في إحدى قرى محافظة سوهاج، حيث تشتد حرارة الشمس وتتسارع وتيرة الغلاء، تجلس الحاجة "أم أحمد" (65 عامًا) متكئة على جدار بيتها البسيط، وملامح وجهها تلخص حكاية سنوات طويلة من الصبر والعطاء، غير أن القلق الحقيقي يكمن اليوم في تفاصيل ورقة صغيرة مطوية بعناية داخل جلبابها، هي فاتورة الصيدلية الشهرية التي باتت تقاسمها لقمة العيش.
تقبض "أم أحمد" معاشًا شهريًا يبلغ 2700 جنيه، رقم قد يبدو في السجلات الرسمية مجرد خانة حسابية، لكنه في واقعها ينقسم إلى نصفين غير متساويين، فالنصف الأكبر البالغ 1500 جنيه يذهب مباشرة وبشكل حتمي لشراء أدوية الأمراض المزمنة "الضغط والسكري والقلب" التي لا تحتمل التأجيل أو المماطلة. وتقول في حديثها لـ"فكر تاني"، إن "الـ1200 جنيه اللي فاضلين هما اللي بيتحكموا في لقمة عيشي طول الـ30 يوم، بدفع منهم كهربا ومية، واللي باقي بنمشي بيه البيت بالعافية، ولولا اخواتي بيساعدوني مكنتش قدرت أعيش".
والأزمة الحقيقية في حياة "أم أحمد" ليست في الأيام "المستقرة" التي يكفي فيها المعاش بالكاد، وإنما في تلك الأيام التي تدق فيها الأمراض المفاجئة بابها دون استئذان، إذ تقول "لو جالي دور برد شديد، أو تعبت فجأة واحتجت كشف دكتور الدنيا بتقف". وفي تلك اللحظات يتحول "دور البرد العابر" إلى أزمة مالية خانقة تطحن ميزانيتها المهتزة أصلًا، وتجعلها أمام خيارات أحلاها مر، إما الاستدانة، أو التنازل عن أساسيات الطعام، أو تحمل الألم وانتظار الشفاء دون علاج.
وتختصر قصة "أم أحمد" لسان حال ملايين من أصحاب المعاشات في مصر، أولئك الذين يجدون أنفسهم بعد رحلة العمر في مواجهة معادلة مستحيلة، كيف يمكن لما تبقى من معاشهم أن يشتري طعامًا وشرابًا، ويدفع فواتير، ويحمي أجسادًا أنهكتها الشيخوخة من تقلبات المرض المفاجئ؟
وقد أظهرت أحدث بيانات الهيئة القومية للتأمينات الاجتماعية أن عدد أصحاب المعاشات الأحياء بلغ 4.665 مليون مواطن، بينما وصل إجمالي المستفيدين من المعاشات إلى نحو 6.669 مليون مواطن. ووفقًا لحديث الرئيس في عام 2021 فإن أموال المعاشات ليست منحة تقدمها الحكومة للمواطنين، وإنما حقوق تأمينية ممولة في الأساس من اشتراكات العاملين وأصحاب الأعمال التي تُسدد طوال سنوات الخدمة، وتُدار من خلال نظام التأمينات الاجتماعية. وتؤكد الدكتورة ميرفت التلاوي، وزيرة التأمينات والشؤون الاجتماعية الأسبق، في تصريحات تليفزيونية أن أموال التأمينات والمعاشات تُعد حقوقًا خاصة بأصحابها وليست أموالًا عامة، موضحة أنها تتكون من اشتراكات العاملين ومساهمات جهات العمل بصفتها أصحاب عمل، بما يجعلها أموالًا مملوكة للمؤمن عليهم والمستحقين للمعاشات.
يواجه الشيخوخة بأقل من نصف راتبه
بعد 27 عامًا قضاها بين المكاتب والأوراق في إحدى شركات المقاولات والتشييد، لم يكن محمود الشافعي (66 عامًا) يتخيل أن مكافأة نهاية الخدمة ورحلة التقاعد ستتحولان إلى "أزمة معيشية" ممتدة، فالرجل الذي كان يتقاضى راتبًا قدره 6500 جنيه، وجد نفسه فجأة أمام معاش لا يتجاوز 3000 جنيه، أي أقل من نصف دخله السابق تقريبًا. وهذا الهبوط الحاد في الدخل أجبر محمود وأسرته على الدخول في دوامة قاسية، يقول محمود واصفًا تلك المرحلة في حديثه لـ"فكر تاني"، قائلًا "حاولنا بكل الطرق نوفر ونستغني عن حاجات أساسية في بيتنا عشان المركب تمشي بالوضع الجديد، بس المصاريف كانت أكبر من المعاش".
وتعمقت الأزمة لأن "مكافأة نهاية الخدمة" التي يطمح كل موظف أن تأمّن شيخوخته، تبخرت سريعًا في التزامات اجتماعية حتمية، حيث استهلك تزويج ابنه الأكبر الجزء الأكبر منها، ليجد الرجل نفسه مواجهًا التزامًا جديدًا وثقيلًا هو تجهيز ابنته الصغرى. وأمام تآكل المعاش والمكافأة، لم يكن أمام عم محمود سوى خيار واحد، هو العودة إلى سوق العمل وهو في سن الشيخوخة، غير أن جسده الذي أنهكته عقود من العمل لم يسعفه، فيقول "لما تعبت وصحتي مابقتش تعينني على الشغل والنزول، نزلت بنتي الصغيرة تشتغل وهي لسه بتدرس، كان نفسي تفضل متفرغة وتعيش سنها، بس للأسف مابقاش فيه حل تاني".
ووفقًا لـبيانات مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصري، فإن متوسط الاستهلاك الفعلي السنوي للأسرة المصرية يبلغ نحو 63 ألف جنيه، يتصدر فيها بند "الطعام والشراب" المرتبة الأولى كأعلى نسبة إنفاق كلي للأسرة، يليه في المرتبة الثانية بند "المسكن ومستلزماته"، بينما يأتي بند "الخدمات والرعاية الصحية" في مرتبة لاحقة بنسبة تبلغ نحو 10.4%، في حين تتراجع بنود مثل "الاتصالات" و"الثقافة والترفيه" إلى تذيّل القائمة.
وفي شقة صغيرة بالإيجار في "شبرا الخيمة"، تجلس "عزة" 60 عامًا تعد أيام الشهر بكثير من الخوف، فقبل خمس سنوات توفي زوجها الذي كان يعمل فنيًا بإحدى شركات القطاع الخاص، لتواجه الواقع بمفردها بمعاش لا يتجاوز 3000 جنيه. ولم تكن المشكلة فقط في تدبر الطعام، وإنما في معادلة مستحيلة ما بين إيجار شقة يلتهم 1200 جنيه شهريًا، وما تبقى مطلوب منه أن يغطي الفواتير، والأكل، وثمن الانتقالات الأسبوعية إلى مستشفى التأمين الصحي لخضوعها لثلاث جلسات "غسيل كلوي" أسبوعيًا.
تقول عزة في حديثها لـ"فكر تاني"، إن "لما جوزي اتوفى، افتكرت إن المعاش هيسترني، بس لما لقيته 3000 جنيه وصاحب الشقة طالب 1200 إيجار، الدنيا ضلمت في وشي، أنا عندي فشل كلوي، والجلسات صح في التأمين، بس العلاج والأنابيب والمواصلات في الحر والتعب بياخدوا كل اللي فاضل، بتمر على أيام باكل فيها عيش حاف، ومرات كتير بتحايل على الصيدلي عشان يرضى يديني علاج الضغط لغاية أول الشهر الجاي". وتزداد قسوة المشهد عندما تضطر "عزة" للمفاضلة بين حقين أساسيين، السكن أو العلاج، وفي أوقات الأزمات المالية الشديدة تضطر لتأجيل شراء الأدوية لتسديد الإيجار خوفًا من الطرد في الشارع.
وعن تأثير عدم تناول الأدوية على مرضى الأمراض المزمنة، تقول الدكتورة هبة أحمد، طبيبة قلب وأوعية دموية، لـ"فكر تاني" "في حالة كبار السن، لا يوجد شيء اسمه دور برد بسيط، جهازهم المناعي ضعيف، والتهاب شعبي عابر أو نزلة برد بسبب عجز المريض عن دفع 300 أو 400 جنيه ثمن كشف ومضاد حيوي، يمكن أن يتحول في ظرف 48 ساعة فقط إلى التهاب رئوي حاد يؤدي إلى فشل في وظائف التنفس". وتضيف "المفارقة المؤلمة التي أعيشها كطبيبة، هي أن المريض الذي يحاول التوفير من معاشه بإهمال دوائه الشهري، ينتهي به الحال محمولًا على الأكتاف إلى الرعاية المركزة، وتكلف أسرته آلاف الجنيهات يوميًا لإنقاذ حياته من جلطة أو غيبوبة سكر كان يمكن منعها بالانتظام في علاجه".
ووفقًا لـتقرير صادر عن منظمة الصحة العالمية، يُعدّ ضعف الالتزام بالعلاج طويل الأمد للأمراض المزمنة، كأمراض القلب والأوعية الدموية، وفيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز، والاكتئاب، مشكلة عالمية متفاقمة ذات أبعاد خطيرة، وتُلاحظ مشاكل الالتزام في جميع الحالات التي تتطلب إدارة العلاج ذاتيًا بغض النظر عن نوع المرض، وأظهرت العديد من الدراسات الدقيقة أن متوسط التزام المرضى المصابين بأمراض مزمنة بالعلاج في الدول المتقدمة لا يتجاوز 50%، وهو أقل من ذلك في الدول النامية.
من السقالات إلى الرصيف
على رصيف أحد الشوارع، يجلس "عبد التواب" 68 عامًا واضعًا أمامه صندوقًا خشبيًا صغيرًا لبيع المناديل وبعض البضائع البسيطة، وجسده النحيل وانحناءة ظهره يحكيان قصة نصف قرن قضاها في مهن المعمار الشاقة، يتنقل بين السقالات، هذا الجسد الذي قدم شبابه لتشييد البيوت، وجد نفسه في خريف العمر يتقاضى معاشًا تأمينيًا لا يتجاوز 2500 جنيه.
يقول في حديثه لـ"فكر تاني"، "أنا قضيت عمري كله أرزقي في المعمار، ويادوب أمنت على نفسي في أواخر الأيام عشان ألاقي لقمة تسترني لما أكبر، الصدمة لما جيت أصرف المعاش ولقيته 2500 جنيه، في الزمن ده، يعملوا إيه؟ دول ميكفوش تمن عيش حاف وفواتير المياه والكهرباء للبيت اللي قاعد فيه أنا والعجوزة مراتي". ويستكمل "مكنش ينفع أقعد في البيت وأمد إيدي، كرامتي متهونش عليا بعد العمر ده كله، نزلت الشارع تاني وأنا قربت على السبعين عشان ألقط رزقي، بشتري كرتونة مناديل وأقعد أبيعها، عشان أطلع بـ100 ولا 200 جنيه في اليوم أسند بيهم المعاش اللي ملهوش قيمة".
ورغم معاناته من مشاكل حادة في فقرات الظهر وضيق في التنفس بسبب استنشاق غبار الأسمنت، يضطر لتحمل قسوة الطقس، حر الصيف وبرد الشتاء، لأن البديل هو الجوع التام، فيقول "الدكاترة في مستشفى القصر العيني قالوا لي أنت لازم ترتاح ومتقعدش القعدة دي في الشارع عشان ضهرك وعينيك، أسمع كلامهم إزاي؟ لو ارتحت في السرير مين هيصرف علينا؟ المعاش بيخلص في أول يومين من الشهر بين الإيجار والكهرباء والمياه".
متوسط المعاشات في مصر
يوضح إبراهيم أبو العطا، أمين عام اتحاد أصحاب المعاشات، أن متوسط المعاشات في مصر لا يتجاوز 5200 جنيه، وهي قيمة لا تكفي أصحابها لتوفير حياة كريمة، مؤكدًا أن المعاشات لا توفر حتى الحد الأدنى من متطلبات المعيشة. ويؤكد أبو العطا في حديثه لـ"فكر تاني" أن اتحاد أصحاب المعاشات طالب بصرف منحة استثنائية إلى جانب العلاوة السنوية المقررة لأصحاب المعاشات، موضحًا أن هذا الطلب تم تجاهله رغم المطالب المتكررة بضرورة دعم هذه الفئة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة.
ويشير إلى أن أصحاب المعاشات يواجهون أعباء متزايدة بسبب ارتفاع أسعار الخدمات الأساسية، موضحًا أن كثيرًا منهم تضرروا من زيادة الإيجارات بعد تطبيق تعديلات قانون الإيجارات القديمة، إلى جانب ارتفاع فواتير الكهرباء والمياه والغاز. ويوضح أبو العطا أن متوسط المعاشات لا يعكس حجم الضغوط التي يتحملها كبار السن، مشيرًا إلى أنه حتى مع افتراض وصول متوسط المعاش إلى نحو 5200 جنيه، فإن جزءًا كبيرًا منه يذهب إلى الإيجار والكهرباء والمياه والغاز والعلاج، بينما يتبقى مبلغ محدود لا يكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية من الطعام والشراب.
ويلفت إلى أن أزمة أصحاب المعاشات لا ترتبط فقط بتكاليف العلاج حتى مع وجود مظلة التأمين الصحي، وإنما تمتد إلى أعباء الحياة اليومية، مؤكدًا أن بعض أصحاب المعاشات يضطرون إلى تقليل احتياجاتهم أو تأجيل شراء الأدوية بسبب ضعف الدخل. ويطالب أمين عام اتحاد أصحاب المعاشات برفع الحد الأدنى للمعاشات بصورة تدريجية، مع صرف منحة عاجلة لمساعدة أصحاب المعاشات على مواجهة موجة ارتفاع الأسعار، موضحًا أن تحسين أوضاع هذه الفئة يحتاج إلى خطة مستمرة وليس إجراءات مؤقتة.

هل توجد حلول لتخفيف المعاناة؟
يرى سمير رؤوف، الخبير الاقتصادي، أن قيمة المعاشات الحالية لا تتناسب مع الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة، مؤكدًا أن "أرقام المعاشات أصبحت صغيرة جدًا، وتحتاج إلى معالجة اقتصادية حقيقية تضمن لأصحابها حياة كريمة". ويضيف في حديثه لـ"فكر تاني" أن ارتفاع أسعار الأدوية يمثل عبئًا كبيرًا على أصحاب المعاشات، موضحًا أن أزمة الدواء لا تقتصر على مصر فقط، وإنما ترتبط أيضًا بارتفاع أسعار المواد الخام عالميًا، وهو ما ينعكس على تكلفة الإنتاج وأسعار الدواء التي يتحملها المواطن.
ويشير رؤوف إلى أنه لا توجد حلول سريعة أو سهلة لأزمة انخفاض المعاشات، إلا أن التعامل معها يتطلب حزمة من الإجراءات الاقتصادية، من بينها العمل على توفير مستلزمات الإنتاج والمواد الخام بما يسهم في خفض تكلفة السلع والأدوية، إلى جانب رفع الأجور والمعاشات بما يتناسب مع معدلات التضخم وارتفاع الأسعار. ويؤكد أن أحد أهم الحلول يتمثل في التوسع في تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل، بحيث تشمل جميع المواطنين، على غرار ما تطبقه العديد من الدول، الأمر الذي يخفف العبء الصحي والعلاجي عن أصحاب المعاشات، خاصة كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة.
تأثير المعاش المحدود على نفسية كبار السن
تؤكد الدكتورة مي محمد، استشاري الصحة النفسية، أن مرحلة التقاعد لا تمثل مجرد توقف عن العمل، وإنما تُعد تحولًا نفسيًا كبيرًا في حياة الإنسان، خاصة لمن اعتاد لسنوات طويلة على نمط حياة ثابت ودور أساسي داخل أسرته ومجتمعه. وتوضح أن كثيرًا من أصحاب المعاشات لا يشعرون بالأثر النفسي فور خروجهم إلى التقاعد، لكن مع مرور الوقت تبدأ مشاعر العجز في الظهور نتيجة ابتعادهم عن الحياة العملية وعدم قدرتهم على مواكبة الروتين الذي اعتادوا عليه لسنوات.
وتشير إلى أن انخفاض الدخل بعد التقاعد، واعتماد المسن على معاش محدود لا يغطي احتياجاته الأساسية، ينعكس بصورة مباشرة على حالته النفسية، فيولد لديه شعورًا بفقدان الكرامة والقدرة على تلبية متطلبات حياته، وهو ما يزيد من معدلات القلق والحزن والاكتئاب، ويدفع بعض كبار السن إلى العزلة الاجتماعية. وتضيف أن الضغوط المالية المستمرة لا تؤثر في الصحة النفسية فقط، وإنما تمتد آثارها إلى الصحة الجسدية، إذ يسهم التوتر المزمن في زيادة الشعور بالإرهاق وتدهور الحالة الصحية، بينما يقف ارتفاع تكلفة العلاج عائقًا أمام كثير من أصحاب المعاشات في الحصول على الرعاية الطبية اللازمة.
وتلفت إلى أن شعور المسن بأن سنوات عطائه الطويلة انتهت إلى حياة لا توفر له الحد الأدنى من الاستقرار أو الكرامة، قد يخلق لديه إحساسًا بقلة التقدير وفقدان القيمة الاجتماعية، وهو ما ينعكس سلبًا على حالته النفسية.
هذا الإحساس بفقدان القيمة الذي يلاحق كبار السن في تقاعدهم، لا ينفصل في جوهره عن قصص "أم أحمد" و"محمود" و"عزة" و"عبد التواب"، فكلهم يواجهون المعادلة ذاتها بأشكال مختلفة، معاش لا يواكب الغلاء، ومرض لا ينتظر، وكرامة تُختبر كل شهر عند باب الصيدلية أو صاحب البيت. ويبقى السؤال معلقًا لا عن قيمة المعاش وحدها، وإنما عن قيمة العمر الذي أفنته هذه الفئة في خدمة وطنها، وعن حق أبسط ما فيه أن يشيخ الإنسان في بلده بلا خوف من دواء يتأخر أو إيجار يتعثر.