في لهيب صيف 2017، وبعد نحو سبعة أشهر فقط من تحرير سعر صرف الجنيه، كان "أ.م." الأربعيني ينظر من نافذة طائرة تغادر مطار القاهرة، مصطحبًا زوجته وابنتيه إلى كندا بتأشيرة هجرة. ودَّع موقعه أستاذًا مساعدًا للموسيقى في واحدة من أبرز مؤسسات تعليم الفنون في مصر، وراتبًا شهريًا لا يتجاوز 9 آلاف جنيه مصري، وحياة ظلت تمنحه لسنوات الحد الأدنى من مكانة الطبقة الوسطى، قبل أن تميد الأرض تحت قدميه كأنها رمال متحركة تبلع كل شيء من الأحلام إلى الستر.
فقد أعلن البنك المركزي المصري، في 3 نوفمبر 2016، الانتقال إلى نظام سعر صرف محرر، وخلال الصدمة الأولى قفز سعر الدولار من نحو 8.78 جنيه إلى 17.63 جنيه. وتصف ورقة بحثية منشورة على موقع البنك الدولي ما جرى بأنه خفض واسع لقيمة العملة تجاوز 50%، أعقبه ارتفاع التضخم إلى أكثر من 30%، بينما تجاوزت زيادات أسعار الغذاء 40%، واستمرت الموجة التضخمية خلال معظم عام 2017. وهكذا ظل راتب "أ.م." كما هو، غير أن قيمته الحقيقية تبدلت، إذ إن المبلغ الذي كان يعادل قبل التعويم ما يقترب من ألف دولار أمريكي، أصبح بسعر الصرف الجديد يدور حول 500 دولار فقط. فبقي أستاذ الجامعة يتقاضى الرقم نفسه تقريبًا، لكنه لم يعد قادرًا على شراء الحياة نفسها.
ولم يكن "أ.م." من أفقر المصريين، أو غادر بحثًا عن النجاة من الجوع، إذ كان ينتمي إلى الفئة التي يُفترض أن يحميها التعليم والعمل المستقر أستاذ جامعي، وزوج وأب لابنتين في مقتبل العمر، إحداهما في المرحلة الثانوية والأخرى في الابتدائية، وأسرة اعتادت أن تتحمل تكاليف السكن والتعليم والعلاج، وتحافظ ولو بصعوبة على مستوى اجتماعي معقول وسيارة تساعدها على التنقل في العاصمة الصاخبة. غير أن هذه الفئة تحديدًا بدأت تكتشف أن المسافة التي تفصلها عن السقوط لم تعد بالاتساع الذي تخيلته، وهو ما تدعمه دراسة للبنك الدولي بعنوان "فهم الفقر وعدم المساواة في مصر"، إذ أظهرت محاكاة الآثار القصيرة الأجل لحزمة الإصلاحات الاقتصادية أن جميع الفئات تعرضت لخسائر في الرفاه، وأن الطبقة الوسطى والفئات الأعلى منها تكبدت أكبر خسائر مطلقة، في حين كان الفقراء الأكثر تضررًا نسبيًا قياسًا إلى حجم استهلاكهم. كما أشارت الدراسة إلى أن الآثار التضخمية لتحرير سعر الصرف كانت من أكبر مصادر الخسارة في الأجل القصير، وكشفت أن الطبقة الوسطى تصرف قرابة 20% من إجمالي إنفاقها على الصحة والتعليم والانتقال، مقابل 13.7% لدى الفقراء، وهي بنود يصعب على الأسرة تقليصها من دون أن تتنازل عن جزء من موقعها الاجتماعي ومستقبل أبنائها.
وفي تلك الأشهر، لم يكن الجنيه وحده هو الذي يفقد قيمته، فقد كانت الشهادة الجامعية والوظيفة المستقرة وفكرة الترقي عن طريق التعليم والعمل تفقد جزءًا من قيمتها أيضًا. ووجد "أ.م." نفسه ضمن جيل من المتعلمين لم يعد سؤاله الوحيد كيف أُحسن دخلي داخل مصر؟ وإنما كيف أنقل أسرتي إلى اقتصاد يستطيع فيه الراتب حماية ما بناه التعليم؟ ومن نافذة الطائرة، أخذت مباني القاهرة تتراجع في الأسفل، مكعبات رمادية يعلوها الغبار كأنها تلفظ أحمالها، وكان المشهد "قابضًا للقلب"، وثقيلًا على رجل يقول إنه ما زال يعشق مصر، لكنه استعاد في تلك اللحظة بيت أحمد رامي "الهجر أهون من عذابي في قربك"، حسب حديثه لـ"فكر تاني". فلم يكن يكره مصر، وإنما كان يخشى أن يظل قريبًا منها حتى يعجز عن حماية نفسه ومستقبل ابنتيه.
وعندما حلقت الطائرة فوق تورونتو، أخذ "أ.م." وأسرته يشاهدون من النوافذ المساحات الخضراء والبيوت والحدائق، ويقول مستعيدًا لحظة الوصول "كنت خارجًا من بيئة شعرت فيها بالخراب، ثم وجدت مدينة نظيفة ومنظمة". وبعد وصوله، سُئل عن مهنته ودخله السابق، فأجاب بأنه أستاذ جامعي، ثم شعر بالحرج عندما قارن ما كان يتقاضاه بما تتيحه كندا لبعض الوافدين الجدد خلال مرحلة تعلم اللغة والاندماج. وعندها لم يعد الفارق بالنسبة إليه بين بلد غني وآخر فقير فقط، وإنما بين مجتمعين يضع كل منهما قيمة مختلفة للتعليم والعمل.
ومع ذلك، لم تكن الهجرة مصعدًا فوريًا إلى النجاح، إذ تنقل أستاذ الموسيقى بين العمل في الأوركسترا ووظائف مؤقتة، ثم بدأ دراسة إدارة الأعمال، بعدما لم يتمكن سريعًا من استعادة موقعه الأكاديمي. وبعد تسع سنوات من مغادرته مصر، يحمل الآن الجنسية الكندية، وتدرس ابنته الكبرى العلوم السياسية، بينما أنهت الصغرى المرحلة الثانوية من دون دوامة الدروس الخصوصية. أما هو فلا يقدم تجربته باعتبارها انتصارًا كاملًا، ويقول باختصار لـ"فكر تاني" "حققت نصف نجاح"، لكن نصف النجاح، بالنسبة إليه، كان أكثر أمانًا من انتظار خسارة كاملة في مصر.
و"أ.م." واحدًا من وجوه جيل خرج من مصر في أعقاب صدمة 2016، ثم جاءت تعويمات أخرى، وموجات تضخم أشد، وأسر جديدة لم تعد تنظر إلى الهجرة باعتبارها رحلة لزيادة الدخل فقط، وإنما "وسيلة للتحوط" من تآكل الجنيه وحماية التعليم والمكانة الاجتماعية ومستقبل الأبناء.
تحدي الأفندية
يقف الأفندية الجدد، أصحاب الشهادات والمهن والوظائف الذين ظل التعليم لعقود جواز عبورهم إلى الطبقة الوسطى، أمام تحدٍ حقيقي، فعندما يفقد الراتب قدرته على حماية الحياة، هل تصبح الهجرة وسيلة لحماية الدخل، والجنسية الثانية وثيقة تأمين لدى قطاعات من الطبقة الوسطى ضد السقوط؟
لا تثبت قصة "أ.م." بمفردها أن تآكل الأجور تسبب في هجرة عقول الطبقة المتوسطة، لكنها تكشف الآلية الإنسانية التي قد تختبئ خلف الأرقام. وبين 2018 و2024، ارتفع عدد أذون الحصول على جنسية أخرى من 2,694 إلى 4,220 إذنًا، رغم التقلبات السنوية وبلوغه الذروة عند 4,418 إذنًا في 2023، وفي الوقت نفسه ارتفعت نسبة المحتفظين بالجنسية المصرية بين المأذون لهم بالحصول على جنسية أخرى من 47.7% إلى 71.2%، حسب بيانات مركز التعبئة والإحصاء.
ويتتبع هذا التحقيق ثلاثة مسارات متوازية ما حدث لقيمة العمل داخل مصر؟ ومن خرج عبر مسارات الهجرة والعمل بالخارج؟ ومن وصل بعد سنوات إلى مرحلة الحصول على جنسية أخرى؟ ليكشف مؤشرًا لخروج المصريين بعد صدمات التعويم. فلبناء المسار الأول، راجع التحقيق بيانات الأجور والتوظيف والأسعار الواردة في الكتب الإحصائية السنوية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وربط متوسطات الأجور الاسمية بالرقم القياسي لأسعار المستهلكين، لقياس ما تبقى فعليًا من القوة الشرائية للراتب بعد استبعاد أثر التضخم. أما مسار الخروج، فاعتمد على نشرات المصريين الذين حصلوا على موافقة للهجرة بالخارج والمصريين الذين اكتسبوا صفة المهاجر، السنوية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، إلى جانب بيانات تصاريح العمل، التي تكشف عن خصائص المسجلين من حيث التعليم والعمر والمهنة وقطاع العمل والدولة المقصودة، لكنها لا تحصي كل مصري غادر البلاد. وفي المسار الثالث، حلل التحقيق أذون الحصول على جنسية أخرى، وفصل بين من احتفظوا بالجنسية المصرية ومن لم يحتفظوا بها، علمًا بأن هذه البيانات لا تسجل سنة الهجرة أو دوافعها، إذ إن الحصول على الجنسية غالبًا ما يأتي بعد سنوات من المغادرة والإقامة، ولذلك نستخدمها بوصفها مؤشرًا على الاستقرار القانوني طويل الأجل، لا باعتبارها رقمًا سنويًا للمهاجرين الجدد.
حدود البيانات
لا تقدم النشرات المصرية حصرًا شاملًا لجميع المصريين الذين غادروا البلاد، وإنما ترصد من دخلوا مسارات إدارية محددة للحصول على موافقة للهجرة أو اكتساب صفة المهاجر. كما أن بيانات التجنس تسجل أذون الحصول على جنسية أجنبية، ولا تكشف سنة المغادرة أو دوافعها، وغالبًا ما تعكس نهاية مسار بدأ قبل سنوات.
وكذلك لا تتبع بيانات البطالة والهجرة الأشخاص أنفسهم، ولا تسمح بإثبات أن التعطل أو تآكل الأجر كانا السبب المباشر في الرحيل. لذلك يقرأ التحقيق هذه السلاسل بوصفها مؤشرات متوازية تكشف السياق والاتجاهات وآلية اتخاذ القرار، لا بوصفها دليلًا حسابيًا على علاقة سببية.
ويؤكد الدكتور أيمن زهري، خبير السكان ودراسات الهجرة، وعضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، هذا التحفظ، فالنشرة، بحسب قوله لـ"فكر تاني"، "تصف مجموعة دخلت مسارًا إداريًا محددًا، ولا تمثل الحجم الفعلي للهجرة المصرية. وينطبق القيد نفسه على أذون الحصول على جنسية أخرى، إذ ترصد من تقدموا إلى السلطات المصرية لتسوية وضع قانوني أو إداري، ولا تحصي كل مصري تجنس في الخارج. لذلك تصلح هذه البيانات لوصف خصائص المسجلين واتجاهاتهم، لا لقياس إجمالي المهاجرين أو لإثبات أن صدمة اقتصادية بعينها دفعتهم إلى الرحيل". وبذلك يختبر التحقيق التزامن وآلية اتخاذ القرار، لا علاقة سببية حسابية بين التضخم والهجرة.
وهم الراتب
لم تتوقف الأجور الاسمية لكثير من المصريين عن الارتفاع بالجنيه خلال السنوات التالية، لكن المشكلة لم تعد في الرقم المكتوب بكشف الراتب، وإنما فيما يستطيع هذا الرقم شراءه في نهاية الشهر. ولفهم هذا التحول، وحّد التحقيق أربعة مؤشرات مختلفة عند نقطة بداية واحدة، إذ جعل قيمة كل مؤشر في 2018 مساوية لـ100 نقطة، ثم تتبع حتى 2025 مستوى الأسعار، وتكلفة الدولار بالجنيه، والقوة الشرائية لمبلغ اسمي ثابت قدره ألف جنيه مصري، وقيمته المقومة بالدولار.
وتكشف النتيجة ما يشبه مقصًا اتسعت ذراعاه عامًا بعد آخر، ففي اتجاه صاعد، وصل مؤشر مستوى الأسعار في 2025 إلى 269.2 نقطة، وارتفعت تكلفة الدولار إلى 277.1 نقطة، وفي الاتجاه المقابل هبطت القوة الشرائية المحلية للألف جنيه إلى 37.2 نقطة، وتراجعت قيمتها الدولارية إلى 36.1 نقطة. وبعبارة أبسط، ارتفع المستوى التراكمي للأسعار بنحو 169% مقارنة بعام 2018، وزادت تكلفة الدولار بالجنيه بنحو 177%، وفي المقابل فقد المبلغ النقدي الثابت قرابة 63% من قوته الشرائية داخل مصر، ونحو 64% من قيمته عند تحويله إلى الدولار.
لماذا لا تكفي الزيادة في الراتب؟
من هنا تولد ظاهرة "وهم الأجر"، إذ قد ينتقل راتب الموظف من خمسة آلاف إلى عشرة آلاف جنيه، فيشعر ظاهريًا أنه تضاعف، غير أن هذه الزيادة لا تكون حقيقية إذا كانت الأسعار قد ارتفعت بنسبة أكبر، فالراتب الاسمي يجيب عن سؤال كم جنيهًا يحصل عليه العامل؟ أما الراتب الحقيقي فيجيب عن السؤال الأهم ماذا يستطيع بهذه الجنيهات أن يشتري؟
ويشرح الخبير الاقتصادي أحمد السيد النجار هذه الفجوة بقوله لـ"فكر تاني"، إن "الراتب الحقيقي ليس عدد أوراق النقد، وإنما قدرته على شراء السلع والخدمات، هذا هو الراتب بجد"، ويرى أن قطاعات من الطبقة الوسطى وجدت، بعد تخفيضات الجنيه، أن دخولها ربما ارتفعت في دفاتر الأجور، بينما تراجعت قيمتها الفعلية، ما أجبر الأسر على إعادة ترتيب أولوياتها والدفاع عن مستوى التعليم والعلاج والسكن الذي يحدد موقعها الاجتماعي.
وتزداد الضغوط على الطبقة الوسطى لأنها لا تدافع عن الطعام والسكن وحدهما، وإنما عن موقع اجتماعي كامل، مثل تعليم الأبناء، والعلاج، والانتقال، ونوعية السكن، والقدرة على الادخار، والاحتفاظ بوظيفة تناسب سنوات التعليم. وحين تبدأ الأسرة في التنازل عن هذه العناصر، لا تشعر فقط بأن دخلها انخفض، وإنما بأنها تنزلق إلى طبقة اجتماعية أدنى. وفي هذه النقطة، تتغير وظيفة الهجرة، فلم تعد فقط رحلة للحصول على راتب أكبر، وإنما قد تصبح محاولة لنقل الدخل إلى عملة أكثر استقرارًا، والتعليم إلى نظام أقل استنزافًا، ومستقبل الأبناء إلى بيئة تبدو أكثر قابلية للتوقع.
ومع ذلك، يظل مؤشر قيمة الألف جنيه قياسًا افتراضيًا لمبلغ ثابت، فهل ارتفعت الأجور الفعلية بما يكفي لتعويض هذه الخسارة، أم أن العامل المصري حصل على زيادات اسمية أخفت وراءها تراجعًا حقيقيًا؟
القطاع الخاص دفع الثمن الأكبر
للإجابة، انتقلنا من سعر الجنيه إلى كشوف الرواتب، وقارنا متوسطات الأجور النقدية الشهرية في يوليو 2021 بمثيلاتها في يوليو 2024، ثم استبعدنا أثر ارتفاع أسعار المستهلكين في الحضر خلال الفترة نفسها. كما فصلنا بين القطاع العام والأعمال العام والقطاع الخاص، وبين الرجال والنساء، لتحديد ما إذا كانت موجة الغلاء قد وزعت خسائرها بالتساوي.
وأظهرت النتائج أن الزيادات الاسمية لم تحمِ جميع العاملين بالقدر نفسه، فبعد احتساب أثر التضخم، تراجع متوسط الأجر الحقيقي لذكور القطاع الخاص بنسبة 16.4%، وانخفض متوسط أجر الإناث في القطاع نفسه بنسبة 4.2%. وفي المقابل، استقر تقريبًا متوسط أجر الذكور في القطاع العام والأعمال العام، بتراجع محدود بلغ 0.5%، بينما سجل متوسط أجر الإناث زيادة حقيقية قدرها 5%.
وتكشف هذه المتوسطات تفاوتًا واضحًا في القدرة على ملاحقة الأسعار، إذ حافظ متوسطا أجور القطاع العام والأعمال العام على قيمتهما الحقيقية بدرجة أكبر، بينما تحمل القطاع الخاص الخسارة الأشد، وخصوصًا بين الرجال. غير أن الأزمة لا تتوقف عند قيمة الراتب، فهي تبدأ أحيانًا قبل الحصول عليه، عندما تكتشف الأسرة أن سنوات التعليم والشهادة الجامعية لم تعد تضمن وظيفة مناسبة أو طريقًا آمنًا للترقي الاجتماعي.
ومن موقعه في إحدى الدول الأجنبية، يلتقط عيسى إسكندر، رئيس اتحاد العمال المصريين في إيطاليا، أثر هذه الضغوط من الجهة الأخرى، إذ يرى أن تراجع القوة الشرائية وصعوبة تكوين مستقبل اقتصادي داخل مصر يدفعان قطاعات من الشباب إلى البحث عن فرصة في الخارج، لأن الشاب، على حد تعبيره، "يريد أن يُكوّن نفسه بصورة أسرع".
ويقول "إسكندر" لـ"فكر تاني" إن المسار قد يبدأ بعقد عمل لمدة عام قابل للتجديد، لا بمشروع معلن للهجرة الدائمة، لكنه قد يتحول مع تجديد العقد ولمّ شمل الزوجة والأبناء إلى استقرار أسري طويل. وهكذا يمكن لدافع اقتصادي مؤقت، بدأ بالبحث عن أجر أفضل، أن يفتح بمرور الوقت مسارًا مختلفًا للحياة.
شهادة بلا عائد
لم تكن مشكلة "أ.م."، الأستاذ الجامعي الذي غادر إلى كندا، أنه لم يحصل على تعليم كافٍ، أو أنه دخل سوق العمل بلا مهارة، فعلى العكس، امتلك ما كان يُفترض طويلًا أنه الضمانة الأكثر صلابة للاستقرار: شهادة جامعية، ووظيفة أكاديمية، وسنوات من الخبرة. ومع ذلك، لم تعد هذه الأدوات قادرة على حماية دخله أو تأمين المسار الذي أراده لابنتيه، فالمشكلة لم تعد في الوصول إلى التعليم، وإنما في قدرة الشهادة على توفير وظيفة مناسبة ودخل مستقر ومسار للترقي.
وبين 2018 و2024، تراجعت البطالة العامة في مصر من 9.9% إلى 6.6%، وانخفضت بطالة الحاصلين على مؤهل جامعي أو فوق جامعي من 22.3% إلى 13.7%. لكن هذا التحسن لم يغلق الفجوة بين المعدلين، إذ ظلت بطالة الجامعيين طوال الفترة تتراوح بين 1.99 و2.25 ضعف المعدل العام، وفق بيانات النشرات السنوية لبحث القوى العاملة.
ولا تعني هذه المفارقة أن التعليم يسبب البطالة، لكنها تكشف أن الشهادة وحدها لم تعد درعًا يحمي حاملها من التعطل، كما أن معدل البطالة لا يرصد جوانب أخرى من ضعف العائد على التعليم، مثل العمل في وظيفة لا تناسب المؤهل، أو قبول أجر منخفض، أو الخروج من قوة العمل والتوقف عن البحث.
وتفتح هذه الفجوة سؤالًا لا تجيب عنه الأرقام وحدها، فهل يعجز سوق العمل عن إنتاج وظائف تناسب أعداد الخريجين؟ أم أن الوظائف المتاحة لا تقدم أجرًا ومسارًا مهنيًا يتناسبان مع تكلفة التعليم؟ أم أن المشكلة تجمع بين البطالة والعمل بأقل من المؤهل وتآكل الأجر الحقيقي؟
من مطاي إلى تورينو
كان محمد حسن، 37 عامًا، يمتلك ما يُفترض أن يصنع الاستقرار دكتوراه في الآثار، وسنوات من العمل مفتشًا وأمينًا لمتحف ثم مسؤولًا عن البحث العلمي، لكنه كان يتقاضى قبل مغادرة مصر 6 آلاف جنيه شهريًا، يحاول بها تكييف احتياجات أسرته ومتطلبات الحياة. ولم يكن عاطلًا أو في بداية مساره، إذ كان صاحب خبرة ووظيفة لم تمنح تعليمه العائد الذي توقعه.
وفي عام 2022، حصل حسن على إجازة من دون راتب، وسافر إلى إيطاليا بمنحة من الحكومة الإيطالية لإجراء أبحاث ما بعد الدكتوراه، في مجال إتاحة المتاحف والتراث الثقافي للأشخاص ذوي الإعاقة. وتنقل بين المجلس القومي الإيطالي للبحوث والمتحف المصري في تورينو، بينما وفرت له الجهة المستضيفة السكن ومخصصًا ماليًا.
ويلخص محمد الفارق بقوله لـ"فكر تاني"، إنني "في مصر، كنت أحاول تكييف احتياجاتي مع راتب قدره 6 آلاف جنيه، بينما وفرت لي المنحة في إيطاليا السكن ومخصصًا ماليًا يزيد على ألفي يورو، ما منحني القدرة على التركيز في عملي وأبحاثي".
وليست هذه مقارنة مباشرة بين راتبين، فالمبلغ الذي حصل عليه في إيطاليا مخصص لمنحة بحثية، وليس أجرًا عن وظيفة دائمة، غير أنها تكشف فارقًا آخر لا يظهر في سعر الصرف وحده، وهو مقدار ما يتيحه الدخل للباحث من استقرار ووقت وقدرة على التركيز في عمله، بدلًا من استنزاف جهده في تدبير الاحتياجات الأساسية.
وغادر محمد مصر بمشاعر اختلط فيها الخوف من المجهول بالحنين إلى أسرته ومدينة طفولته، ويقول إن الحنين بدأ قبل أن تقلع الطائرة "مصر ليست مجرد البيت الذي عشت فيه، إنها ذكريات الطفولة والأصدقاء والأقارب وكل شارع مررت به. مصر في داخلي في كل وقت". وبعد نحو أربع سنوات، يقيّم نجاح رحلته البحثية بنسبة 100%، ويقول إنه حقق الأهداف والأحلام العلمية التي سافر من أجلها. لكنه لا يزال يبحث عن مسار وظيفي مُرضٍ ومستقر في إيطاليا، بالتوازي مع تدريس مواد السياحة والإرشاد السياحي بصورة خاصة عبر الإنترنت، أما زوجته وأبناؤه فما زالوا في مصر، وهو يتابع تعليمهم ويرغب في أن يكملوه فيها.
وتظهر قصة محمد كيف يمكن أن يتحول تنقل بحثي مؤقت، مع اتساع الفارق في تقدير المعرفة وظروف الحياة، إلى بحث عن مستقبل وظيفي خارج مصر. وإذا كانت تجربة محمد تكشف كيف يبحث حامل الدكتوراه عن عائد أفضل لتعليمه خارج الحدود، فإن بيانات الهجرة المسجلة تُظهر أن الجامعيين ليسوا حالات فردية متناثرة، فقد تجاوزت حصتهم نصف المهاجرين ذوي البيانات التعليمية في خمس من سنوات السلسلة السبع.
حين تبحث الشهادة عن سوق آخر
بلغت نسبة الحاصلين على مؤهل جامعي أو فوق جامعي 52.1% بين المهاجرين الذين شملهم جدول الحالة التعليمية في نشرة عام 2018، وانخفضت إلى 48.5% في 2019، ثم عادت إلى 52.1% في 2020. وبعد تراجعها إلى 44.9% في 2021، ارتفعت إلى 55.2% في 2022، وبلغت ذروتها عند 60% في 2023، قبل أن تتراجع إلى 55.1% في 2024. وبذلك تجاوز الجامعيون وفوق الجامعيين نصف الحالات المسجلة في خمس من سبع سنوات، ويظهر ذلك أن الهجرة الإدارية التي ترصدها الدولة تحمل بصمة تعليمية واضحة.
وتزداد دلالة الصورة عند تفكيك المؤهلات بحسب مجال الدراسة، ففي 2023 توفرت بيانات المجال التعليمي لـ142 مهاجرًا من حملة المؤهلات العلمية، وفق نشرة الهجرة الرسمية لعام 2023. وجاءت الأعمال والإدارة والقانون في الصدارة بـ39 حالة، تمثل 27.5% من الحالات المصنفة، تلتها الهندسة والتصنيع والبناء بـ32 حالة ونسبة 22.5%، ثم الصحة والرفاه بـ31 حالة ونسبة 21.8%. وجمعت المجالات الثلاثة 102 حالة من أصل 142، أي 71.8%، أو نحو 72%.
وتكشف هذه التركيبة أن الهجرة المسجلة لا تقتصر على حديثي التخرج أو أصحاب التخصصات النظرية، فهي تشمل مجالات مرتبطة بإدارة المؤسسات والتشييد والصناعة والرعاية الصحية، أي مهارات يمكن أن تجد طلبًا وتسعيرًا مختلفين بمجرد انتقالها إلى سوق عمل آخر.
وبالنسبة إلى الخبير الاقتصادي أحمد السيد النجار، لا تتوقف الخسارة عند انتقال صاحب الشهادة إلى راتب أفضل في الخارج، فالطبقة الوسطى، كما يقول لـ"فكر تاني"، هي "عصب المجتمع الحقيقي"، والخزان الذي يمده بالأطباء والمهندسين والصحفيين وغيرهم من أصحاب المهن. وعندما تتراجع قدرة هذه الفئات على حماية مستوى معيشتها، تصبح الهجرة أحد المسارات المتاحة أمام بعض أكثر خريجي النظام التعليمي كفاءة، فيفقد الاقتصاد جزءًا من الخبرات التي أنفق المجتمع سنوات في تعليمها وتأهيلها.
من الشهادة إلى تذكرة الخروج
عندما تظل بطالة الجامعيين عند نحو ضعفي المعدل العام، ثم يشكل أصحاب المؤهلات الجامعية غالبية المهاجرين المسجلين في معظم سنوات السلسلة التي اختارها التحقيق، وتتركز حالات 2023 في الأعمال والهندسة والصحة، يصبح السؤال مشروعًا، هل ما زالت الشهادة الجامعية سلّمًا للصعود داخل مصر؟ أم أنها تتحول، لدى بعض أصحابها، إلى مؤهل يبحث عن قيمته في سوق آخر؟
في هذه النقطة تلتقي زاويتا التحقيق، فتآكل الأجر الحقيقي يضعف قيمة الوظيفة بعد الحصول عليها، بينما تكشف بطالة الجامعيين أن الوصول إلى الوظيفة المناسبة ليس مضمونًا من الأساس. وبين الخطرين، لا تبدو الهجرة دائمًا بحثًا عن راتب أكبر فقط، وإنما محاولة لاستعادة العائد الذي توقعت الأسرة أن يمنحه لها التعليم.
ويقدم عيسى إسكندر، رئيس اتحاد العمال المصريين في إيطاليا، مؤشرًا ميدانيًا على فجوة عائد التعليم، فقد فوجئ بوجود حملة مؤهلات جامعية وعليا بين المتقدمين إلى فرص لا تشترط مؤهلًا جامعيًا أو تقع أدنى من مستوى تأهيلهم. ويقول لـ"فكر تاني"، "حصلت على مئات فرص العمل للمصريين من الحكومة الإيطالية في وظائف عمال نظافة وعمالة منزلية وغيرها، ففوجئت بحملة مؤهلات جامعية وعليا يتقدمون، بعض هؤلاء لا يبحثون عن وظيفة تطابق شهاداتهم بقدر ما يبحثون عن دخل أكثر استقرارًا وفرصة أسرع لتكوين حياتهم". وتكشف شهادته أحد وأخطر أشكال الهجرة وهي قبول حامل المؤهل المرتفع مهنة لا تعكس سنوات تعليمه بحثًا عن عائد واستقرار أفضل.
وإذا كانت قصة محمد حسن تجسد محاولة صاحب الدكتوراه حماية طموحه العلمي من ضعف عائد الوظيفة، فإن رحلة "عمر"، وهو اسم مستعار، تكشف الوجه الآخر للهجرة الاقتصادية، فقد عبر الأول الحدود بمنحة بحثية، بينما خاض الآخر رحلة بحرية غير نظامية بحثًا عن دخل يساعده على سداد ديونه والبدء من جديد.
غادر الشاب، المنحدر من إحدى محافظات الصعيد، بيت أسرته وهو في السادسة عشرة، ويقول إنه يحمل دبلومًا صناعيًا، وإن أسرته كانت "مستورة الحال"، لكنه دخل مع آخرين في مشروع صغير لتربية الدواجن، مستخدمًا أموالًا اقترضها من أقاربه، فخسر المشروع، وبقيت الديون. ولم يكن خروجه محاولة لحماية مدخرات أو مكانة اجتماعية، فلم تكن لديه مدخرات يحميها، إذ كان يبحث عن دخل يسدد به ما اقترضه، فسافر إلى ليبيا، حيث أمضى نحو أربع سنوات متنقلًا بين أعمال مختلفة، قبل أن تصبح مهنته الأساسية تركيب السيراميك.

لكن ليبيا لم تكن نهاية الطريق، فبعد مشكلات وضغوط يقول إنه تعرض لها هناك، دفع نحو 350 ألف جنيه مصري لخوض رحلة غير نظامية عبر البحر إلى إيطاليا. وعندما وصل القارب إلى جزيرة لامبيدوزا، أبلغتهم السلطات الإيطالية، بحسب روايته، أنهم أصبحوا في أمان. وانتقل عمر بعد ذلك بين مراكز استقبال المهاجرين، قبل أن يصل إلى روما، حيث يعمل في تركيب السيراميك بينما ينتظر تسوية وضعه القانوني، واستطاع خلال نحو عام، بحسب روايته، سداد تكلفة رحلة البحر، لكنه لا يزال مدينًا بما يتراوح بين 400 و500 ألف جنيه نتيجة مشروع الدواجن، وتحولت بعض هذه الديون إلى نزاعات قانونية مع أقاربه.
ولم تنته خسائر الرحلة عند المال، فقد كان عمر مخطوبًا، لكن الخطبة انتهت مع طول الانتظار وعدم وضوح مستقبله، ويقول إن أسرة الفتاة لم تستطع إبقاء ابنتها معلقة بمهاجر لا يعرف متى تستقر أوراقه أو حياته. ولا يصف عمر ما حدث بوصفه انتصارًا مكتملًا، فعندما سألناه إن كان قد حقق النجاح الذي خرج بحثًا عنه، قال لـ"فكر تاني"، إن "كل يوم يكون أفضل من اليوم الذي سبقه أعدّه نجاحًا"، وعندما سألناه عن حلمه، اختصره في كلمة واحدة "الستر".
وتكشف قصته وجهًا آخر للهجرة الاقتصادية، فإذا كان صاحب الدكتوراه يسافر بحثًا عن عائد أفضل لتعليمه، فقد خرج عمر حاملًا دبلومًا صناعيًا ومهارة يدوية، بحثًا عن سوق يستطيع فيه سداد ديونه، فالأول يحاول حماية قيمة شهادته وطموحه المهني، والثاني يحاول الخروج من خسارة قد تلاحقه قضائيًا واجتماعيًا. وتوضح تجربة عمر كيف يمكن أن تتحول خسارة مشروع صغير وعدم الوصول إلى مسار نظامي وآمن للعمل في الخارج إلى رحلة يدفع الشاب ثمنها بالمال والعمر والاستقرار.
ورغم كل ما تكبده، لا يتحدث عمر عن إيطاليا بوصفها وطنًا بديلًا، ويقول إنه يريد تسوية وضعه وسداد ديونه ثم العودة "مصر أم الدنيا، وراجعين لها إن شاء الله". ويقف عمر عند البداية الأكثر هشاشة في رحلة الاستقرار، وهي انتظار أول وثيقة تمنحه إقامة قانونية، وفي الطرف الآخر من المسار، يقف مصريون مضت على هجرتهم سنوات حتى وصلوا إلى الجنسية الثانية. وبين الورقتين، من تصريح الإقامة الأول إلى جواز السفر الآخر، تتغير وظيفة الهجرة من البحث عن دخل إلى البحث عن حماية قانونية طويلة الأجل. لكن هل تظهر هذه التحولات في بيانات الجنسية الثانية؟
من حماية الراتب إلى حماية الوضع القانوني
لا تقدم النشرات المصرية رقمًا شاملًا لكل من هاجروا، ولا تسجل دوافع الحصول على جنسية أخرى، لكنها تكشف اتجاهًا لافتًا في أذون الحصول على جنسية أجنبية، وهي الموافقات التي تصدرها السلطات المصرية للمواطن بالحصول على جنسية أخرى، سواء مع الاحتفاظ بالجنسية المصرية أو من دونها.
وارتفع إجمالي هذه الأذون من 2,694 إذنًا في 2018 إلى 4,220 في 2024، بزيادة إجمالية بلغت 56.6%، رغم التقلبات السنوية، وبلغ العدد ذروته في 2023 عند 4,418 إذنًا، قبل أن يتراجع بنسبة 4.5% في العام التالي.
لكن التحول الأكثر دلالة لم يكن في عدد الأذون وحده، وإنما في ارتفاع نسبة المحتفظين بجنسيتهم المصرية بين المأذون لهم بالحصول على جنسية أخرى. ففي 2018، احتفظ 47.7% من الحاصلين على الأذون بالجنسية المصرية، وبحلول 2023 ارتفعت النسبة إلى 66%، ثم وصلت إلى 71.2% في 2024، وهي أعلى نسبة في السلسلة. وبالأعداد، ارتفع المحتفظون بالجنسية المصرية من 1,285 شخصًا في 2018 إلى 3,006 أشخاص في 2024، أي بأكثر من الضعف. وهكذا، تراجع إجمالي الأذون قليلًا في 2024، لكن الاتجاه نحو الاحتفاظ بالهوية القانونية المصرية واصل صعوده.
الجنسية الثانية قطيعة أم وثيقة تأمين؟
والتزامن بين تآكل القيمة داخل مصر واتساع الاتجاه إلى الاحتفاظ بالجنسية المصرية يفتح سؤالًا مختلفًا؛ هل أصبحت الجنسية الثانية لدى بعض الأسر أصلًا إضافيًا للحماية، لا بديلًا عن الهوية الأولى؟ فالاحتفاظ بالجنسية المصرية يعني أن الجواز الجديد لا يعلن بالضرورة قطيعة مع الوطن، ويمكن أن يعمل بوصفه طبقة أخرى من الأمان حق إقامة أكثر استقرارًا، وفرص عمل وتعليم أوسع، وقدرة أكبر على الحركة، وحماية قانونية للأسرة والأبناء، مع إبقاء الباب مفتوحًا للعودة إلى مصر.
ويتفق الدكتور أيمن زهري، خبير السكان ودراسات الهجرة، مع أن اكتساب جنسية أخرى لا يعني بالضرورة القطيعة مع مصر، فالجنسية في رأيه مرحلة قانونية وعملية تأتي غالبًا بعد الإقامة الدائمة، وتوسع فرص العمل والتنقل وتمنح الأسرة وضعًا أكثر استقرارًا. ويلخص علاقة المهاجر المصري بالمجتمع المستقبل بقوله "المصري يندمج اقتصاديًا بدرجة كبيرة، لكنه يظل اجتماعيًا ووجدانيًا مرتبطًا بالمصريين وبمصر". وهنا تصبح عبارة "التحوط بالهوية" فرضية قابلة للاختبار، لا نتيجة محسومة، فكما يحتفظ المستثمر بأصول موزعة بين أكثر من عملة اتقاءً للصدمات، قد تسعى الأسرة إلى توزيع مستقبلها بين أكثر من دولة ونظام قانوني، وتظل مصر جزءًا من الهوية، بينما يصبح الجواز الثاني أداة لإدارة المخاطر.
حين يبدو البقاء مخاطرة
وتوضح قصة "أ.م." هذا الفاصل الزمني، فقد غادر مصر عام 2017، لكنه لم يحصل على الجنسية الكندية عند وصوله، إذ جاءت بعد سنوات من الإقامة والعمل وتعليم الابنتين. وبعد نحو تسع سنوات، لا يصف تجربته بانتصار كامل، وإنما يقول "حققت نصف نجاح"، لكنه نصف ظل بالنسبة إليه أكثر أمانًا من انتظار خسارة كاملة.
وبين "أ.م." الذي نقل أسرته إلى كندا، ومحمد حسن الذي غادر بمنحة علمية ثم بدأ البحث عن مسار وظيفي يقدّر خبرته، وعمر الذي عبر البحر مثقلًا بالديون، اختلفت المواقع الاجتماعية وطرق الخروج ودوافعه، لكن القصص الثلاث تكشف، بدرجات متفاوتة، عن بحث مشترك عن مستقبل يمكن توقعه وحمايته، عبر راتب يحتفظ بقيمته، أو سوق يقدّر المهارة، أو فرصة تتيح البدء من جديد.
وترسم القصص والبيانات سياقًا مشتركًا أسعار وسعر صرف سبقا نمو دخول كثيرة، وخسارة أكبر في الأجر الحقيقي داخل القطاع الخاص، وبطالة بين الجامعيين قاربت ضعف المعدل العام، بالتزامن مع حضور تعليمي مرتفع في الهجرة المسجلة وصعود نسبة المحتفظين بالجنسية المصرية بين المأذون لهم بالحصول على جنسية أخرى. وبهذا المعنى، لا تصبح الهجرة مجرد انتقال من بلد أقل دخلًا إلى بلد أعلى دخلًا، وإنما محاولة لتوزيع المخاطر بين اقتصادين وعملتين ونظامين اجتماعيين، ولا يكون الجواز الثاني إعلانًا نهائيًا للرحيل بقدر ما يصبح، لدى بعض الأسر، وثيقة تأمين تُستخدم إذا عجز الراتب والشهادة والوظيفة المستقرة عن ضمان المستقبل.
لذلك لا يكمن التحدي في مطالبة المتعلمين بالبقاء، ولا في النظر إلى المغادرين باعتبارهم تخلوا عن بلدهم، وإنما في استعادة الصلة التي تآكلت بين التعليم والعمل والأجر والمكانة الاجتماعية أجر حقيقي لا تبتلعه الأسعار، ووظائف ومسارات ترقٍّ تناسب المؤهلات، وقنوات نظامية وآمنة لمن يختار العمل والتنقل خارج البلاد. فالخسارة الأعمق تبدأ حين يرى بعض أبناء الوطن أن جوازًا ثانيًا أقدر من راتبهم وشهاداتهم على حماية المستقبل.