يمر أي عامل بمراحل تبدأ بالتدريب ثم إتقان المهنة، ليصبح بعد سنوات واحدًا من العمالة الماهرة التي يطلبها سوق العمل، غير أن هذا التطور في المهارة لا يقابله تطور مماثل في الراتب، فتظل المهارة تتراكم بينما يظل الأجر في مكانه، ما يترك العامل الماهر داخل معادلة صعبة يدفع فيها ثمن خبرته من وقته وصحته بدلًا من أن يجني ثماره في دخله.
هذا ما اكتشفه أبو محمد، الذي يحمل مؤهلًا عاليًا، ويعمل مشرفًا بإحدى إدارات شركة سمنود للوبريات، وما يزال، بعد 23 عامًا في الخدمة، يتقاضى راتبًا شهريًا يبلغ 6230 جنيهًا، بينما لا يتجاوز أجره الأساسي 1850 جنيهًا. وهذا ما يجعله يظن أن تطبيق الحد الأدنى للأجور لم يصب في صالحه، إذ يرى أنه قلص الفوارق بين العاملين، فأصبح من أمضى عامًا واحدًا في العمل يتقاضى راتبًا قريبًا ممن أمضى أكثر من ثلاثة عقود، بغض النظر عن سنوات الخبرة أو المؤهل الدراسي، وكأنه ينظر إلى الحسبة بالمقلوب، لأن الحد الأدنى أصلًا لا يوازي قيمة ما يملكه من خبرة أو ما يبذله من جهد، فيصب غضبه عليه لأنه، بالنسبة إليه، لم ينصفه، وإنما ساواه بمن هو ربما أقل منه مهارة.
وشركة وبريات سمنود، التي تأسست عام 1974، سجلت عام 2015 وفقًا لقانون الاستثمار، لتتحول من شركة تابعة لقطاع الأعمال العام إلى شركة قطاع خاص ضمن خطة خصخصة شركات القطاع العام، غير أن الدولة ما زالت تتحكم في إدارتها عبر وزارة التخطيط، التي يرأس وزيرها المجلس القومي للأجور الذي يحدد الحد الأدنى للأجر.
ومثل أبو محمد، يمتلك مراد المهارة اللازمة لأداء وظيفته، لكنه على عكسه لا يحصل على الحد الأدنى للأجر من الأساس، مما يضطره إلى العمل في وظيفة ثانية بأحد مخازن القطاع الخاص بعد انتهاء دوامه الرسمي، إذ يبدأ عمله بالشركة من الثامنة صباحًا حتى الثالثة عصرًا، ثم ينتقل إلى عمله الآخر من الخامسة مساءً حتى الواحدة صباحًا مقابل نحو ستة آلاف جنيه إضافية شهريًا، في محاولة لتوفير احتياجات أسرته الأساسية، التي يتصدرها توفير الدواء، خاصة أنه يعاني أمراضًا مزمنة تشمل السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب، فالشركة، حسب قوله، تخصم اشتراكات التأمين الصحي من العاملين، لكنها لا تسدد المستحقات للجهة المختصة، وهو ما أدى إلى حرمانهم من الحصول على الخدمات العلاجية، ويقول لـ"فكر تاني"، "إحنا بنتحاسب على تقصير الشركة، المفروض المخاطبات تبقى بين التأمين والشركة، مش العامل هو اللي يتحرم من العلاج".
ويضيف أنه يضطر إلى شراء أدويته على نفقته الخاصة، بتكلفة تصل إلى نحو 1850 جنيهًا شهريًا، أي ما يقارب ثلث راتبه، فضلًا عن نحو 1300 جنيه شهريًا لفاتورة الكهرباء، و300 جنيه للمياه، وهو ما يلتهم جزءًا كبيرًا من دخله قبل توفير احتياجات المعيشة الأساسية.
