بين تعليق الصورة ونزعها أسبوعين لا أكثر، لكن هذا الفارق الزمني القصير كشف عن هوة عميقة داخل نادي القضاة، لا تتعلق بإطار خشبي معلق على جدار، وإنما بسؤال يخص من يملك حق تحديد ما يستحق التوثيق في ذاكرة المؤسسة، وما لا يستحقه. فما بدأ قرارًا إداريًا روتينيًا انقلب سريعًا إلى ما يشبه الفتنة بين القضاة، استعادت حرارة الانتخابات التي انتهت قبل أسابيع بفوز "تيار الاستقلال" برئاسة النادي.
وبحسب مصدرين قضائيين تحدثا لـ"فكر تاني"، بدأت الحكاية حين فوجئ المستشار محمد رفعت جبر، الرئيس الجديد لنادي القضاة ، خلال إحدى جولاته التفقدية داخل أروقته، بغياب صورة المستشار زكريا عبد العزيز عن حائط صور رؤساء النادي السابقين، وبعد استفساره عن السبب علم أن الصورة كانت معلقة ثم أزيلت في وقت سابق، فأصدر قراره بإعادتها إلى مكانها، تقديرًا لتاريخ الرجل الذي تولى رئاسة النادي لدورتين متتاليتين امتدتا من 2001 حتى 2009، وهي الفترة التي كان فيها النادي طرفًا بارزًا في معركة استقلال السلطة القضائية إبان عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك.
غير أن اسم زكريا عبد العزيز يحمل في الذاكرة القضائية دلالة تتجاوز موقعه الإداري السابق، فالرجل واحد من أبرز رموز تيار الاستقلال، وقد أُحيل للصلاحية في مارس 2016 بتهمة الانخراط في العمل السياسي بالمخالفة لقانون السلطة القضائية والتحريض على اقتحام مقرات جهاز أمن الدولة المنحل عقب ثورة 25 يناير. ولهذا السبب بالتحديد لم يكن قرار إعادة الصورة، مهما بدا بسيطًا في ظاهره، بمنأى عن قراءات أوسع من حدوده الشكلية.
يقول مصدر قضائي آخر لـ"فكر تاني" إن رئيس النادي لم يتعامل مع الأمر في بدايته بوصفه قضية سياسية أو موقفًا من تاريخ عبد العزيز، وإنما نظر إليه من زاوية التقاليد المؤسسية وحدها، باعتبار أن الرجل سبق أن تولى الرئاسة لسنوات، وأن صور الرؤساء السابقين جزء من سجل النادي. لكن هذا التفسير الإداري المحض لم يصمد طويلًا أمام قراءة مغايرة بدأت تتشكل داخل جروبات القضاة المغلقة، إذ سرعان ما تحول خبر إعادة تعليق الصورة إلى غضب وجدل حول ما قد تحمله من رمزية تتصل بمرحلة كان فيها النادي واحدًا من أبرز ساحات النقاش حول استقلال القضاء وعلاقته بالسلطة التنفيذية.
من هذه النقطة بالذات، بدأ التأويل يتسع ليتجاوز حدود التوثيق التاريخي نحو ما بدا لبعض القضاة إحياء لخطاب أو تيار قضائي كان له حضور قوي في مرحلة سابقة. وقد تصاعدت الضغوط على رئيس النادي مع انتشار الخبر، مقترنة بتخوفات من أن يُقرأ قراره على أنه محاولة لبعث تيار استقلال القضاء من جديد، خصوصًا أن توقيت إعادة الصورة، في بداية فترة توليه المسؤولية، منح القرار حساسية إضافية.
وربط بعض المنتقدين فعليًا بين الخطوة وما وصفوه بـ"إحياء تيار الاستقلال"، مستندين إلى تاريخ هذا التيار المعروف وما ارتبط به من خلافات مع السلطة التنفيذية عبر عقود سابقة.
وهكذا وجد رفعت جبر نفسه أمام معادلة بالغة الصعوبة، فمن جهة كان قد اتخذ قراره على أساس أن الصورة توثق رئاسة سابقة لا أكثر، ومن جهة أخرى تحول القرار إلى موضوع تفسير سياسي وقضائي تجاوز الغرض الذي صدر من أجله. وأمام هذا المأزق تراجع رئيس النادي عن قراره، تفاديًا لأن تُقرأ إعادة الصورة تعبيرًا عن انحياز لتيار استقلال القضاء.
أزمة وانتهت
حين تواصلت "فكر تاني" مع رئيس نادي القضاة للوقوف على أسباب تعليق الصورة ثم إزالتها مجددًا، فضل عدم الخوض في التفاصيل مكتفيًا بعبارة مقتضبة "أزمة وانتهت".
لكن هذا الإيجاز في التعليق لم يغلق الباب أمام أسئلة أعمق طرحها المستشار ناجي دربالة، نائب رئيس محكمة النقض الأسبق وأحد أبرز رموز تيار استقلال القضاء، إذ رأى أن التعامل مع صورة رئيس سابق للنادي يفتح نقاشًا أوسع حول كيفية حفظ الذاكرة المؤسسية وتوثيق مراحلها المختلفة، بما فيها تلك التي شهدت صدامات سياسية وقضائية حادة.
وأوضح دربالة لـ"فكر تاني"، أن السؤال الحقيقي الذي تفرضه الأزمة لا يقتصر على لماذا أزيلت الصورة في وقت سابق، وإنما يمتد إلى من اتخذ القرار حينها وبأي سند وهل كان فرديًا أم مؤسسيًا.
وبحسب دربالة فإن غياب إجابة واضحة عن هذه النقاط يمثل أحد أبرز جوانب الغموض في الواقعة، خاصة أن النادي يحتفظ بصور رؤسائه السابقين بوصفها جزءًا من تاريخه.
ويذهب نائب رئيس محكمة النقض الأسبق إلى أن تاريخ النادي، بحسب رؤيته، لم يقم يومًا على انتقاء الرؤساء السابقين وفق مواقفهم السياسية أو القضائية اللاحقة، مستشهدًا بسوابق تاريخية تتعلق بقضاة تعرضوا للعزل أو الفصل في محطات سابقة، من بينهم أسماء ارتبطت بما يعرف بـ"مذبحة القضاة" عام 1969 في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، حين عُزل المستشارون ممتاز نصار ويحيى الرفاعي ومقبل شاكر وبهي الدين عبد الله.
ويشير دربالة إلى أن صور الرؤساء السابقين لم تكن يومًا تُعامل باعتبارها سجلًا للمواقف السياسية أو أداة لتقييم الأشخاص بعد انتهاء فترة مسؤوليتهم، وأن مسألة هذه الصور لا ينبغي أن تخضع لإرادة فردية، فالنادي مؤسسة تجمع جموع القضاة، وتاريخها لا يمكن اختزاله في قرار يصدر بمعزل عن قواعد واضحة ومعلنة. فلا رئيس النادي ولا مجلس إدارته يملكان تاريخ المؤسسة، وإنما يديران مؤسسة ذات تاريخ ممتد يفرض عليهما التعامل مع رموزه بضوابط ثابتة.
في المقابل يقارب المحامي الحقوقي ناصر أمين، مدير المركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة، المسألة من زاوية مختلفة، إذ يرى أن قيمة زكريا عبد العزيز لا يمكن اختزالها في وجود صورته على أحد جدران النادي من عدمه.
ويقول أمين لـ"فكر تاني"، إن "المستشار زكريا عبد العزيز أكبر من أن تُناقش مسألة وضع صورته ضمن لائحة الصور المعلقة داخل مبنى نادي القضاة من عدمه.. إن وضع الصورة أو حذفها لا يمكن أن ينال من مكانته وقدره ومقامه كقاض جليل، دافع عن استقلال القضاء، ووقف بجانب القضاة وفي وجه السلطة في الفترة الأكثر حرجًا".
ويضيف أن مكانة عبد العزيز لم تنبع من وجود صورته داخل النادي، وإنما ارتبطت بما أنجزه خلال مسيرته القضائية وبما مثله لدى قطاع من القضاة والرأي العام، مشيرًا إلى أنه حظي بدعم واسع من جموع القضاة ومن قطاعات من المواطنين خلال الفترة الممتدة من عام 1999 حتى عام 2009، وهي المرحلة التي شهد فيها النادي دورًا بارزًا في ملفات استقلال القضاء. وبذلك فإن إزالة الصورة، من منظور أمين، لا تستطيع أن تمحو الدور التاريخي الذي لعبه الرجل أو أن تغيّر تقييم هذه المرحلة لدى من عاصروها.
لماذا أصبحت الصورة قضية؟
في المؤسسات ذات التاريخ الطويل، لا تكون الصور مجرد ديكور معلق على جدار، فالصورة المعلقة داخل مؤسسة عامة أو نقابية أو مهنية تتحول غالبًا إلى جزء من أرشيف بصري يوثق تعاقب القيادات والأجيال. ولهذا فإن السؤال عن إزالة صورة رئيس سابق لا يتعلق فقط بحق الشخص في أن تبقى صورته معلقة، وإنما يمتد إلى طبيعة الذاكرة التي تريد المؤسسة نفسها الاحتفاظ بها للأجيال اللاحقة.
وتزداد أهمية هذا السؤال في حالة نادي القضاة تحديدًا، لأن تاريخه مرتبط بمراحل متعددة من الحياة القضائية والسياسية في مصر، فقد شهد على مدار سنواته رؤساء وشخصيات اختلفت مواقفها وتوجهاتها، كما مر بمراحل هدوء وأخرى توتر وصدام، وكان جزءًا لا يتجزأ من النقاش العام حول استقلال القضاء.
ومن هنا فإن الاحتفاظ بصور الرؤساء السابقين لا يعني بالضرورة الاتفاق مع كل مواقفهم، مثلما أن إزالة صورة أحدهم لا تعني تلقائيًا إلغاء تاريخه، لكن الخلاف الحقيقي يبدأ حين تغيب المعايير المعلنة والثابتة التي تحكم عملية وضع الصور أو إزالتها. فوجود صورة مسؤول سابق في مؤسسة ما لا يعني بالضرورة أنها تتبنى كل مواقفه، وإنما يعني أنها توثق تسلسل قياداتها فحسب.
وهذا تحديدًا جوهر حجة دربالة، الذي يرى أن صور رؤساء النادي ينبغي أن تعبر عن التاريخ كما وقع، لا عن التقييم اللاحق لشخصياته. أما ناصر أمين فيضع الأمر في إطار مغاير، إذ يؤكد أن قيمة عبد العزيز أكبر من أن تتوقف على وجود صورته، وأن الأثر الذي تركه في ملف استقلال القضاء لا يمكن أن يمحوه قرار إداري.