الأسئلة الشائكة في فضيحة "جلوبال بارادايم".. من المُقترض الحقيقي؟ وكيف حصل على القروض؟

من نُقرض؟ وما الضمانات التي تحكم القروض؟ ومن يحمي بياناتنا الشخصية من العبث؟ أسئلة تتصاعد من دخان فضيحة حصول مدرسة "جلوبال بارادايم" الدولية، التابعة لمجموعة الربوة العقارية، على قروض باستخدام بيانات أولياء الأمور الشخصية الموجودة لديها، من إحدى شركات التمويل الاستهلاكي، دون علمهم.

بلغت القروض التي حصلت عليها المدرسة 319 مليون جنيه، صُرفت باسم 619 من أولياء أمور الطلاب الدارسين فيها، من شركة "جلوبال كورب للتمويل الاستهلاكي"، وكُتبت عقود القروض، البالغ عددها 839 عقدًا تمويليًا، على أنها قروض وتمويلات للرسوم الدراسية باسم أولياء الأمور، وهي قصة تكشفت أحداثها حين سعت إحدى أولياء الأمور للحصول على قرض، لتكتشف أن مديونة بمبلغ قرض جاري فعلًا لصالح شركة تمويل استهلاكي تُدعى "جلوبال كورب للتمويل الاستهلاكي"، ومع نشرها القصة على جروب أولياء أمور المدرسة، تسابق الجميع للذهاب إلى البنوك، ليكتشفوا أنهم مدينون بقروض لم يحصلوا عليها يومًا.

كيف حدثت المشكلة؟

تعود الأزمة إلى تعاقد المدرسة مع شركة التمويل الاستهلاكي على توفير قروض مدرسية لأولياء الأمور، على أن تتولى المدرسة عملية التعرف على العملاء، وجمع المستندات وبيانات الهوية، وإرسالها إلى شركة التمويل.

وتقول الرواية الدارجة إن المدرسة استغلت تلك النقطة، مستفيدة من عدم قيام شركة التمويل بدورها والتأكد من العملاء وتوقيع كل عميل بنفسه في حضوره، فقامت بصرف المبالغ المالية، مخالفة بذلك جميع القواعد التي تشترط التأكد من بيانات العميل وموقفه المالي وقدرته على السداد.

ويرى بعض الخبراء أن هناك ثغرة غامضة عن كيفية تنازل شركة التمويل عن كل الاشتراطات المطلوبة لمنحه، الأمر الذي يطرح سيناريو آخر هو "التوريق"، وهي آلية تلجأ إليها الشركات العقارية لبيع ديونها المستقبلية لطرف آخر يتولى تحصيلها، مقابل الحصول على تمويل فوري، يعني لو دفع عميل نصف ثمن الشقة، ولنفترض أنه مليون جنيه، وبقي عليه 2 مليون، فإن الشركة العقارية تأخذ هذا المبلغ المتبقي من شركة تمويل، وتعطيها الشيكات، وتتولى شركة التمويل التحصيل مقابل عمولة.

ويؤيد د. محمد أنيس، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع، هذا السيناريو، موضحًا أن المدرسة توجهت إلى شركة التمويل الاستهلاكي، وبدلًا من انتظار تسديد أولياء الأمور المصروفات على قسطين، حصلت على المبلغ كاملًا دفعة واحدة، على أن تتولى الشركة تحصيل باقي الأقساط. ويضيف أن الإجراء كان سيُعد طبيعيًا لو وقع ولي الأمر نفسه مع شركة التمويل الاستهلاكي، غير أن ما حدث هو استغلال بيانات أولياء الأمور من دون علمهم، لتقع المسؤولية على الطرفين معًا، المدرسة باستغلالها بيانات العملاء، والشركة بمنحها قروضًا باسم عميل دون حضوره أو توقيعه أمام موظفيها.

ويتعزز هذا السيناريو بدخول مجموعة الربوة، المالكة للمدرسة، على خط الأزمة، وإعلانها تحملها المسؤولية عن ظهور أسماء بعض أولياء الأمور ضمن بيانات عملاء شركة التمويل، معتبرة الأمر خطأ داخليًا، مع تقديم الاعتذار والتعهد بتصحيح الوضع.

لماذا القضية معقدة؟

تتسم قضية قروض "جلوبال بارادايم" بتعقيد شديد، فمجموعة الربوة مملوكة لرجل الأعمال جعفر حسين، وتضم 8 شركات تابعة، وقد انطلقت من مجال تجارة التجزئة (تجارة السلع كالبقالة)، ثم توسعت في القطاع العقاري، قبل أن تدخل القطاع التعليمي، وبعده المشروعات الفندقية.

وتدير مجموعة "الربوة" قطاعها التعليمي عبر شركة تحمل اسم الربوة للخدمات التعليمية، التي تشرف بدورها على 3 مدارس دولية، هي: جلوبال بارادايم (GPIS) التي تقدم الدبلومة الأمريكية، وجلوبال بارادايم للبكالوريا الدولية (GPBS) التي تطبق المنهج البريطاني، وكيان (Kayan College) التي تقدم النظامين الأمريكي والبريطاني معًا، وتغطي هذه المدارس المراحل التعليمية كافة، من رياض الأطفال وحتى الصف الثاني عشر (3 ثانوي عام).

أما ملكية جلوبال كورب للتمويل الاستهلاكي والعقاري، فتتبع شركة "جلوبال كورب" التي تساهم فيها كيانات ضخمة، من بينها البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، وصندوق "إس بي إي كابيتال" المملوك لشركة تحمل الاسم نفسه، والمنفصلة عن مجموعة سويكورب (Swicorp) السويسرية، وصندوق "أميثيس" (Amethis) الفرنسي، وكان من المفترض أن يتخارج هذان الصندوقان منها قبل نهاية الشهر الجاري.

وتعمل جلوبال كورب، الشركة الأم، منذ عام 2015، وتنشط في مجالات التأجير والتمويل التجاري والتمويل الاستهلاكي والتمويل العقاري، وأجرت منذ تأسيسها عمليات تمويل بلغت نحو 29 مليار دولار، ولديها 950 عقد تأجير ساري المفعول في 30 قطاعًا.

جزاءات الرقابة المالية.. وفي انتظار التعليم

قررت هيئة الرقابة المالية، بعد 4 أيام من التدقيق في أعمال شركة جلوبال كورب للتمويل الاستهلاكي، وقف تعامل الشركة في منتجات التمويل الخاصة بمصروفات المدارس وعضوية النوادي، وحظر إصدار تمويلات جديدة لحين مراجعة تلك المنتجات كافة، إلى جانب إلغاء ترخيص الرئيس التنفيذي لممارسة نشاط التمويل الاستهلاكي، واتخاذ تدابير جزائية أخرى بحق عدد من العاملين في الوظائف الرئيسية بالشركة.

ويقول شريف سامي، رئيس هيئة الرقابة المالية الأسبق، إن تلك العقوبات تحمل طابعًا رادعًا، وتقوم على معاقبة المخطئ دون إعدام الشركة التي تتعامل مع آلاف العملاء خارج نطاق هذه المخالفات، التي قد تكون مقترضة من البنوك أيضًا، ما يعرضها للضرر في حال إيقافها نهائيًا.

وتشير بيانات الرقابة المالية إلى زيادة قيمة التمويلات الممنوحة لعملاء التمويل الاستهلاكي بنسبة 69.3% خلال الثلاثة أشهر الأولى من عام 2026، إذ بلغ حجم هذه التمويلات نحو 29,565 مليار جنيه خلال الربع الأول من العام، مقارنة بـ17,465 مليار جنيه خلال الفترة ذاتها من عام 2025، بمعدل زيادة 69.3%.

ويضيف سامي أن الواقعة فردية وغير متكررة، ولا تمثل ظاهرة، وبالتالي لا ينبغي أن يُوصم بها قطاع بأكمله، فالبنوك على سبيل المثال كثفت التوعية ضد عمليات الاحتيال، وأرسلت رسائل على الهاتف المحمول بكل حالات السحب، فيما تعمل الرقابة المالية على تطوير أدواتها أيضًا لتطوير السوق.

وأصدرت الرقابة المالية قرارًا يلزم شركات وجمعيات التمويل غير المصرفي بإرسال رمز التحقق لمرة واحدة (OTP) إلى العميل عند إتمام التعاقد، وكذلك عند استخدام التمويل، في إطار تعزيز حماية المتعاملين ورفع مستويات الأمان في عمليات التمويل، والحد من مخاطر الاستخدام غير المصرح به (أي يتم إرسال رسالة مشابهة لما يحدث مع عمليات السحب في البنوك).

ويقول د. مدحت نافع، الخبير الاقتصادي، إن استخدام رمز التحقق "OTP" لدى التعامل مع شركات التمويل الاستهلاكي يمثل نوعًا من الوقاية من التلاعبات وتزييف إرادة العملاء، مضيفًا أن المشكلة تجمع بين مخاطر تزييف الطلبات وانتحال أرقام الهواتف، وكلاهما حاضر بقوة على المشهد، لذلك، يطالب د. محمد أنيس بتطوير "سوفت وير فورم" أو سيستم تُعده هيئة الرقابة المالية، يُملأ إلكترونيًا وبشكل لحظي من قبل أي عميل يوقع مع شركة الاستعلام الائتماني، حتى يتم التأكد من جدارته الائتمانية، فلا يصح أن يحصل موظف دخله 10 آلاف جنيه على قرض بقيمة 500 ألف جنيه.

مُطالبات بمنظومة متكاملة لحماية البيانات

وطالب النائب ياسر الحفناوي، عضو مجلس النواب، بوضع منظومة متكاملة لحماية البيانات الشخصية للمواطنين، وتشديد الرقابة على آليات جمع بيانات المواطنين وتخزينها وتداولها واستخدامها، عقب هذه الوقائع الأخيرة.

وجاءت مشكلة "جلوبال بارادايم" بعد قضية مشابهة في شركات المحمول، تبين على إثرها لآلاف المواطنين وجود خطوط بأسمائهم لم يتعاقدوا عليها، ما أدى إلى إحالة الشركات الأربع العاملة في مجال المحمول إلى النيابة.

واقترح النائب إنشاء "سجل وطني لتتبع استخدام البيانات الشخصية"، يتيح للمواطن، من خلال منصة رقمية مؤمنة، معرفة الجهات التي حصلت على بياناته الشخصية أو قامت بمعالجتها، والغرض من استخدامها، مع تسجيل عمليات مشاركة البيانات مع أي جهات أخرى وفقًا للقانون.

ويتطلب المقترح ذاته وضع نظام إنذار فوري للمواطن في الحالات التي يُشتبه فيها باستخدام بياناته لإنشاء حساب، أو خط محمول، أو محفظة إلكترونية، أو الحصول على خدمة باسمه، إلى جانب توفير آلية إلكترونية موحدة وسريعة للاعتراض والإلغاء والإبلاغ عن أي استخدام غير مصرح به.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة