"ياللي اتحرمتم من التعليم".. أم نوبية تهرب من قبيلتها لتعلم ابنتها

لم تكن ليلة نجاح نور وزميلاتها في الثانوية العامة من المناسبات التي تعمها الفرحة والزغاريد كما جرت العادة مع أقرانها الذكور، بل ليلة كئيبة عليها وعلى أمها التي طالما حملت هم ذلك اليوم، ذلك أن قبيلتها قررت منذ زمن بعيد ألا تدخل بناتها الجامعة درءًا لأي اختلاط قد يجمع بينهن وبين شبان من خارج القبيلة.

فما قرره الأجداد في زمن بائد صار قاعدة تحكم أحفادهم لعقود طويلة من دون أن تجرؤ فتاة على الاعتراض، إذ صار مجرد التصريح بهكذا فكرة كفيلًا بفتح باب اتهامات لا يُغلق بسهولة، أبسطها أنها تسعى لدخول الجامعة لتواعد شابًا من خارج القبيلة وتتزوجه، وهو ما قد يكلفها حياتها إن تطلب الأمر. ومع ذلك مضت كريمة أم نور وحدها إلى فتح الهويس ومواجهة التيار الجارف، فحين طالبها زوجها بأن تكف وابنتها عن محاولة التقديم للجامعة، وأن بلوغ الفتيات مرحلة الثانوية في الوقت الراهن فضلٌ يجب أن تحمدا القبيلة عليه، لم يسكتها ذلك المنّ، وإنما أعادها إلى زمن مضى وأحلام ادخرتها لسنين طويلة، إلى أن جاءت نور.

فلاش باك

في سبعينيات القرن الماضي جلست كريمة، وهي طفلة في العاشرة من عمرها، على مقعدها الدراسي للمرة الأخيرة، بعدما أخبرها والدها بأنها أنهت المرحلة الابتدائية وأن هذا سيكون سقف تعليمها تمهيدًا لتجهيزها للزواج، فبكت الصغيرة بعد آخر امتحان بكاءَ من ودعت أحلامًا لم تمنحها القبيلة فرصة أن تحلم بها من الأساس.

كبرت كريمة في صعيد مصر، وتحديدًا في محافظة أسوان، كأي فتاة جنوبية مبتورة الأجنحة، لا يسمح لها أن تحلق أو حتى تفكر في ذلك من دون إذن قبيلتها، فلكل قبيلة هناك قوانينها الخاصة، وما يقرره الأجداد على مر الزمان يظل الأبناء يعيشونه إلى الأبد.

كانت كريمة من هؤلاء البنات الذين حكم عليهم بالسجن مبكرًا في القفص الذهبي، فخطبت قبل أن تكمل عامها الثالث عشر، وتزوجت بعد أن أتمت السادسة عشرة، لتعيش لا كزوجة بل خادمة في منزل أسرة زوجها، على النحو الذي جرت به العادة في بعض قرى الجنوب.

وعلى أحد أرصفة منطقة سعد زغلول جلست، فوق قطعة من الكرتون، وأمامها قفص خشبي تعلوه ألعاب أطفال بسيطة و"توك" للبنات، تحاكي ملكة مصرية قديمة هاربة من معبد، إذ أضفت ملامحها الفرعونية الرقيقة وملابسها الأنيقة على السوق طابعًا عبثيًا غريبًا يلفت النظر من الوهلة الأولى، فهذه السيدة لا يبدو عليها أنها "سريحة" أو امرأة اضطرت للجلوس على الرصيف تبيع بضائع بسيطة للمارة، وهو ما دفعنا إلى معرفة السر وراء وجودها هناك.
تقول كريمة ذات الــ58 عامًا، إنها "اتولدت في قبيلة بمركز إدفو بأسوان، معروف عنهم القواعد الشديدة في مسألة خروج البنات وتعليمهم، مكانوش بيسمحوا للبنت تكمل بعد الابتدائي وأوقات مش بتدخل مدرسة خالص، والتعليم للولاد بس باعتبار إن البنت مصيرها للجواز وخسارة فيها المصاريف، ودا حصل معايا لكن أمي حاولت معاهم لحد ما خدت الابتدائية، وكان نفسي أكمل وأبقى دكتورة زي ما كنا بنشوف في التلفزيون، لكن بعد ما خلصت سنة خامسة أبويا قالي قبل آخر امتحان إني خلاص مش هروح المدرسة تاني".

ثم شردت بعيدًا والدموع تتساقط منها رغم ابتسامتها، كأنها فتحت للتو صندوق الذكريات الذي أغلقته منذ سنوات، قبل أن تقول "يوم الفرح مكنتش فاهمة إيه بيحصل، طبل وزمر وأنا ماسكة في جلابية أمي ومخبية راسي في صدرها، جت عمتي شدتني عشان ألبس الفستان وأمشي مع جوزي، ومن بعدها حياتي وقفت، عشت عمري كله بخدم أهل جوزي، بنضف وبطبخ وبصحى مع أذان الفجر أعجن، كنت طفلة مش قد كل المسؤولية اللي اتحطيت فيها فجأة".

واصلت كريمة سرد ما جرى مع ابنتها، قائلة إنها أنجبت ولدين وبنتًا، وكانت نور "آخر العنقود"، وقد استحملت من أجل أبنائها "كل اللي حصلي في بيت أهل جوزي من بهدلة وفقر وجوع وخدمة"، إلى أن وصل الدور إلى ابنتها وقرروا أنها لن تكمل تعليمها، رغم أن الولدين تعلما حتى الجامعة وعملا بعدها. وحين قالوا إن الإعدادي يكفي للبنت، حاربت كريمة حتى دخلت نور الثانوية ونجحت، ثم واجهت الرفض من جديد عندما أصروا على أنها لن تدخل الجامعة، "وتخرج وتروح وتيجي والجامعة فيها شباب"، فهربت بها.

لم يكن الهروب مجرد خطوة لإبعاد نور عن القبيلة، فقد كان بداية مواجهة أوسع، وهو ما ترويه كريمة قائلة "واجهت الكل، وفجأة أتحولت من ست وديعة بتقول حاضر وطيب لست شرسة، كلهم اتفاجأوا بيها، بعد ما أبوها رفض تمامًا إنه يصرف على تعليمها الجامعي، وعقابًا ليا أنا وهي منع عننا أي فلوس حتى الأكل والشرب، رفض يصرف على البيت وهو من البداية مكنش بيصرف إلا على القد أوي، كانوا ولادي الصبيان اتجوزوا وكل واحد رزقه على قد ولاده، عشان كدا قررت إني هاخد بنتي وأقدملها في الجامعة غصب عن الكل ومهما كان الثمن".

قطع حديثها زبون جاء ليشتري منها ونحن جالستان على الرصيف، فرفعت عينيها وسألته عما يريد، ثم تناولت المال ووضعته في شنطة جلد أنيقة تحملها على خصرها، قبل أن تعود إلى الحكاية التي بدأت بقرار المواجهة، وانتهت بها إلى القاهرة.

قرار الفرار

احتاج الوصول إلى الجامعة إلى أكثر من مجرد الإصرار، لذلك اتخذت كريمة قرارًا بأن تغادر مع ابنتها، تقول "خدت قرار إني همشي ببنتي من البلد وأروح مصر (القاهرة) وأنا ورزقني معاها، روحنا لحد بيفهم في التنسيق وكتبنا في الرغبات كلية حقوق في كذا جامعة، وجتلها جامعة حلوان مش عارفة إزاي، وأخدت قرض من البنك عشان أقدر أدفع المصاريف وأجيبلها الكتب واللبس ونعرف نسافر، روحنا القاهرة واشتغلت مساعدة بنضف البيوت، وكنت بكسب كويس وأصرف عليها وعلى السكن والأكل والجامعة، لحد ما صحتي مبقتش تتحمل الخدمة التقيلة، وبعدها لقيت نفسي هنا ببيع شوية لعب على توك عشان نقدر ناكل وهي تروح الجامعة، لكن مش عارفة اللي جاي هعمل فيه إيه وهي لسه فاضلها سنة على التخرج، وأنا كل اللي نفسي فيه إنها متشوفش اللي أنا شوفته، أو على الأقل محدش يذلها على لقمتها".

ومن الرصيف الذي تعمل عليه اليوم إلى الجامعة التي وصلت إليها ابنتها، تبدو رحلة كريمة قد اتخذت شكلًا جديدًا، فـنور تدرس الآن في السنة الثالثة بكلية الحقوق في جامعة حلوان، وتشعر بثقل المسؤولية التي حملتها لها والدتها. فهي لا تحقق حلمها وحدها، وإنما تمضي في طريق بدأ قبلها بأجيال، إذ حُكم على نساء العائلة بالزواج من رجال القبيلة نفسها وعيش المصير ذاته، إلى أن قررت كريمة أن تخرج بابنتها من هذا المسار.

ولهذا تخفي الأم عن نور طبيعة عملها، مدركة أن معرفة الحقيقة قد يؤثر فيها ويشتت تركيزها، فتخبرها بأنها تعمل في وظيفة مريحة بأحد المصانع، ثم تعود كل يوم إلى المنزل مبتسمة، تسألها عن أحوالها في الكلية وتتابع خطواتها نحو التخرج. وفي انتظار اللحظة التي يصبح فيها الحلم شهادة جامعية، تتمسك كريمة بفكرة أن ابنتها ستمتلك أخيرًا ما حُرمت هي منه، شهادة تمكنها من العمل وكسب الرزق الذي يمنحها الحرية ويبعدها عن "الذل عشان تاكل لقمة عيش".

حين يصبح التعليم وسيلة للنجاة

وحكاية كريمة ونور، على خصوصيتها، لا تكفي وحدها لوصف واقع جميع نساء الصعيد، لكنها تكشف جانبًا من مشكلة تعليم البنات لا يمكن اختزالها في مقاعد المدارس وعدد الفصول. فحين تضيق الموارد، تتدخل الحسابات الاجتماعية والاقتصادية في تحديد الأولويات، وقد يصبح مستقبل الابن مرتبطًا بالعمل، بينما يُنظر إلى مستقبل البنت باعتباره زواجًا.

ومن هنا تبدو دراسة نور للحقوق أكثر من مجرد اختيار أكاديمي داخل هذه الحكاية، فالفتاة التي تريد أمها أن تمنحها الاستقلال تتعلم القانون، بينما قضت الأم نفسها عمرًا طويلًا من دون الأدوات التي تمكنها من الدفاع عن اختياراتها.

الأرقام الرسمية ترسم صورة أكثر تعقيدًا

وتأخذ الحكاية أبعادًا أوسع حين تلتقي بالصورة التي ترسمها المسوح الديموغرافية والبيانات الإحصائية الرسمية عن فجوة جغرافية وجندرية في معدلات الاستمرار في التعليم، إذ تتصدر محافظات جنوب مصر النسب الأعلى في عدم التحاق الفتيات بالتعليم والتسرب منه قبل إتمام المرحلة الإعدادية والثانوية.

وتفيد نتائج المسح الصحي للأسرة المصرية وبحوث الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بأن التقاليد المجتمعية والظروف الاقتصادية السيئة تشكل ضغطًا كبيرًا على الإناث، بينما ترتفع نسبة التسرب بين الفتيات في ريف الصعيد، ويأتي الزواج المبكر في مقدمة الأسباب بنسبة تتجاوز 25% من حالات التسرب في هذه الفئة، إلى جانب ارتفاع التكلفة المباشرة للتعليم التي قد تدفع الأسرة عند تراجع الدخل إلى تفضيل تعليم الذكور على الإناث، باعتبار الأنثى مشروع زوجة ليس إلا.

الأمر لا يتوقف عند فكرة التعليم

ولا تنتهي المسألة عند الوصول إلى المدرسة أو الجامعة، إذ تكشف أرقام الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء فجوة أخرى تتعلق بقدرة المرأة على تحويل التعليم إلى استقلال اقتصادي.

وتبلغ نسبة البطالة بين الإناث 15.3%، مقابل 3.7% بين الذكور، بينما تتسع الفجوة في الحضر، حيث تصل بطالة الإناث إلى 22.5% مقارنة بـ5.9% للذكور. وترتفع النسبة بصورة أكبر بين الخريجات، إذ يسجل معدل البطالة بين الشابات من حملة المؤهلات المتوسطة والجامعية نحو 38.3%.

وعند هذه النقطة، تبدو جملة كريمة "محدش يذلها على لقمتها" أوسع من أمنية أم لابنتها، لأنها تختصر المعنى الذي تريد أن تصل إليه نور عبر التعليم، من مجرد الحصول على شهادة إلى امتلاك قدرة حقيقية على الاعتماد على النفس.

ما وراء حكاية كريمة ونور

ولأن ما حدث مع كريمة ونور يرتبط بسياق اجتماعي أوسع، تواصلنا مع الدكتورة نهالي عمران، أستاذة علم الاجتماع، لتحليل نظام تعليم البنات في النوبة. التي تلفت منذ البداية إلى ضرورة التمييز بين التجارب المختلفة، موضحة أن "بعض القبائل في النوبة ما زالت متمسكة بالعادات القديمة فيما يخص مسألة تعليم الإناث، وهناك قبائل أخرى أصبحت تواكب التقدم وتسمح بعمل البنات وحتى سفرهن وحدهن، ومن الإنصاف أن نحلل المشهد دون تعميم".

ومن خبرتها الطويلة في النوبة، تربط عمران بين هذه القواعد الاجتماعية وموقف بعض القبائل من الزواج والتعليم، فتقول "من خلال عملي لوقت طويل في النوبة بمدرسة مجتمعية هدفها معالجة مشكلات المجتمع النوبي، ومعرفتي بسلوكيات القبائل هناك، فكرة تزويج فتاة من خارج القبيلة أو العائلة تشكل خطرًا على القوانين التي وضعها الأجداد، وهو أمر غير محبوب، لذلك يتم منع الفتيات من الاختلاط بأي شاب خارج القبيلة، واستقر الأمر على توقف البنات عند المرحلة الثانوية لأن المدارس هناك غير مختلطة".

ومع الوصول إلى الجامعة، يصبح القرار في بعض الحالات مرتبطًا بما قد تراه العائلة نفسها تهديدًا لمكانتها داخل المجتمع، وتوضح عمران أن "وصول فتاة للجامعة في بعض القبائل قد يحمل عائلتها العار ويجعلهم في موقف محرج أمام كبار العائلة، الذين قد يفرضون عليهم بعض العقوبات مثل النبذ والتجنب، وبعض العقوبات المالية أحيانًا فيما يخص إيراد الأملاك أو الورث".

وهذا النفوذ الجماعي، وفق تفسيرها، يرتبط أيضًا بطريقة إدارة أملاك العائلة، إذ تقول "الجميع هناك يقرر مصير الفرد، لأن معظم النوبيين غالبًا يتركون أملاك العائلة على المشاع دون تقسيم، فنجد أن هذه الأرض مثلًا ملك عائلة فلان، ولا يمكن أن تجد الكثير من الأراضي ملكًا لرجل واحد، لذلك جميع القرارات تكون جماعية، وما فعلته كريمة هو أنها واجهت الجميع وحدها".

ومع هذه المواجهة، جاءت العقوبة في صورة حصار اقتصادي، بعدما امتنع زوجها حتى عن شراء الطعام لها ولابنتها، لأنهم رأوا أن ما فعلته قد يفتح الباب أمام تمرد باقي البنات، ويهدد نظام القبيلة، ويمهد لدخول غرباء في نطاق أملاك العائلة. ومن وجهة نظرهم، كان ذلك قد يشيع الفوضى ويفتح باب الأطماع على مصراعيه، فيما تنتهي الحكاية من الجهة الأخرى إلى سؤال مختلف، هل يمكن أن يصبح المال والأرض سببًا في إبقاء البنات أسيرات لهذا المصير إلى الأبد، بينما ترى أم أن التعليم هو الطريق الأوضح إلى حياة لا يتوقف فيها الحق في الاختيار على رضا الآخرين؟

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة