الهروب من الفقر إلى الموت.. حكاية أنفار قرى وادي الملاك

لم أكن أعرف، وأنا في طريقي إلى وادي الملاك لتغطية العزاء الجماعي لـ 14 من الضحايا الذين لقوا حتفهم في حادث "وادي الدواويس"، أن الطريق إلى العزاء نفسه سيكون جزءًا من الحكاية.

في "خط وادي الملاك"، كما يسميه الأهالي، تبدو البيوت محاصرة بالمياه من جانبي الطريق؛ ترعة هنا وأخرى هناك، وبينهما طرق ترابية ضيقة ومتهالكة، وللوصول إلى بعض المنازل، لا يملك السكان سوى عبور جذوع النخل، أو ألواح خشبية متراصة، أو جسور أسمنتية ضيقة لا يتسع بعضها إلا لشخص واحد.

لا تبدو هذه المعابر استثناءً في حياة القرية، بل جزءًا من يومها العادي؛ طريقًا يعبره الأطفال إلى مدارسهم، والشباب إلى أعمالهم، والنساء إلى بيوتهن، فيما يصبح السقوط في المياه احتمالًا يوميًا لا يملك أحد رفاهية تجنبه.

وصلتُ إلى قرية أبو عزباوي، التي أُقيم سرادق العزاء الجماعي فيها، والذي تكلفت المحافظة بإقامته، وبجوار السرادق كان هناك كوبري خشبي جديد جرى تجهيزه يسمح بمرور نحو خمسة أشخاص معًا بدلا من المعبر القديم، في محاولة لتسهيل وصول المسئولين إلى مكان العزاء.

لكن الكوبري الجديد لم يستطع أن يخفي ما تحته.

أسفل الألواح الخشبية، كانت المياه راكدة ومحاصرة بأكوام من القمامة والمخلفات وبقايا النباتات والحشائش، وأكياس بلاستيكية وعبوات فارغة، وكأن الوقت لم يسعف الأجهزة المحلية لإزالتها، فبدا الأمر كأن طبقة جديدة من الخشب أُضيفت فوق مشكلة أقدم بكثير؛ معبر يمكن تجهيزه في ساعات، لكن لا يمكن لجسر أن يخفي سنوات من الإهمال المتراكم تحته.

وصلتُ مبكرًا إلى سرادق العزاء، وكان الرجال يتجمعون بداخله وفي محيطه، فيما غابت النساء عن السرادق؛ إذ استقبلت كل أسرة نساء القرية والمعزيات في منزلها.

وبينما كان الطريق يستعد لاستقبال المحافظ، كانت القرية لا تزال تحمل آثار الحادث الذي أعاد العمال إلى بيوتهم محمولين على الأكتاف، ففي صباح الثلاثاء الماضي، كان الطريق المؤدي إلى القصاصين بالإسماعيلية يحمل عشرات العمال الذين خرجوا بحثًا عن يومية تعينهم على الحياة، داخل صندوق سيارة ربع نقل مكشوفة، تكدس العشرات من العمال، في طريقهم إلى أماكن العمل في المزارع.

وحسب تحقيقات النيابة انفجر الإطار الخلفي الأيمن لإحدى مركبتي الربع نقل، فانحرفت السيارة فجأة إلى الاتجاه المقابل، لتصطدم بمركبة أخرى، لتتحول رحلة العمل إلى مأساة جماعية، نتج عنها وفاة 19 شابًا و30 مصابًا، بينهم عمال يومية تتراوح أعمارهم بين 9 و50 عامًا، كانوا يبحثون عن بضعة جنيهات في نهاية يوم شاق.

حكايات خلف الطوب الأحمر

ولعل كلمات محمود درويش في قصيدته «لا أعرف الرجل الغريب» تلخص شيئًا من هذه الحكاية؛ حين يقول: «فإن أسباب الوفاة كثيرةٌ من بينها وجعُ الحياة»، ففي وادي الملاك، لم يكن الموت نتيجة لحظة اصطدام وحدها، وإنما جاء في نهاية طريق طويل من الاحتياج؛ شباب خرجوا قبل شروق الشمس بحثًا عن يومية، وطلاب حملوا فوق أعمارهم مسؤوليات أسرهم، وأسر دفعت أبناءها إلى العمل لأن الفقر لم يترك لهم خيارات أخرى.

عبرتُ "المعدية" الخشبية الهشة إلى الجانب الآخر بعد تردد دائم لأكثر من 3 دقائق خوفا من السقوط، لمقابلة والدة كريم عبد الفتاح ابن الـ17 عامًا، طالب الصف الثالث الثانوي، الذي كان يعمل في المزارع حتى يستطيع مواصلة تعليمه ومساعدة أسرته. لفت نظري الشوارع الداخلية والتي تكشف وجهاً آخر؛ ممرات ترابية ضيقة، بيوت بالطوب الأحمر، وأسلاك كهرباء متشابكة فوق الرؤوس، استقبلني  صمتٌ جنائزي أثقل من الجدران في منزل كريم، النساء يجلسن في حلقات، وجوههن عليها ملامح الضعف والحزن الشديد، نظراتهن لي كانت حذرة، تشعرني بأنني "غريبة".

وفي قلب هذا السكون، عرفت عن نفسي وبدأت "صباح"، والدة كريم، الذي غادر المنزل فجراً ولم يعد تحكي حكايتها بنبرة يمتزج فيها الفخر بالانكسار: «أنا كنت بطلع أشتغل باليومية، أجمع خيار وطماطم وأشتغل في الفلاحة، عشان أساعد ولادي في تعليمهم.. إحنا بنحاول نعلّمهم عشان يطلعوا من الفقر اللي إحنا فيه، التعليم هو النور الوحيد اللي قدامهم بدل الضلمة اللي عايشين فيها.. كريم كان يقولي: ما تطلعيش يا أما، اللي إنتِ عايزاه هجيبهولك».

تقول لـ فكر تاني :"كنت أتمني يعيشوا حياة كريمة ويوم عادي بدون شقا زي الناس، لكن كنت عارفة أن الأرض اللي بخرج لها كل صباح متضمنش لينا غير دخل يوم بيوم علشان كده اتمسكت بتعليم ولادي"، كان كريم بيحلم يدخل كلية التجارة، وكان متفوق في دراسته: «كان شاطر في علمه، كنت بكافح معاه عشان يروح دروسه وميفوتش ولا درس».

وعن حال أسرتها تقول صباح: «كريم عنده أخت بنت تدرس في كلية الأزهر، وأخ تاني متجوز دلوقتي بس عامل حادثة ومركب 8 مسامير في رجله، واخد تالتة ثانوي بس مش بيعرف يقرأ ويكتب أوي عشان هو اللي كان شايل المسؤولية من الأول، ولما عمل الحادثة قعد خالص، ووالدهم بيشتغل باليومية بس تعبان (غضاريف الرقبة)».

وتضيف :«بدأ كريم العمل في المزارع منذ بداية الصيف؛ يجمع البرتقال والمانجا والليمون، ولم يكن لديه أجر ثابت؛ فالعمل بنظام الإنتاج، 100 و200 جنيه وقد تصل إلى 300 جنيه لمن ينجز كمية أكبر»، وقبل المزارع، حاول كريم البحث عن استقرار في مصانع العاشر من رمضان، لكنه اصطدم بظلم القوانين غير المعلنة. ذهب لمصنع «جلاتي»، وحين عرفوا أنه طالب، خُصم من أجره 1000 جنيه: «إنت مش قلت لنا إنك طالب؟». فعاد كريم للعمل باليومية لأنها تمنحه مرونة للذهاب لدروسه.

الوعد الذي قطعه الفقر

كان يوم كريم يبدأ في الخامسة صباحاً، يركب سيارات "الأنفار" المكدسة، يذهب للصالحية أو أبو سلطان، ويعود ليتحول مرة أخرى إلى طالبٍ يطارد حلمه، وفي كل مرة كان يرى فيها أمه تستعد للخروج للحقول، كان يحاول أن يحمل عنها الثقل: «ما تطلعيش يا أما، اللي إنتِ عايزاه هجيبهولك».

جملة قصيرة تختصر تحولاً قسرياً فرضه الفقر؛ فالابن الذي كان يجب أن يُحمل، كان يحاول أن يَحمل، حالماً بحياة لا يكون فيها دخل الأسرة مرهوناً بعدد صناديق الخيار والمانجة المجمعة. لكن كريم لم يوفِ بوعده؛ ليس لأنه تراجع، بل لأن الإطار الذي انفجر في سيارة "الهينو" المكدسة بأكثر من 30 عاملاً، كان أسرع من أحلامه.

خرجت من منزل كريم محملة بالحزن وخيبة الأمل، في طريقي إلى بيت الشهيد محمد السيد محمد الطالب بالصف الثاني الثانوي التجاري، وبينما كنت أقف أمام الجسر، وسط هذا المشهد، اقترب مني طفل لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره، يحمل في ملامحه براءة لم تلوثها قسوة المكان، ناداني بابتسامة خجولة: «صوريني يا أستاذة».

سألته عن الحادث، فأجاب بعفوية: «كانت هناك، قريب من محول الكهربا، أنا كنت بروح معاهم..» لكنه لم يكمل جملته حيث باغتته يد رجل يقف إلى جواره بـ«قرصه» حادة في جنبه، كانت كافية لتقطع الكلام في حلقه، فتوقّف الطفل عن الكلام، وانكمش قليلًا، بينما ظل الرجل إلى جواره يراقب الموقف، في لحظة واحدة، بدا واضحًا أن وراء صمت الصغير شيئًا أكبر من الخجل وهو الخوف من أن تكشف كلماته ما لا يريد الكبار أن يصل إلى الخارج؛ أن الطفل نفسه واحدا من «الأنفار» الذين يخرجون مع الفجر إلى المزارع، وأن العمل الذي يفترض أن يكون للكبار يمتد إلى أطفال لم يبلغوا بعد الثانية عشرة.

وأنا أبتعد عن الطفل، ظلّت جملته الناقصة تلاحقني، تابعت السير في الطريق الترابي المؤدي إلى المنزل الآخر، البيوت متقاربة من الطوب الأحمر، وممرات ضيقة، ومياه تحاصر المكان من جهاته، وأناس يتحركون في صمت بين بيوت أقيمت فيها سرادقات العزاء، كان كل بيت أمرّ به يبدو كأنه يحمل نسخة أخرى من الحكاية نفسها وهو شباب تخرج في الصباح لتعود ببضعة جنيهات، ثم يعودون محملين بخيبة الأمل إلى البيت.

في الطريق إلى منزل الضحية الأخرى، فكرت في أن الفقر لا يدفع الناس إلى المخاطرة دفعة واحدة؛ بل يعلّمهم، يومًا بعد يوم، أن يتعايشوا معها حتى تبدو لهم طبيعة، يصبح الجسر الخشبي طريقًا عاديًا، والسيارة المكتظة وسيلة معتادة، والخروج قبل الفجر إلى المزارع جزءًا من روتين الحياة، وربما لهذا لم يعد السؤال في وادي الملاك: كيف يعيش الناس في كل هذا الخطر؟ بل كيف استطاعوا أن يعتادوه إلى هذا الحد؟.

كان المشهد يذكّرني بفكرة ألبير كامو عن الإنسان الذي يواصل دفع صخرته كل يوم، لا لأن الطريق سهل، وإنما لأنه لا يملك رفاهية التوقف، هنا أيضًا، كان أبناء وادي الملاك يدفعون صخرة الفقر كل صباح؛ يخرجون إلى العمل كي يستطيعوا العودة إلى الدراسة، ويعملون كي لا يطلبوا من آبائهم جنيهًا، ويعبرون المياه كي يصلوا إلى الطريق، ثم يركبون سيارات مكتظة كي يصلوا إلى المزرعة،  لكن صخرة الفقر، هذه المرة، لم تعد إلى مكانها فقط؛ سحقت من كان يدفعها.

ومع استمرار السير، ظل الجسر والماء خلفي، لكن المشهد الذي تركه لم يغادرني،  كان هناك شيء شديد القسوة في أن يُبنى معبرا جديدا لأن مسؤولًا قادما، بينما ظل المكان الذي يعبر منه الأطفال والعمال كل يوم غارقًا في المخلفات والإهمال.

بعد خطوات قليلة، وصلت إلى منزل آخر من المنازل التي فقدت أبناءها، فوجدت الخال يحكي عن الضحية الأخرى، محمد السيد محمد، 17 عامًا، طالب بالصف الثاني الثانوي التجاري، الذي لم يكن يخرج إلى العمل بحثًا عن رفاهية أو مال زائد، وإنما كان يحاول أن يدفع عن نفسه تكلفة المدرسة، وألا يمد يده إلى أبيه كلما احتاج جنيهًا.

يقول خاله لـ فكر تاني : «محمد كان بيطلع يسترزق عشان يصرف على نفسه في المدرسة بدل ما يقول لأبوه هات جنيه، اليومية بتاعته 100 جنيه، من الساعة 5 الصبح لـ1 الضهر وأوقات بتوصل لـ 6 مساءًا وكان الأصغر في أخوته، وأخوه التاني في الجيش وحالتهم على قد حالهم ربنا يعينهم، وأبوه فلاح وتعبان وعنده غضروف في الرقبة، يوم شغال و10 قاعد. بيطلع يسترزق بدل ما يظل معتمد على والده في مصروفاته».

كانت الجملة تتوقف عند «هو الأصغر»، لكنها كانت تكفي لتعيدني إلى الطفل الذي قابلته قبل دقائق؛ الطفل الذي أراد أن يتكلم، ثم أوقفته قرصة من شخص آخر، فبين الطفل الذي لم يتجاوز الثانية عشرة، ومحمد الذي بلغ السابعة عشرة، لم تكن المسافة سوى سنوات قليلة، لكن الطريق بينهما كان واحدًا: مدرسة من جهة، ومزرعة من الجهة الأخرى، وفقر يدفعهما إلى محاولة الجمع بينهما.

وعن الفاجعة الجماعية يقول لـ "فكر تاني" : «القرية فقدت 14 شخصاً في الحادث، بينهم شقيقان، وعزبة مجاورة فقدت 5 أشخاص.. أعمارهم بين 17 - 20 عاماً، ولا يرى الأهالي أن خروج هؤلاء الشباب للعمل كان رفاهية أو اختيارًا، بل نتيجة مباشرة لظروف اقتصادية صعبة، يقول أحدهم: «مفيش أم تطلع ابنها بالطريقة دي إلا لما تكون محتاجة.. الناس هنا حالتها تعبانة خالص».

علق أحد الأهالي بتهكم « الحكومة بترش مياه عشان تمهيد الطريق المكسر، جايين بعد الكارثة ما حصلت يداروا الخراب.. إحنا لا عايزين تعويضات ولا عايزين حاجة منهم، كل اللي عايزينه نظرة اهتمام ويصلحوا الطريق اللي بيموّتنا كل يوم، ويعملوا لنا معديات حقيقية لبيوتنا بدل الجسور اللي بنخاف نعدي عليها».

فيما يقول أحد سكان وادي الملاك لـ فكر تاني" –رفض نشر اسمه-، إنه يعيش في المنطقة منذ 28 عامًا، وإن الطريق ظل طوال هذه الفترة على حاله، دون تطوير حقيقي، مشيرًا إلى أن أعمال إصلاح مؤقتة تظهر، في بعض المناسبات والانتخابات، ثم تعود الأوضاع إلى سابق عهدها، ويضيف: «كل سنة في أيام الانتخابات ييجوا يرشوا كم لقمة زلط على الطريق عشان يعرفوا يعدوا ويقولوا هنرصف الطريق».

ويرى الأهالي أن تكرار الحوادث على الطريق لم يعد أمرًا مفاجئًا، إذ تقول أحدهم لـ فكر تاني: «كذا حادثة حصلت على الطريق ده.. عربية تقع من هنا وعربية تقع من هنا»، ويصف الأهالي ما يحدث بأنه نتيجة لتراكم سنوات من الإهمال، مؤكدين أن الطريق لا يمثل مجرد مشكلة في البنية التحتية، وإنما يرتبط مباشرة بأرواح سكان المنطقة الذين يستخدمونه يوميًا.

ولا تقتصر شكاوى الأهالي على الطريق، إذ يتحدثون عن نقص الخدمات من انقطاع الكهرباء المتكرر والمياه بالإضافة إلى رائحتها، وصعوبة الأوضاع المعيشية، وشعورهم بأن قريتهم بعيدة عن اهتمام المسؤولين.

ويقول أحد الأهالي إن غالبية السكان يعملون بالأجرة، وإن الشباب يخرجون للعمل لمساعدة آبائهم، مضيفًا: «الكل هنا شغال بالأجرة عشان يساعد أهله مفيش حل غير كده نشتغل ولا نسرق ولا نطلع نشحت»، " أفسم بالله ثلاجتي باظت أول امبارح بسبب الكهرباء عماله تقطع وتيجي ومفيش صرف ولا غاز والأنبوبة 360جنيه".

وقفتُ في منتصف الجسر الخشبي وأنا أغادر، اهتز الخشب تحت قدمي مرة أخرى، فتذكرتُ الطفل الصامت، وكريم الذي لم يصل، وأمه التي لا تزال تسمع صوته: «ما تطلعيش يا أما»، والجسر الذي يتم بناءه ليخدم المسؤول يوماً واحداً، لكن الأهالي يعبرون فوق "العدم" كل يوم، وتحت الجسر تظل المياه محاصرة بالمخلفات، تماماً كما تظل القرية محاصرة بين الفقر والإهمال.. هناك ما يمكن تجميله بالزينات، وهناك ما لا يمكن ستره أبداً.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة