من مكافحة التصحر إلى تصحير المدن: أين ذهبت أشجار مصر؟

في الأسبوع الماضي، كنت في نيروبي. ومن نافذة السيارة التي كانت تشق شوارع المدينة، لفت نظري مشهد بسيط قد لا ينتبه إليه كثيرون، مجموعات من العمال يجلسون تحت الأشجار على جانبي الطريق، مستغلين الظل في استراحة قصيرة من يوم عمل طويل.

لم تكن الأشجار هناك مجرد عنصر جمالي في المشهد الحضري، ولا جزءًا من "تنسيق الشوارع" فحسب. كانت تؤدي وظيفة يومية وضرورية، تمنح الناس مكانًا أكثر احتمالًا للجلوس والراحة، وتحميهم من الشمس والحرارة، وتخفف وطأة المدينة.

عدت إلى القاهرة وأنا أفكر في هذه المفارقة.

ففي الوقت الذي تستعد فيه مصر لاستضافة الدورة الثامنة عشرة لمؤتمر أطراف اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر (UNCCD COP18) عام 2028 في شرم الشيخ، بعد اختيارها لاستضافة المؤتمر خلال الدورة السابعة عشرة للاتفاقية في منغوليا، تتواصل في مدن مصرية مختلفة عمليات إزالة للأشجار وتقليص للمساحات الخضراء، في وقت أصبحت فيه الحرارة نفسها أحد أخطر التحديات التي تواجه المدن وسكانها.

وهنا يبدو السؤال أكثر إلحاحًا من مجرد التساؤل عن أسباب إزالة الأشجار.

من يدفع ثمن اختفاء الظل؟

الشجرة ليست رفاهية.

حين نتحدث عن الأشجار والمساحات الخضراء في المدن، غالبًا ما يجري التعامل معها باعتبارها قضية جمالية، منظرًا أفضل، وشارعًا أجمل، ومساحة عامة أكثر راحة.

أتذكر أبيات الأبنودي، "كنا نشتغل اليوم كله ونفر نلاقي حتة ضل.. أحلى ما يعمل إنسان في حياته يا ولدي يزرع ضل". وهذا المعنى البسيط الذي تغنى به الأبنودي، ويلخص حاجة الإنسان الأساسية إلى الراحة والرحمة تحت شمس مصر الحارقة، يكتسب اليوم أبعادًا جديدة وأكثر إلحاحًا.

ففي ظل تغير المناخ، لم تعد المسألة ترفًا بيئيًا. الشجرة وسيلة من وسائل التكيف مع الحرارة، والظل مورد عام، والمساحة الخضراء جزء من البنية التحتية التي تساعد المدينة على مواجهة ارتفاع درجات الحرارة.

ثمة دراسة حديثة تناولت 130 مدينة مصرية، واعتمدت على تحليل أكثر من 19 ألف صورة للأقمار الصناعية خلال الفترة من 2000 إلى 2023، وجدت أن المساحات الخضراء الحضرية شهدت نموًا في المتوسط خلال الفترة الأولى، قبل أن تتراجع بنسبة 7.85% بين عامي 2019 و2023. وفي المقابل، ارتفعت مساحة المناطق العمرانية المبنية بأكثر من 52% خلال الفترة محل الدراسة.

والأهم أن الدراسة رصدت أثرًا تبريديًا للمساحات الخضراء في المدن المصرية بلغ في المتوسط نحو 0.84 درجة مئوية، وارتفع إلى نحو 1.02 درجة في القاهرة والدلتا.

قد تبدو درجة واحدة رقمًا صغيرًا على الورق، لكنها ليست كذلك بالنسبة إلى إنسان يقضي ساعات في الشارع تحت الشمس، أو عامل يعمل في موقع مكشوف، أو بائع يقف طوال اليوم على الرصيف، أو عامل نظافة يتحرك بين الأسفلت والسيارات.

ففي مدينة شديدة الحرارة، الفرق بين مكان تظله شجرة وآخر تحيط به الخرسانة والأسفلت لا يتعلق بالمشهد وحده.

إنه فرق في القدرة على الاحتمال.