ثمن العمل لساعات أطول
يقول مراد إن تراجع قدرته الشرائية انعكس بصورة مباشرة على مستوى معيشة أسرته "زمان كنت بقدر أوفر لأولادي وجبتين بروتين في الأسبوع، دلوقتي رغم إني بشتغل شغلتين، بالعافية أوفر لهم مرة واحدة"، ويضيف أن شراء الملابس أصبح رفاهية، لافتًا إلى أنه لم يشترِ ملابس جديدة لنفسه منذ نحو ثماني سنوات. ولا تتوقف الضغوط عند الجانب المادي، إذ يؤكد أن ساعات العمل الطويلة حرمته من قضاء الوقت مع أبنائه الثلاثة، قائلًا إنه لا يراهم إلا يوم الجمعة، وهو اليوم الوحيد الذي يجمعهم، ويضيف أن غيابه المستمر ترك أثرًا نفسيًا عليهم، حتى أصبح وجوده بينهم استثناءً لا جزءًا من حياتهم اليومية.
ولا تختلف الصورة كثيرًا لدى باحث بشركة سيد للأدوية، حاصل على بكالوريوس العلوم، ويعمل في قسم الأبحاث منذ نحو عشر سنوات، ولا يتجاوز راتبه الشهري ثلاثة آلاف جنيه، رغم أنه يعمل من الثامنة صباحًا حتى الرابعة عصرًا، مؤكدًا أنه لم يستفد من تطبيق الحد الأدنى للأجور، وأن دخله لم يشهد زيادات تواكب ارتفاع تكاليف المعيشة.
وسيد للأدوية شركة تابعة لوزارة قطاع الأعمال العام سابقًا، وتأسست في أبريل عام 1947، وتعتبر من الشركات المصرية الرائدة في مجال تصدير الدواء، وتصدر منتجاتها إلى نحو 40 دولة، وقدمت طلبًا في مايو الماضي لقيدها في البورصة.
ويقول الباحث، الذي تحدث إلى "فكر تاني" شريطة عدم الكشف عن هويته، إن مقر إقامته في منطقة فيصل، بينما تقع الشركة في الهرم، ما يجعله يتحمل يوميًا تكاليف الانتقال، إلى جانب أعباء المعيشة الأخرى، معتبرًا أن الاستمرار في الوظيفة "لم يعد له جدوى اقتصادية"، على حد وصفه، لأن ما يتقاضاه لا يغطي احتياجاته الأساسية.
ويوضح أن راتبه الضعيف اضطره إلى العمل مدرسًا لمادة الفيزياء بعد انتهاء ساعات عمله الرسمية، في محاولة لتوفير دخل يساعده على تكوين نفسه والاستعداد للزواج، لكنه بات يفكر جديًا في تقديم استقالته، قائلًا إنه لا يرى أفقًا لتحسن أوضاعه المالية داخل الشركة، وإنه أصبح يوجه معظم جهده إلى العمل الإضافي لأنه يحقق له عائدًا أكبر. ويؤكد أن العمل لساعات طويلة في وظيفتين متتاليتين ترك أثرًا واضحًا على صحته وحياته الشخصية، موضحًا أنه لم يعد يجد وقتًا للاهتمام بنفسه أو التفكير في تكوين أسرة، ويضيف أن والده ووالدته توفيا، وهو الابن الوحيد بين ثلاث شقيقات، وكان يأمل في مساعدتهن على تجهيز أنفسهن للزواج، لكن دخله لم يعد يسمح له بذلك، مضيفًا "أنا مش عارف أجهز نفسي، ولا أساعد أخواتي، كل واحدة فيهم بتحاول تشتغل في أكتر من مكان علشان تعرف تعتمد على نفسها، وفي الآخر المحصلة صفر".
بين الوردية وعجلة القيادة
عامل ماهر آخر يشتغل بشركة مصر للألومنيوم في قسم صب المعدن، وهي مهنة تتطلب امتلاك مهارة عالية، اضطر إلى العمل سائقًا لتلبية احتياجات أسرته، إذ يقول لـ"فكر تاني"، "أتقاضى راتبًا شهريًا يبلغ نحو 6500 جنيه مقابل عمل بنظام الورديات في قسم صب المعدن، بينما لا يتجاوز أجري الأساسي ألف جنيه"، ويضيف أن دخله لم يعد يكفي احتياجات أسرته المكونة من زوجة وثلاثة أطفال، أحدهم في الصف الأول الابتدائي، والثاني في الصف الثاني الابتدائي، والثالث في مرحلة الحضانة، ما اضطره إلى العمل سائقًا على سيارة أجرة بعد انتهاء ورديته داخل المصنع.
ورغم أن العمل على السيارة يوفر له دخلًا إضافيًا يتراوح بين 150 و300 جنيه يوميًا، فإنه يدفع ثمن ذلك من وقته مع أسرته، إذ يقول "لا أرى أولادي إلا يوم الجمعة، بالنسبة لهم كأني مسافر خارج مصر، رغم أنني أعمل داخل البلد، لا أستطيع أن أغيب عن المصنع ولا عن السيارة، لأن غياب يوم واحد يعني نقصًا في مصروف البيت".

قرض للسكن.. أنفقته المعيشة
ويشير العامل، الذي تحفظ على نشر اسمه، إلى أنه حصل على قرض بقيمة 80 ألف جنيه، كان يعتزم استخدامه لتوفير مقدم وحدة ضمن مشروع الإسكان الاجتماعي، غير أنه لم يحصل على الشقة، ومع تزايد أعباء المعيشة اضطر إلى إنفاق قيمة القرض على احتياجات أسرته، ويخصم من راتبه شهريًا نحو 2700 جنيه لسداد أقساط القرض، وهو ما يزيد من الضغوط المالية التي يواجهها.
وأشار إلى أن مصروفات أسرته الأساسية أصبحت تلتهم دخله بالكامل، موضحًا أن إنفاقه اليومي يقترب من 500 جنيه "من غير لحمة ولا خضار"، مضيفًا أن الأسرة لم تعد تتناول اللحوم إلا على فترات متباعدة، فيما تبلغ فاتورة الكهرباء نحو 1500 جنيه شهريًا، إلى جانب مصروفات أخرى، رغم أن أبناءه يدرسون في مدارس حكومية. ويضيف أن غالبية العاملين بالشركة لجأوا إلى الاقتراض من البنوك لمواجهة أعباء المعيشة، وأن كثيرين منهم اضطروا إلى البحث عن أعمال إضافية بعد انتهاء ساعات العمل الرسمية.
خمسة ملايين انزلقوا تحت خط الفقر
ويرى الباحث الاقتصادي وائل جمال أن أزمة الأجور في مصر ليست وليدة اللحظة، وإنما نتيجة سنوات من موجات التضخم المتتالية التي التهمت جانبًا كبيرًا من دخول العاملين، دون أن تقابلها زيادات مماثلة في الأجور، وهو ما أدى إلى تراجع الأجور الحقيقية بنحو 40% وانخفاض القوة الشرائية للملايين من أصحاب الدخول الثابتة.
ويشير جمال، في تصريحات لـ"فكر تاني"، إلى أن أول مؤشر واضح على اتساع الأزمة ظهر في نتائج بحث الدخل والإنفاق لعام 2018/2019، الذي أعقب تحرير سعر الصرف عام 2016، وأظهرت نتائجه انزلاق نحو خمسة ملايين مصري تحت خط الفقر، بعدما أصبحت دخولهم غير قادرة على توفير الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية.
ويضيف أن الضغوط الاقتصادية لم تتوقف عند آثار التعويم الأول، فقد تفاقمت مع جائحة كورونا، ثم موجات خفض قيمة الجنيه والارتفاعات المتتالية في معدلات التضخم، التي ظلت عند مستويات مرتفعة لفترة طويلة، في حين لم تشهد الأجور زيادات تتناسب مع هذه الزيادات في الأسعار، ما أدى إلى اتساع الفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة.
ويوضح أن الحكومة اتجهت خلال السنوات الأخيرة إلى رفع الحد الأدنى للأجور أكثر من مرة، لكن هذه الزيادات، بحسب قوله، لم تكن كافية لتعويض ما فقدته الأجور من قيمتها الحقيقية، فضلًا عن أن تطبيق الحد الأدنى لا يزال يواجه مشكلات في عدد من جهات العمل، وهو ما يحرم بعض العاملين من الاستفادة منه.
ويطالب جمال بإقرار زيادات استثنائية للأجور تتناسب مع معدلات التضخم، إلى جانب توحيد جهود التنظيمات النقابية للدفاع عن حقوق العاملين والضغط من أجل تبني سياسات تضمن الحفاظ على القوة الشرائية للأجور، محذرًا من أن استمرار اتساع الفجوة بين الأجور والأسعار سيؤدي إلى مزيد من التراجع في مستويات المعيشة واتساع رقعة الفقر.
ومن جانبه، يقول الدكتور أحمد فخري، أستاذ علم النفس الإكلينيكي ورئيس قسم العلوم الإنسانية بجامعة عين شمس، إن العمل لا يقتصر على كونه مصدرًا للدخل، وإنما يمثل أحد أهم العوامل التي تمنح الإنسان الشعور بالاستقرار والاتزان النفسي، لما يوفره من إحساس بالهدف والقيمة والقدرة على تلبية احتياجاته الأساسية.
ويضيف أن تحقيق الرضا المهني يتطلب توافر مجموعة من المقومات، في مقدمتها أن يتناسب العمل مع قدرات العامل وميوله، وأن يحصل على أجر عادل يتلاءم مع طبيعة المهام التي يؤديها ويكفي لتلبية احتياجاته المعيشية، إلى جانب توافر بيئة عمل آمنة، وعلاقة مهنية مستقرة بين العامل والإدارة، وتحديد واضح للمهام والمسؤوليات.
ويحذر فخري من أن غياب هذه المقومات، خاصة عندما تتدنى الأجور ولا تواكب تكاليف المعيشة، يضع العامل تحت ضغوط نفسية ومهنية متراكمة قد تقوده إلى ما يُعرف بـ"الاحتراق الوظيفي"، وهي حالة من الإرهاق تؤثر في تركيزه وإنتاجيته، وتقلل من دافعيته للإنجاز والتطوير، وقد تزيد من احتمالات الوقوع في الأخطاء أو التعرض للإصابات أثناء العمل.
ويشير إلى أن لجوء كثير من العمال إلى وظائف إضافية بعد انتهاء ساعات عملهم الأساسية، لتعويض ضعف الدخل، يضاعف من الضغوط الواقعة عليهم، إذ يمتد يوم العمل لساعات طويلة على حساب الراحة والحياة الأسرية، وهو ما ينعكس على صحتهم النفسية والجسدية، ويؤثر في علاقاتهم الاجتماعية، وفي جودة أدائهم داخل العمل، بما ينعكس في النهاية على مستوى الإنتاجية.
ولم تختلف روايات العمال كثيرًا، رغم تنوع الشركات والوظائف التي يعملون بها، فالجميع تحدث عن راتب ينفد قبل نهاية الشهر، وأعباء معيشية تتزايد بوتيرة أسرع من نمو الدخول، ومحاولات مستمرة لتعويض هذا الفارق بالعمل الإضافي أو الاقتراض. وبين هذه الشهادات، وآراء الخبراء، تتجسد صورة لأزمة تتجاوز الأفراد، لتطرح تساؤلات متجددة حول قدرة سياسات الأجور الحالية على مواكبة الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة.