حين تتكرر الحكاية بالوجوه والنهايات ذاتها، يصبح البحث عن الجاني وحده طريقًا لا يفضي إلا إلى جريمة جديدة.
منذ سنوات والسيناريوهات تتكرر بدقة مرعبة، فتاة تُحبس خلف جدران بيتها حتى الموت بدافع "التأديب"، وشابة يُستباح جسدها وكرامتها في وضح النهار، وطفلة تُسلب طفولتها وحياتها جراء خلاف منزلي تافه.
يهتز الرأي العام، وتشتعل السوشيال ميديا بصرخات الغضب، ليتحول الألم الإنساني إلى "تريند" عابر. في المقابل، تتحرك الماكينة الرسمية سريعًا، يصدر بيان حاسم من النيابة، ويُقبض على الجاني، وربما يُسنّ تعديل قانوني عاجل. تبدو الدولة هنا حاضرة وقوية، لكن بمجرد أن يهدأ الغبار الرقمي وتختفي القضية من الشاشات، تعود الجريمة ذاتها لتتكرر بأسماء ووجوه جديدة.
هذا التكرار يضعنا أمام سؤال مؤلم، هل تتعامل الدولة مع حيوات النساء بوصفها أزمات طارئة تتطلب "الإطفاء"، أم كشروخ عميقة في بنية المجتمع تحتاج إلى ترميم؟
فخ "الاحتواء" وتسمية الأشياء بغير أسمائها
تخبرنا الكاتبة ديبورا أ. ستون في كتابها "مفارقة السياسة" أن السياسات العامة لا تبدأ من حل المشكلات، وإنما من كيفية "تعريف" الدولة لها. هذا التعريف ليس مجرد إجراء إداري، وإنما قرار سياسي يحدد ما تختار السلطة أن تراه وما تقرر أن تغض الطرف عنه.
عندما تختزل الدولة التحرش مثلًا في كونه مجرد سلوك فردي منحرف لجريمة يعاقب عليها القانون، فإن الحل يصبح بديهيًا، اقبض على الجاني وغلّظ العقوبة. لكن هذا الحل يتجاهل الوجه الإنساني للمشكلة، فهو لا يسأل أبدًا، كيف ينتج هذا المجتمع متحرشين؟
لو أن الدولة اعترفت بالتحرش باعتباره عرضًا لمرض أعمق، وهو علاقات القوة غير المتكافئة بين الرجال والنساء في الفضاء العام، لكان الحل قد اتخذ مسارًا إنسانيًا مختلفًا تمامًا، مسارًا يمتد إلى بيوتنا ومدارسنا ومناهجنا التعليمية والإعلام الذي يغذي هذه الثقافة يوميًا.
إدارة الأزمة أم مداواة الجرح البنيوي؟
هناك فارق شاسع بين من يسعى لإخماد الحريق ومن يبحث عن سبب اشتعال النيران. في منطق "إدارة الأزمات" يكون الهوس الأكبر هو كيف نوقف الغضب الآن؟ كيف نعيد النظام إلى الشارع؟ أما في منطق إصلاح البنية فالإنسان هو المركز، والسؤال يصبح، كيف أصبح هذا العنف ممكنًا ومقبولًا من الأساس؟
نجاح الدولة في تهدئة الشارع واحتواء الغضب العام لا يعني أنها أنقذت المرأة التالية من مصير مشابه. الإعلام يصمت، والمسؤولون يغلقون الملف، لكن الأسباب الثقافية والاجتماعية والقانونية تظل كامنة في الظل، تنتظر الضحية القادمة.
العنف ليس حادثة.. إنه "طريقة حياة" مفروضة
منظور الحركة النسوية للألم لا يراه حادثًا منعزلًا، فالظلم لا يقتصر على وجود جلاد وضحية في لحظة عابرة. الظلم الحقيقي هو البنية اليومية الصامتة التي تعيد إنتاج القهر والتهميش كجزء طبيعي من الحياة. وهذا ما تلخصه الفيلسوفة الأمريكية آيريس ماريون يونج في مفهومها "الوجوه الخمسة للاضطهاد"، وهي:
الاستغلال، الذي يعتمد على البنية الاقتصادية والاجتماعية، التي تستنزف جهد فئة معينة لصالح فئة أخرى دون الالتفات والنظر لتعويض عادل، ويظهر أبرز مثال على ذلك فيما يخص النساء، العمل المنزلي غير مدفوع الأجر، الذي تقوم به النساء في دعم الاقتصاد الرأسمالي دون الاعتراف به. حيث تشير دراسات "العمل غير مدفوع الأجر من منظور النوع الاجتماعي" الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى أن النساء يتحملن عبئًا يصل إلى 3 أضعاف الرجال في الأعمال المنزلية ورعاية الأسرة، وتُقدر قيمة هذا العمل بنحو 654.3 مليار جنيه مصري سنويًا، وهذا الوجه ينتج عنه إعادة إنتاج علاقات القوة، حيث يزداد الطرف المستفيد من إزاحة هذا العمل عن كاهله ثراءً، بينما تتسع دائرة التهميش للطرف الآخر من استنزاف جسدي وهشاشة اقتصادية.
أما الوجه الثاني فهو التهميش، ويشير إلى إقصاء فئة أو مجموعة من الناس باعتبارهم لا حاجة لهم اجتماعيًا أو اقتصاديًا، فلا يستغلوا كما هو في الوجه الأول، وإنما بنكران وجودهم واعتبارهم. وينتج عن ذلك ليس الحرمان فقط، وإنما يمتد إلى انعدام الكرامة لاعتمادهم على الإعانات، ويبرز ذلك بصفة خاصة للنساء في استبعاد أدوارهن من دوائر صناعة القرار واعتبار عملهن ثانويًا، فترتكز أدوارهن في العمل على وظائف مهمشة ما يقلل من تطور قدراتهن، بالإضافة إلى التطبيع مع أي جريمة عنف تحدث لهن باعتبارهن فئة لا حقوق لها أو مجرد ضرر جانبي. يتمثل ذلك في السياق المصري في العمالة غير المنتظمة للنساء مثل العاملات الزراعيات وعاملات المنازل حيث يُحرمن من التأمينات والضمانات الاجتماعية، والأشخاص ذوو الإعاقة على الرغم من وجود تشريعات تكفل حقوقهم فإن عدم الالتزام الكامل بإتاحة المباني والخدمات وبيئات العمل يحول دون مشاركتهم الفعلية، ما يحول دون مشاركتهن الفعلية في رسم السياسات المؤثرة في حياتهن، ويكرّس دورهن كمنفذات للقرار لا شريكات في صناعته.
والوجه الثالث هو العجز عن ممارسة السلطة، ويبرز في غياب صوت المرأة عند اتخاذ القرارات المصيرية التي تؤثر في حياتها وعملها، إذ تُحصر في إطار الطاعة والانصياع فقط. ويتجلى ذلك في السياق المصري من خلال استبعاد النساء عن اتخاذ القرارات المتعلقة بحياتهن الخاصة والعامة، فعلى سبيل المثال لا الحصر، لا تزال كثيرات يواجهن قيودًا أسرية فيما يخص العمل أو التعليم أو محل الإقامة. كما يظل تمثيلهن محدودًا في مواقع صنع القرار داخل المؤسسات الاقتصادية والإدارية، مما يحول دون مشاركتهن الفعلية في رسم السياسات التي تؤثر في حياتهن، ويكرس دورهن كمنفذات للقرار لا شريكات في صناعته.
والرابع هو الهيمنة الثقافية، ويُظهر كيف تخضع الفئات المهمشة لتصورات نمطية صاغتها بنية القوة الثقافية المسيطرة، ما يتسبب في طمس تجربتهن الشخصية ورؤية أنفسهن من عين من يضطهدهن، ويظهر في محاولة إسقاط التطبيع مع العنف على النساء اللاتي يتبنين الوجهة الذكورية التي قزمت وجودهن. ويتجسد هذا الوجه في السياق المصري عندما تتحول الثقافة السائدة إلى عدسة وحيدة يُنظر من خلالها إلى النساء، فتغدو التصورات الذكورية معيارًا يُقاس به السلوك والنجاح والاستحقاق، بينما تُدفع خبرات النساء إلى الهامش بوصفها استثناءً لا قاعدة. ومع مرور الوقت لا تكتفي هذه الخطابات بإنتاج صور نمطية عن النساء، وإنما تتسلل إلى وعيهن، فيبدأن في رؤية أنفسهن بعيون من همشهن، ويصبحن أكثر ميلًا إلى تبرير القيود المفروضة عليهن أو اعتبارها جزءًا من النظام الطبيعي للمجتمع، ومن هنا يصبح العنف ضد النساء أكثر قابلية للتطبيع، فلا يُنظر إليه باعتباره اعتداءً على الحقوق، وإنما يُعاد تأويله بوصفه وسيلة للتقويم أو نتيجة لسلوك الضحية، فتُسلب المرأة حقها في رواية تجربتها، ويُمنح المجتمع سلطة تعريفها وتفسير معاناتها.
أما الوجه الأخير فالعنف، ويُعدُّ العنف ضد المرأة تحويلًا لجسدها ووجودها إلى هدف دائم للشرعية الاجتماعية والقبول الضمني. يتخذ هذا العنف صورًا مادية كالاعتداءات، ونفسية كالمضايقات في الشوارع. وتؤكد "يونج" أن استمرار هذا العنف يعود إلى سياق اجتماعي يمنحه القبول أو يتغاضى عنه، أو يجعل العقاب عليه غير رادع، مما يُبقي النساء في حالة تأهب وخوف دائمين. إن حرمان المرأة من ميراثها، أو قتلها، أو تعنيفها، ليس مجرد "فعل فردي شرير"، وإنما العَرَض الظاهر لنظام اجتماعي كامل يُشرعن حدوث ذلك. لذلك، لا يقتصر تساؤلنا كنسويات على "من ارتكب الجريمة؟"، وإنما يمتد بمرارة لنتساءل، ما الظروف التي جعلت ارتكاب هذه الجريمة أمرًا سهلًا ومكررًا؟
كلفة الإصلاح وثمن الخوف من التغيير
لماذا تفضل السلطة دائمًا مسكنات إدارة الأزمات على العلاج الجذري؟ الإجابة تكمن في "الكلفة".
إصلاح البنية الحقيقي معركته شرسة ومكلفة، فهو يتطلب إعادة النظر في طريقة توزيع السلطة داخل الأسرة الواحدة (من يتملك حق القرار؟)، ومراجعة الخطاب الديني والإعلامي السائد عن شيطنة المرأة والتأصيل لأنها دائمًا التابعة والمخطئة دون طرح نقاشات موضوعية، وتفكيك الموروثات التي تمنح الرجل حق الوصاية المطلقة على حياة المرأة والتي يتضافر معها أيضًا الإطار القانوني الوصائي.
في المقابل، فإن إدارة الأزمة عبر معاقبة أفراد بأعينهم تتيح للدولة إظهار حسمها وقدرتها على التدخل، دون أن تضطر للدخول في صدامات اجتماعية أو ثقافية واسعة كمن يحاول علاج عرض دون النظر إلى المرض المتسبب في العرض. ولهذا السبب تحديدًا، نرى ملفات مصيرية مثل "قانون الأحوال الشخصية" تُفتح مع كل أزمة، ثم تُلقى سريعًا في أدراج النسيان بمجرد استقرار الأوضاع دون نقاشات حقيقية وجادة مع المستفيدات والمستفيدين والجهات المنخرطة في العمل مع النساء.
ما وراء العقاب.. أي امرأة نريد حمايتها؟
لا تكتفي السلطة الحداثية بممارسة القمع عبر السوط والعقوبة، وإنما تفرض هيمنتها من خلال صياغة "المألوف والطبيعي" في حياتنا اليومية عبر المدرسة والمستشفى والخطاب العام والسياسات المتبعة، فهذه القنوات ليست محايدة، وإنما تعيد باستمرار إنتاج الأدوار الاجتماعية المقبولة، وترسم الحدود بين المشروع وغير المشروع، وبين المواطن الذي يستحق الحماية المطلقة ومن تُفرض عليه حماية مشروطة.
لذا، فإن دراسة تعامل الدولة مع قضايا النساء لا تقف عند حدود المحاكم، بل تتصل بالصورة الذهنية التي ترسمها الدولة عن "المرأة" و"الأسرة" و"النظام العام". إن السؤال الجوهري الذي يجب أن تطرحه السياسات العامة هو، كيف نصيغ سياسات تحمي كرامة المرأة وتضمن جودة حياتها اليومية، بدلًا من سياسات تكتفي بانتظار وقوع الاعتداء لتثبت قدرتها على معاقبة الجاني، وتسنُّ ترسانة من القوانين دون أن تلتفت إلى بتر جذور المشكلة نفسها؟
الدائرة المفرغة.. لماذا لا يتوقف الألم؟
نحن نتفاجأ بتكرار الجرائم لأننا نصر على معالجة النتائج وتجاهل الأسباب الحاضنة لها، فالعنف ضد المرأة ليس نوبة جنون عابرة، وإنما نتيجة لشبكة معقدة من العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المأزومة. فالتحرش ليس مجرد غياب للدوريات الأمنية، وزواج القاصرات ليس مجرد مخالفة ورقية، والتمييز في قوانين الأسرة ينبع من تصور متجذر يرى المرأة تابعًا لا شريكًا كاملًا.
طالما بقيت هذه البنى الأساسية تعمل بالطريقة ذاتها دون مساس، فإن الألم سيعود، والظواهر ستتكرر، حتى لو تغيرت أسماء الضحايا وتواريخ الوقائع. فكلما تعاملنا مع الجريمة بوصفها واقعة منفصلة، وانشغلنا بالنتيجة وأغفلنا السياق الذي صنعها، استمرت الدائرة في الدوران، وهكذا تصبح كل جريمة صادمة في لحظتها، لكنها ليست مفاجئة في منطقها. إن المجتمعات لا تتجاوز العنف حين تُحسن معاقبة مرتكبيه فحسب، وإنما حين تتوقف عن إنتاج الظروف التي تجعل ظهوره أمرًا متوقعًا.
عندما تصبح رؤية المشكلة المشكلة ذاتها
قد يبدو للبعض أن الدولة تقف على مسافة واحدة من الجميع، كحكمٍ محايد لا يتدخل إلا عند انتهاك القواعد، لكن الدولة ليست مجرد سلطة عقابية أو مؤسسة تنتظر البلاغات لتتحرك، وإنما العين التي تقرر ما يستحق الرؤية وما يجب تركه في العتمة. هي التي تمنح بعض الآلام صفة "القضية العامة"، بينما تُبقي آلامًا أخرى حبيسة الجدران تحت مسميات باردة كـ "خلاف أسري" أو "حادث فردي"، وكأن المأساة تبدأ وتنتهي عند عتبة المنزل، لا في البنية التي صنعتها وأبقتها ممكنة.
إن الدولة لا تدير الواقع فحسب، وإنما تشارك في كتابته، فهي لا تكتفي بصياغة القوانين، بل تصوغ أيضًا اللغة التي نصف بها الظلم، والحدود التي نرسم بها العدالة، والمعايير التي تقرر من يستحق الحماية ومن عليه إثبات صفة الضحية. لذا، فإن أخطر ما قد تفعله السلطة ليس الخطأ في معالجة المشكلة، وإنما سوء رؤيتها منذ البداية، فالرؤية ليست مجرد خطوة تسبق السياسة، وإنما السياسة في أعمق صورها، لأن الطريقة التي ترى بها الدولة مواطنيها هي ذاتها التي تُعيد بها تشكيل حياتهم وفرصهم ومصائرهم.
ومن هنا، تصبح الدولة فاعلًا جندريًا، ليس لأنها تتحدث عن النساء فحسب، وإنما لأنها تُنتج عبر التشريعات والمؤسسات والخطاب العام تصورًا كاملًا عن معنى "الأنوثة"، وحدود الحرية والاستقلال، والدور المرسوم داخل الأسرة والمجتمع، لتحدد ما إذا كانت المرأة تُعامل كمواطنة كاملة الأهلية، أم كامتداد لكيانات أخرى تحدد وجودها وقيمتها.
إن تعريف المشكلة ليس إجراءً إداريًا محايدًا، ولا تمرينًا لغويًا في اختيار المصطلحات، وإنما القرار السياسي والأخلاقي الذي يحدد من يُنقذ، ومن يُترك وحيدًا، ومن يُطالب باحتمال ألمٍ إضافي حتى يُثبت أن معاناته تستحق الاعتراف. فالكلمات التي تصف الواقع لا تأتي بعده، بل تساهم في صنعه، فما لا يُسمى يظل عصيًا على السياسات، وما لا يُعترف به يبقى خارج دوائر العدالة.
ربما لا يكمن السؤال الحقيقي في "كيف نحمي النساء من العنف؟" وإنما في "كيف نبني مجتمعًا لا تضطر فيه النساء إلى النجاة كل يوم؟" وكيف نصوغ دولة لا تنتظر صرخة جديدة لتراجع سياساتها، ولا تقيس نجاحها بعدد الأحكام القضائية الصادرة، وإنما بعدد الأرواح التي لم تُكسر في المقام الأول؟
وحين تمتلك الدولة شجاعة الاعتراف بأن العنف ضد النساء ليس سلسلة من الوقائع المنفصلة، وإنما مرآة تكشف اختلالًا في توزيع السلطة والموارد، يصبح الإصلاح مشروعًا لإعادة بناء الحياة، لا مجرد إدارة للأزمات. عندها فقط يغادر الإنصاف أروقة المحاكم ليحضر في المدرسة والمستشفى ومكان العمل والبيت، وفي اللغة والخيال الجمعي. وحينها، لا يعود صوت الحركة النسوية مجرد استغاثة في فضاء أصم، وإنما يصبح ضميرًا عامًا يُذكر الدولة بأن قيمة العدالة لا تُقاس بقدرتها على معاقبة المعتدين، وإنما بقدرتها على بناء عالمٍ لا يجد فيه العنف تربة ينبت فيها من الأساس.