من يملك الحق في الظل؟

هذه ليست مبالغة.

فالحرارة لا تصيب الجميع بالطريقة نفسها.

من يعمل داخل مكتب مكيف يستطيع أن يغلق الباب أمام موجة الحر. ومن يملك سيارة مكيفة يستطيع الانتقال من مكان إلى آخر بعيدًا عن الشمس. ومن يستطيع تحمل تكلفة استهلاك الكهرباء يمكنه شراء جزء من الحماية من الحرارة داخل منزله.

لكن ماذا عن عامل البناء؟

وعامل النظافة؟

وسائق أو عامل يقضي ساعات طويلة في الشارع؟

والباعة والعاملين في النقل والتحميل والتفريغ؟

والعمال الزراعيين؟

هؤلاء لا يستطيعون ببساطة "الهروب من الحرارة".

وبالنسبة إلى العامل الذي يقضي جزءًا كبيرًا من يومه في الشارع، لا يمثل الظل رفاهية، وإنما يدخل ضمن شروط العمل الآمن.

عند هذه النقطة، تتحول الشجرة من عنصر في المشهد الحضري إلى قضية ترتبط بالعدالة المناخية وحقوق العمال.

فالسؤال الحقيقي لا يتعلق بعدد الأشجار التي نملكها فقط، وإنما بمن يستطيع الوصول إلى الظل، ومن يستطيع تحمل تكلفة غيابه.

الشجرة لا تحتاج إلى بطاقة ائتمان كي تمنح ظلها.

لكن المدينة التي تزيل الأشجار وتقلص المساحات العامة الخضراء تجعل الوصول إلى الحماية من الحرارة أكثر ارتباطًا بالدخل والمكانة الاجتماعية.

عندما تصبح المدينة نفسها مصدرًا للحرارة

القاهرة ليست بحاجة إلى مزيد من الخرسانة والأسفلت حتى تشعر بالحرارة.

فالتوسع العمراني، والأسطح الصلبة، وكثافة المباني، ونقص الغطاء النباتي، كلها عوامل تؤثر في المناخ المحلي للمدينة.

وتشير دراسات عن القاهرة إلى وجود فروق ملحوظة في درجات حرارة الأسطح بين المناطق المختلفة، كما يزيد تأثير الجزر الحرارية الحضرية من وطأة الحرارة داخل المناطق العمرانية الكثيفة.

وفي دراسة عن الراحة الحرارية للمشاة في القاهرة، أدى ارتفاع كثافة الأشجار والظل الحضري إلى تحسين ظروف التعرض الحراري في عدد من مسارات المشاة، وفي بعض الحالات ساعد الجمع بين الأشجار والتظليل الحضري على إبقاء مؤشرات الإجهاد الحراري عند مستويات أقل خلال ساعات الذروة.

لذلك، فإن إزالة شجرة ناضجة ليست مجرد إزالة "عنصر أخضر" من شارع.

إنها فقدان لمساحة من الظل، وتراجع لجزء من القدرة الطبيعية للمكان على التخفيف من الحرارة.

وهذا يطرح سؤالًا يجب أن يدخل في تقييم أي مشروع حضري أو مروري.

ماذا فعل المشروع بدرجة حرارة المكان؟

لكن هناك سؤالًا آخر أكثر أهمية.

ماذا فعل بقدرة الناس على تحمل هذه الحرارة؟

العامل لا يستطيع أن يضع المدينة في مكيف.

هنا تلتقي أزمة الأشجار مع قضية الإجهاد الحراري في أماكن العمل.

فالحرارة المرتفعة ليست مجرد شعور بعدم الراحة. والتعرض الشديد لها يمكن أن يؤثر في التركيز والقدرة البدنية، ويرفع مخاطر الحوادث والإصابات، وقد يصل في الحالات الشديدة إلى أمراض مرتبطة بالحرارة تهدد الحياة.

ومن المهم هنا أن نكون دقيقين. فالتشريعات المصرية لا تتجاهل خطر الحرارة في بيئة العمل.

فقانون العمل رقم 14 لسنة 2025 يدرج "الوطأة الحرارية والبرودة" ضمن المخاطر الفيزيائية التي تلتزم المنشآت بالوقاية منها، كما يلزم المنشآت بإجراء تقييم وتحليل للمخاطر والكوارث المتوقعة، وإعداد خطط طوارئ لحماية العمال.

لكن المشكلة لا تكمن في مجرد الاعتراف القانوني بالخطر.

السؤال هو ما إذا كانت قواعد الوقاية تواكب واقعًا مناخيًا يتغير بسرعة.

فالحرارة التي كان يمكن التعامل معها بوصفها ظرفًا موسميًا أو استثنائيًا أصبحت جزءًا من واقع تتكرر فيه موجات الحر وتزداد شدتها.

ومن هنا تظهر فجوة بين الاعتراف بالخطر وإدارته فعليًا.

متى يجب تخفيض ساعات العمل؟

ومتى يصبح إيقاف العمل ضروريًا؟

ما المؤشر الحراري الذي يستدعي ذلك؟

كيف نحسب تأثير الرطوبة والإشعاع الشمسي وطبيعة المجهود البدني؟

من يقرر وقف العمل؟

ومن يراقب تنفيذ القرار؟

وكيف تتم حماية أجر العامل إذا أدى ارتفاع الحرارة إلى توقف العمل؟

هذه ليست أسئلة هامشية، خصوصًا مع اتساع نطاق الأعمال التي تتم في المناطق المكشوفة تحت قسوة حرارة الشمس.

وتشير منظمة العمل الدولية إلى أن كثيرًا من التشريعات الوطنية تتضمن بالفعل أحكامًا تتعلق بالحرارة المرتفعة، إلا أن هذه الأحكام تكون في حالات كثيرة عامة، ولا تكفي للتعامل مع المخاطر المتزايدة المرتبطة بتغير المناخ.

لذلك، لا يكفي أن نقول إن "الحرارة موجودة في القانون".

السؤال الحقيقي يتعلق بمدى امتلاكنا نظامًا فعالًا لإدارة مخاطر الحرارة في ظل المناخ الجديد.

الظل جزء من السلامة المهنية

إذا كان القانون يلزم المنشآت بالوقاية من المخاطر الحرارية، فإن حماية العامل من الحرارة لا يمكن أن تتوقف عند حدود النصوص.

يجب أن تتحول إلى إجراءات واضحة في مواقع العمل، من بينها توفير أماكن مظللة للراحة، ومياه شرب كافية، وفترات راحة مناسبة، وتنظيم ساعات العمل خلال موجات الحر، وإجراء تقييم للمخاطر قبل بدء العمل، إلى جانب وضع آلية واضحة لاتخاذ قرار تخفيض العمل أو إيقافه عندما تتجاوز الظروف حدودًا خطرة.

والأهم أن يكون للعمال ونقاباتهم دور في وضع هذه الإجراءات ومراقبة تنفيذها.

فالعدالة المناخية في مكان العمل لا تعني فقط منع العامل من التعرض للخطر، وإنما ضمان حقه أيضًا في المشاركة في تحديد كيفية حمايته منه.

من مكافحة التصحر إلى تصحير المدن

قد يبدو للوهلة الأولى أن مؤتمر مكافحة التصحر قضية تخص الأراضي الزراعية، وتدهور التربة، والجفاف، والمناطق الصحراوية.

لكن التصحر لا ينبغي أن يُفهم فقط باعتباره مشكلة تحدث بعيدًا عن المدن.

فهناك شكل آخر من أشكال فقدان القدرة على التكيف يحدث داخل المدن نفسها عندما تتراجع المساحات الخضراء، وتُستبدل الأشجار بالخرسانة، وتتحول المساحات العامة إلى أسطح تمتص الحرارة ثم تعيد إطلاقها.

وهنا تصبح المفارقة أكثر وضوحًا.

كيف يمكن أن نواجه التصحر على المستوى الدولي، بينما تسمح سياساتنا العمرانية بتحويل أجزاء من مدننا إلى بيئات أكثر حرارة وأقل قدرة على التكيف؟

تمثل استضافة مصر لمؤتمر مكافحة التصحر فرصة للنظر إلى القضية من زاوية أوسع.

فمكافحة التصحر لا تتعلق فقط بحماية الأرض خارج المدن.

إنها أيضًا حماية قدرة المجتمعات داخل المدن على مواجهة الحرارة والجفاف والتغيرات المناخية.

ماذا نحتاج؟

نحتاج أولًا إلى التعامل مع الأشجار والمساحات الخضراء باعتبارها جزءًا من البنية التحتية البيئية للمدينة، لا عائقًا يمكن إزالته كلما تعارض مع مشروع جديد.

ونحتاج إلى قاعدة بيانات وطنية واضحة للأشجار والمساحات الخضراء في المدن، تتيح معرفة ما نملكه وما نفقده، حتى لا تظل قضية الأشجار خاضعة للمشاهدة والانطباعات الفردية.

ونحتاج كذلك إلى تجريم إزالة الأشجار الناضجة في المشروعات العامة، وإجراء تقييم معلن للأثر البيئي والمناخي عند إزالتها، لا يكتفي بالسؤال عن حركة السيارات أو شكل الطريق، وإنما يدرس أيضًا أثر المشروع على الظل ودرجات الحرارة والمساحات العامة وقدرة السكان على التكيف.

كما نحتاج إلى أن تصبح الحماية من الإجهاد الحراري جزءًا فعليًا من سياسات السلامة والصحة المهنية، مع بروتوكولات واضحة لموجات الحر، ومعايير قابلة للقياس، وآليات لتقليل ساعات العمل أو إيقافه عند الضرورة، من دون تحميل العامل وحده تكلفة التوقف عن العمل.

ونحتاج أخيرًا إلى إشراك العمال ونقاباتهم والمجتمعات المحلية في صياغة سياسات التكيف.

فالذين يعملون في الشارع هم أول من يعرفون أين تختفي الأشجار، وأين تصبح الحرارة لا تطاق، وأين يحتاج الناس إلى الظل.

ليست كل شجرة مجرد شجرة

عدت في ذهني إلى نيروبي.

إلى العمال الجالسين تحت الأشجار على جانب الطريق.

ربما لم يكونوا يفكرون وقتها في تغير المناخ، ولا في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، ولا في مفهوم "العدالة المناخية".

كانوا ببساطة يبحثون عن مكان يستطيعون فيه أن يستريحوا قليلًا.

وهنا تكمن أهمية الشجرة.

فهي لا تمنح الظل وحده، وإنما توفر أيضًا مساحة عامة لا تتطلب مالًا كي يستخدمها أحد.

ولهذا فإن السؤال عن الأشجار لا يتعلق بشكل المدينة فقط.

إنه سؤال عن الحق في مدينة يمكن احتمالها.

وعن الحق في شارع لا يتحول إلى مصدر إضافي للخطر.

وعن الحق في مساحة عامة لا ترتبط جودتها بقدرة الفرد على الدفع.

وعمن يتحمل تكلفة التغير المناخي عندما تصبح المدينة أكثر حرارة.

لا يمكن أن نواجه أزمة المناخ بإزالة أدوات التكيف.

ولا يمكن أن نتحدث عن العدالة المناخية بينما يتحمل العمال والفئات الأقل دخلًا الجزء الأكبر من مخاطر الحرارة، في حين يستطيع الأكثر قدرة شراء وسائل حماية خاصة من آثارها.

فالعدالة المناخية لا تبدأ في قاعات المؤتمرات الدولية وحدها.

قد تبدأ من شجرة في شارع.

ومن عامل وجد تحتها ظلًا ليستريح.

ومن قرار حكومي يقرر أن هذه الشجرة ليست عائقًا أمام التنمية، وإنما جزء من حق الناس في مدينة أكثر أمانًا وقدرة على مواجهة المناخ.

وفي بلد يستعد لاستضافة مؤتمر عالمي لمكافحة التصحر، ربما يكون السؤال الأبسط هو الأكثر إلحاحًا.

إذا كنا نريد أن نكافح التصحر، فهل نستطيع أولًا أن نحمي أشجارنا من أن تتحول مدننا إلى صحارى من الخرسانة والأسفلت؟

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة