العقار، لكن المشكلة الأساسية تكمن في السعر وقدرة المشتري على تحمله.

محمود عمار، مؤسس ورئيس "عقار إكزيت"، يذهب إلى أبعد من وصف المشكلة بأنها فجوة بين العرض والطلب. فهو يقول إن مصر تشهد ما هو أسوأ من الفقاعة العقارية، لكن بعض المتخصصين في هذا الأمر يمارسون، على حد وصفه، "إنكارًا" لهذه الحالة.

ويقول عمار إن المنصة كشفت هذه الحالة ووثقتها، وأظهرت أن تسعير الوحدات يمثل مشكلة واضحة، ولا يتماشى مع ظروف المواطنين.

لكن هذه القراءة تواجه رأيًا معاكسًا تمامًا من رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، الذي قال إن ما يثار عن وجود فقاعة عقارية غير صحيح بالمرة. ويرى أن الحديث عن تعثر نحو 6000 وحدة على منصة بيع العقارات يمثل رقمًا ضئيلًا للغاية أمام مبيعات شركات العقارات.

ووفقًا لهشام طلعت، تتخطى مبيعات أكبر 10 شركات عقارية 800 مليار جنيه، ولديها ما لا يقل عن 500 ألف وحدة يجري تسليمها. لذلك يرى أن الحديث عن تعثر 6000 وحدة ليس بالأمر الكبير. ويضيف أن هناك شركات صغيرة دخلت السوق خلال آخر 5 سنوات، لكنها لا تمثل 1 أو 2% من مبيعات السوق، وبالتالي فإن تعثرها لا يعكس أزمة.

لكن إيهاب سعيد، الخبير المالي، يرى أن المشكلة تظهر بصورة أوضح عندما توضع الأرقام أمام قدرة الناس على الشراء. فهو يقول إن الأسعار التي يبيع بها المطورون أصبحت لا تتماشى إطلاقًا مع القدرة الشرائية للمواطنين، لأنهم اخترعوا أسلوبًا تسويقيًا قائمًا على رفع الأسعار كل شهرين، لإيهام الحاجزين الجدد بأن الأسعار تزيد باستمرار، وبالتالي يزيد تمسكهم بوحداتهم ويواصلون سداد الأقساط.

ويضيف سعيد أن الخامات ارتفعت، وكذلك سعر متر الأرض وتكاليف العمالة، لكنه يرى أن ذلك لا يبرر سياسة رفع الأسعار التي اتبعها المطورون، والتي أوصلت الأسعار إلى مستويات مستحيلة على غالبية الشعب المصري، داخل البلاد وخارجها من المصريين المقيمين في الخارج.

ويضرب سعيد مثالًا بصديق له سأله في 2023 عن رأيه في شراء وحدة عقارية، رغم أن المطورين كانوا يسعرون الدولار عند 100 جنيه حينها. ويقول إنهم أخبره وقتها بأن السوق العقارية تعاني "جنانًا ومضاربات" من جانب المطورين أنفسهم، إلى درجة أن سعر الوحدة كان يتغير لحظيًا، وكان التعامل يتم على طريقة "جاي ولا الدور اللي جاي".

وتكشف هذه الروايات مجتمعة عن سوق ما زال يجد مشترين، لكن الوصول إلى الوحدة أصبح أكثر صعوبة. فالطلب لم يختفِ، غير أن الأسعار ارتفعت إلى مستويات تفوق قدرة شريحة واسعة من العملاء، بينما دفعت الأقساط الطويلة وبعض حالات التعثر أصحاب وحدات إلى البحث عن مخرج من التزاماتهم. وفي الوقت نفسه، تغيرت الطريقة التي يحاول بها المطورون الوصول إلى المشترين، بعدما أصبحت تكلفة المعارض أكثر ثقلًا وأقل جذبًا للشركات.

وتظل الفجوة الأوضح في سعر الوحدة نفسه، إذ تشير بيانات "عقار إكزيت" إلى طلب مرتفع على الوحدات الأقل من 3 ملايين جنيه، في وقت تظهر فيه آلاف الوحدات المعروضة للبيع على المنصة. وبين السعر الذي يطلبه المطور وما يستطيع المشتري دفعه، تتشكل واحدة من أكثر نقاط الضغط وضوحًا في السوق العقارية المصرية.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة