"مفيش جديد يا سارة؟".. رحلة الخريجين من قاعة التكريم إلى "اكتئاب البحث عن وظيفة"

"مفيش جديد يا سارة*؟" جملة بسيطة، من 4 كلمات فقط، لكنها وقعها يضاعف حجمها الضئيل مثل مارد يضعه أبيها كل صباح فوق كاهلها، فالفتاة التي تدخل شهرها السادس بعد التخرج في كلية الألسن، لم تجد وظيفة بعد رغم تفوقها الدراسي.

قبل 6 أشهر فقط، كانت سارة تمشي بثبات على منصة التكريم، تعلو وجهها ابتسامة من أتم المهمة بنجاح، بعد أن حصدت بكالوريوس الألسن بدرجة امتياز مع مرتبة الشرف، بينما يرسم أحبائها مستقبلًا يفتح لها ذراعيه، لا تنتظر فيه الوظيفة وإنما تسعى الوظيفة إليها، لكن ومع انقضاء إجازة الصيف، تبدل المشهد، أغلقت سارة باب غرفتها لتبدأ رحلة البحث، مع مئات النسخ من سيرتها الذاتية تطير عبر بريد إلكتروني، يرد عليه الصمت من دعوة واحدة لإجراء مقابلة عمل.

تقول سارة لـ"فكر تاني"، إنها كانت تعزي نفسها في البداية "بأنها مسألة وقت، لكن بعد الشهر الرابع، بدأت أشعر بشيء يشبه الإعاقة النفسية، غرفتي التي شهدت أجمل أيام تفوقي وسهري أصبحت فجأة سجنًا إجباريًا. أصبحت أتعمد النوم حتى منتصف النهار.. لم أكن نائمة بالمعنى الحقيقي، فقد كنت أهرب من مواجهة الصباح، ومن سؤال والدي".

اليوم تجلس سارة على طرف سريرها، الهاتف تقلبه بين يديها من دون اهتمام، بعدما تحول روتينها من متابعة المحاضرات وإعداد الأبحاث إلى ممارسة نوع جديد من الفتور وتأمل الفراغ، تقول "المرعب في الأمر ليس الرفض، وإنما الصمت. أن ترسل عشرات السير الذاتية وتنتظر، فيتحول هاتفك إلى حجر لا يهتز بإنذار واحد، ومع الوقت بدأت أشكك في كل شيء: هل لغتي ضعيفة؟ هل سنوات دراستي كانت بلا فائدة؟ هل أنا أقل من زملائي الذين ينشرون صورهم يوميًا داخل مكاتب الشركات؟".

ما تمر به الشابة حديثة العهد بالتخرج ليس مجرد ضيق عابر، وإنما تجسيد لعرض نفسي يعرف علميًا بـ"اكتئاب ما بعد التخرج"، يشير وفقًا لموقع "Medical News Today"، إلى مجموعة أعراض اكتئابية تظهر فور انتهاء الشخص من دراسته الجامعية، ورغم أنه ليس تشخيصًا طبيًا رسميًا مسجلًا في أدلة الطب النفسي، فإنه يعبر عن تجربة قاسية وواقع ملموس يتماهى معه الكثير من الشباب عند الارتطام بالفراغ المفاجئ.

وفي تقرير بعنوان "Graduation blues: how to handle the move back home" عام 2001، تشير الجارديان البريطانية إلى أن هذه المرحلة قد يصاحبها شعور بالحزن والفراغ وفقدان الهوية، نتيجة الابتعاد عن الأصدقاء وانتهاء الروتين الجامعي، إلى جانب الضغوط المرتبطة بالبحث عن عمل ومقارنة الذات بزملاء بدأوا حياتهم المهنية، ويوصي التقرير بضرورة تقبل أن هذه المشاعر طبيعية لدى كثير من الخريجين، مع أهمية الحفاظ على العلاقات الاجتماعية، ووضع خطة واضحة للمرحلة المقبلة، والتواصل مع الأسرة لتخفيف حدة الضغوط المصاحبة للانتقال إلى الحياة العملية.

تحت التمرين

ورغم أنها حازت وظيفة بالفعل، فإن حظ رنا لا يختلف كثيرًا عن حظ سارة. رنا في الثالثة والعشرين من عمرها، أنهت دراستها في كلية الإعلام، وعلق مشروع تخرجها -الذي بشر بنجمة إعلامية جديدة- حملًا ثقيلًا فوق عاتقها أمام أحبائها الذين ينتظرون ظهورها على الشاشة. لكن الواقع لم يمنحها ذلك، بل وضعها فيما تصفه بـ"مرحلة أبدية" من التدريب، تقول "كيف أشرح لهم أنني بعد التخرج، ومئات المبادرات والتحقيقات، لا أزال في نظر المؤسسات مجرد (صحفية تحت التمرين)؟ كيف أفسر لوالدي أن العمل 10 ساعات يوميًا في التغطيات الصحفية لا يعني بالضرورة الحصول على أجر، ولا حتى على كارنيه نقابي يحمل اسمي"؟

وتضيف "المرعب ليس غياب المقابل المادي فقط، وإنما الهدم المنهجي للثقة بالنفس. أصبحت أتهرب من التجمعات العائلية، خشية أن يسألني أحد: (مفيش جديد؟) أو (هتطلعي على الشاشة امتى؟)".

وليست "رنا" سوى نموذج لسلسلة طويلة من الخريجين الذين يجدون أنفسهم فور المغادرة من أبواب الجامعة بين فكي التوقعات المجتمعية العالية، وواقع سوق العمل القاسي، إذ وصل معدل البطالة في مصر إلى 6.3% خلال عام 2025، وفقًا للـدكتورة إيمان حسن، مدير عام إحصاءات العمل بالجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

ووفقًا لـبيانات السكان الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في يناير 2026، يبلغ عدد الشباب في الفئة العمرية من 18 إلى 29 سنة نحو 21.5 مليون نسمة، وهو ما يمثل 19.8% من إجمالي السكان، موزعين بين 51.9% من الذكور و48.1% من الإناث.

وفي 2025، أصدر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء النشرة السنوية لخريجي التعليم العالي والدرجات العلمية العليا لعام 2024، وأظهرت النشرة أن إجمالي عدد خريجي التعليم العالي بلغ نحو 743.1 ألف خريج، مقارنة بـ752.8 ألف خريج في عام 2023.

كول سينتر المؤرخين

منذ السابعة صباحًا وحتى الثالثة ظهرًا، يرتدي محمود (24 عامًا) سماعة الرأس الكبيرة، ويجلس أمام شاشته في أحد مراكز الكول سينتر، ومهمته اليومية ليست تحليل النص التاريخي أو مراجعة الوثائق كباقي زملائه المتخصصين، وإنما الاستماع لشكاوى العملاء الغاضبين وحل مشكلات التوصيل.

تخرج محمود من كلية الآداب قسم التاريخ بتقدير "جيد جدًا"، وكان حلمه الأكاديمي والمهني يتلخص في العمل بالمتاحف، أو مراكز الأبحاث، أو التدريس، ويقول لـ"فكر تاني" "كنت أقضي ساعات طوال بين المخطوطات والكتب في الكلية، وأحلم باليوم الذي أقف فيه مدرسًا أو باحثًا أثريًا، لكن بعد التخرج، اكتشفت أن سوق العمل لا يحتاج إلى مؤرخين".

ومرت 8 أشهر بعد التخرج ومحمود يبحث عن فرصة في مجاله دون جدوى، يواجه ردودًا نحو لا توجد تعيينات حاليًا" أو "المجال يتطلب خبرة ميدانية طويلة"، ومع تراكم الضغوط المادية ونظرات الشفقة من المحيطين، اضطر محمود للقبول بأول وظيفة متاحة للإنفاق على نفسه، فأصبح موظف خدمة عملاء، ويضيف "الصدمة الحقيقية ليست في صعوبة العمل، وإنما في التخلي الفجائي عن الأحلام. كل يوم أرتدي فيه السماعة، أشعر أنني أخلع عقلي ورغباتي عند الباب، وتصيبني نوبات انزلاق نفسي".

ودخل محمود في حالة صامتة من "اكتئاب ما بعد التخرج"، فتظاهر بالرضا أمام أسرته لأنه يوفر دخلًا شهريًا، لكنه في الداخل كان يعيش حدادًا مستمرًا على شغفه المقتول، وتحول العمل إلى مجرد آلة لجمع المال.

خلخلة الهوية تطارد الخريج

لا تتوقف أزمة محمود عند اضطراره إلى العمل خارج تخصصه، وإنما تمتد إلى أثر هذا التحول على صورته عن نفسه ومستقبله، وهو ما يفسره الدكتور وليد هندي، استشاري الصحة النفسية، في حديثه لـ"فكر تاني"، إذ يقول إن كثيرًا من الخريجين يواجهون "اكتئاب ما بعد التخرج"، مشيرًا إلى أن الحالة قد تكون "اكتئابًا ظرفيًا" قصير المدى إذا جرى التعامل معها بشكل صحيح، في حين ترتفع احتمالات الإصابة بالاكتئاب لدى من لديهم تاريخ سابق معه.

ويوضح هندي أن أبرز أسباب هذه المشكلات يتمثل في التغير المفاجئ في نمط الحياة والروتين اليومي، بعدما اعتاد الطالب لسنوات على الجامعة والأصدقاء والأنشطة، ليجد نفسه بعد التخرج أمام توقعات جديدة من الأسرة والمجتمع تتعلق بالعمل والاستقلال وتحمل المسؤولية، موضحًا أن الخريج ينتقل إلى أدوار اجتماعية جديدة، وقد يصبح مطالبًا بالتفكير في الزواج وتوفير المسكن والنفقات، فضلًا عن الضغوط المالية وفقدان جزء من شبكة الدعم الاجتماعي التي كانت توفرها الجامعة والأصدقاء والأساتذة والأسرة.

ويرى استشاري الصحة النفسية أن "خلخلة الهوية" تمثل أحد أبرز أسباب الاضطراب النفسي بعد التخرج، إذ يدخل الطالب المرحلة الجديدة بتوقعات كبيرة عن مستقبله، ثم يصطدم أحيانًا بواقع مختلف وسوق عمل لا يوفر له الوظيفة التي درس من أجلها، ما قد يقوده إلى الإحباط وفقدان الثقة بالنفس، ويحذر كذلك من الاستخدام المفرط للسوشيال ميديا، إذ تدفع المقارنة المستمرة مع زملاء حصلوا على وظائف أو بدأوا مشروعاتهم إلى تعميق الشعور بالفشل والضغط النفسي.

ويشير هندي إلى أن المشكلات النفسية المرتبطة بمرحلة ما بعد التخرج قد تظهر في صورة اليأس والإحباط وفقدان الحماس، والشعور بالخزي أو العار عند العمل في وظيفة بعيدة عن التخصص، إلى جانب اضطرابات النوم والقلق والحزن والعزلة الاجتماعية واضطراب الشهية وفقدان المتعة بالأشياء المعتادة، ويضيف أن البعض قد يعاني من صعوبة التركيز والنسيان، أو ما يعرف بـ"الضباب الدماغي"، في حين يحاول آخرون ملء الفراغ بالسهر أو التدخين أو الإفراط في استخدام السوشيال ميديا، محذرًا من أن بعض الحالات قد تصل إلى أفكار إيذاء النفس أو الانتحار، وهو ما يستدعي طلب المساعدة المتخصصة وعدم التعامل معها باعتبارها مجرد مرحلة عابرة.

ويشدد على وضع أهداف واقعية وقابلة للتحقيق، والتحلي بالصبر والمرونة، والحفاظ على نمط حياة صحي، والمشاركة في الأنشطة الشبابية والتطوعية، مؤكدًا أن الوظيفة الأولى ليست بالضرورة نهاية الطريق، وأن تطوير الذات قد يساعد الخريج لاحقًا على الوصول إلى المجال الذي يطمح إليه.

فجوة أمام الحكومة والبرلمان

تتعامل الجامعات والمؤسسات التعليمية مع قضية التخرج وفق صيغة تقليدية، هي "تسليم الشهادة وإغلاق الملف"، فيترك الخريج ليدير صدمته الفردية مع سوق العمل، من دون أن تتحمل هي مسؤولية تقييم المخرجات ومدى مواكبتها لاحتياجات الشارع الحقيقية.

وفي مقابل هذه الفجوة الميدانية، تركز رؤية الدولة على مرحلة التوعية المبكرة قبل دخول الجامعة، إذ أوضح الدكتور عادل عبد الغفار، المتحدث الرسمي لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، أن اختيار التخصص يمثل خطوة مهمة في بناء المسار الأكاديمي والمهني للطالب، مشيرًا إلى أهمية التعرف على التخصصات والبرامج الدراسية الحديثة التي تواكب التطورات العلمية والتكنولوجية واحتياجات سوق العمل.

ويقول المتحدث الرسمي إن الوزارة تواصل جهودها التوعوية من خلال نشر الأدلة الإرشادية والإنفوجرافات والفيديوهات عبر منصاتها الرسمية، لتعريف الطلاب بالمسارات التعليمية المختلفة ومساعدتهم على اتخاذ اختيارات واعية خلال مراحل التنسيق الإلكتروني، ودعا إلى عدم الانسياق وراء اختيارات الآخرين أو المعلومات غير الموثوقة، والاعتماد على المصادر الرسمية للتعرف على الكليات والتخصصات والبرامج الدراسية المتاحة، مع التأني في ترتيب الرغبات ومراجعتها قبل الحفظ النهائي، مؤكدًا أن الاختيار الصحيح لا يرتبط فقط بالالتحاق بكلية بعينها، وإنما باختيار التخصص والمسار التعليمي الذي يستطيع الطالب أن يحقق فيه طموحاته ويطور قدراته ويستعد من خلاله لمتطلبات مستقبله المهني.

ولا تتوقف أصداء هذه الفجوة داخل أروقة الجامعات، وإنما امتدت إلى قبة البرلمان، لتسلط الضوء على الجذر الهيكلي للأزمة والمتمثل في طريقة القبول والتقييم الأكاديمي نفسها، إذ تقدمت النائبة آمال عبد الحميد، عضو مجلس النواب، بـطلب إحاطة موجه إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير التعليم العالي والبحث العلمي، دعت فيه إلى إجراء مراجعة شاملة لمنظومة تنسيق القبول بالجامعات، بما يحقق توازنًا بين التفوق الدراسي والقدرات الفعلية للطلاب، ويربط القبول الجامعي باحتياجات سوق العمل المستقبلية.

وأكدت النائبة في طلبها أن التطورات المتسارعة في الاقتصاد والاعتماد على الذكاء الاصطناعي تفرض إعادة النظر في آليات الاختيار لتوجيه الطالب نحو المجال الذي يتناسب مع قدراته العلمية وميوله، عوضًا عن الاعتماد المطلق على "المجموع النهائي" في الثانوية العامة، موضحة أن النظام الحالي يفرز طلابًا يلتحقون بتخصصات لا تتوافق مع شغفهم أو قدراتهم، في حين يحرم آخرون من دراسة التخصص الذي يمتلكون فيه تميزًا حقيقيًا بسبب فروق محدودة في الدرجات، وهو ما ينعكس لاحقًا على جودة الخريجين وكفاءة سوق العمل وصدمتهم الميدانية عقب التخرج.

روشتة قد تحسن الوضع

تضع دينا عامر، خبيرة موارد بشرية بشركة "توظيف" سابقًا، في حديثها لـ"فكر تاني"، أيديها على الخلل الهيكلي في طريقة تعاطي الخريج الجديد مع سوق العمل، فتقول "يخرج الطالب من الجامعة وهو يعتقد أن التفوق الأكاديمي وحده كفيل بفتح الأبواب فورًا، لكن الواقع الميداني لا يبحث عن "الشهادة" بقدر ما يبحث عن "حل المشكلات والمهارات العابرة للتخصصات""، وتضيف أن "غياب ردود الشركات على السير الذاتية ليس حطًا من قدر الخريج، وإنما هو نتاج كثرة المتقدمين واعتماد الشركات على أنظمة تصفية آلية (ATS) تفرز المهارات العملية لا الدرجات الأكاديمية".

وفيما يخص "مصيدة التدريب الأبدي" والعمل غير المدفوع، تحذر خبيرة الموارد البشرية الخريجين من الوقوع في فخ التردد الاستغلالي، فتقول، إن "هناك خط فاصل وواضح بين التدريب بغرض التأهيل، وبين الاستغلال المهني، فالتدريب الحقيقي يجب ألا يتجاوز من 3 إلى 6 أشهر كحد أقصى، ويكون مصحوبًا بخطة تقييم واضحة ومكافأة رمزية على الأقل، وفور أن تتحول وظيفة المتدرب إلى شغل مقعد ثابت وتأدية مهام موظف أساسي دون مقابل، يجب على الخريج الانسحاب فورًا، لأن البقاء مجانًا يبعث برسالة للمؤسسة بأن طاقته بلا قيمة مالية".

وتنصح خبيرة الموارد البشرية الخريجين بضرورة المرونة مع ما يحدث بعد التخرج، قائلة "القبول بوظيفة مؤقتة في غير التخصص ليس تقليلًا من شأن الذات، وإنما هو إثبات للجدية والقدرة على التكيف، فسوق العمل يتغير بسرعة، والشركة التي لا تجد فيك شغف التعلم الذاتي والتأقلم مع الأدوات الرقمية الحديثة لن تمنحك الفرصة، بغض النظر عن تقديرك الجامعي".

وتثبت هذه الأرقام والشهادات أن "اكتئاب ما بعد التخرج" ليس ضعفًا شخصيًا ولا كشطًا في إرادة الشباب، وإنما عرض طبيعي لاصطدام كتلة بشرية تقارب خمس المجتمع، أي 21.5 مليون شاب، بآليات سوق عمل قاسية، وحلقة مفقودة بين ما تنتجه المدرجات الجامعية وما تطلبه صالات التحرير والشركات.


  • الأسماء مستعارة بطلب من أصحابها.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة