محطات التحلية في مصر.. توسع بالمليارات وأداء مناخي "ضعيف إلى متوسط"

لم يكن اضطراب تشغيل محطة تحلية مياه المنصورة الجديدة، مطلع العام الجاري، بسبب ارتفاع عكارة مياه البحر خلال إحدى نوّات المتوسط، مجرد أزمة تشغيلية عابرة انتهت بإجراءات طوارئ لضمان استمرار إمدادات المياه، فقد كشف عن تحدٍّ أكبر يواجه المدن الساحلية الجديدة في مصر، يتمثل في مدى قدرة منظومة التحلية على الصمود أمام الظواهر المناخية المتطرفة، التي تشير الدراسات إلى أنها مرشحة للتزايد في السنوات المقبلة.

تكتسب هذه القضية أهمية خاصة في ظل التوسع غير المسبوق الذي تشهده مصر في إنشاء محطات تحلية مياه البحر، باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لتأمين احتياجات المدن الساحلية من مياه الشرب. فمع زيادة الاعتماد على التحلية، لم يعد السؤال يقتصر على عدد المحطات أو طاقتها الإنتاجية، فقد أصبح يتعلق أيضًا بمدى جاهزية هذه المنظومة للاستمرار في العمل بكفاءة عند تعرضها للعواصف البحرية، وارتفاع عكارة المياه، وغيرها من التأثيرات المرتبطة بتغيّر المناخ.

ومن هنا، ينطلق هذا التحقيق من واقعة المنصورة الجديدة باعتبارها نموذجًا عمليًا، ليفحص مدى جاهزية منظومة تحلية مياه البحر في المدن الساحلية المصرية، مثل العلمين الجديدة والجلالة ورأس الحكمة، من خلال تقييم عناصر المرونة التي تعتمد عليها، بما يشمل مصادر المياه البديلة، والخزانات الاستراتيجية، وخطط الطوارئ، وأنظمة الإنذار المبكر، ومدى ملاءمة التصميمات الهندسية الحالية للمحطات في مواجهة المخاطر المناخية.

كما يتتبع حجم الاستثمارات التي تضخها الدولة في قطاع التحلية، مستفيدًا من تجارب دول تعتمد بصورة واسعة على تحلية مياه البحر، مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة. وفي النهاية، يسعى التحقيق للإجابة عن سؤال محوري، هل يكفي التوسع في إنشاء محطات التحلية لضمان أمن المياه في المدن الساحلية، أم أن استدامة الخدمة أصبحت مرهونة بقدرة هذه المنظومة على التكيف مع تغيّر المناخ وإدارة الأزمات؟

أعمدة الأمن المائي

تكشف الخطة الحكومية للتوسع في تحلية مياه البحر عن حجم الاستثمارات التي تضخها الدولة لتعزيز أمنها المائي حتى عام 2050. وخلال اجتماع ترأسه رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي لمتابعة مشروعات التحلية، استعرضت وزارة الإسكان الموقف التنفيذي للخطة الاستراتيجية (2020-2050)، التي تقوم على أربعة محاور موزعة على ست خطط خمسية لتأمين احتياجات مياه الشرب ومواكبة الزيادة السكانية وخطط التنمية.

ووفقًا لـبيانات وزارة الإسكان، تمتلك مصر حاليًا 129 محطة تحلية بطاقة إنتاجية إجمالية تبلغ 1.411 مليون متر مكعب يوميًا، إلى جانب 19 محطة قيد التنفيذ بطاقة 687 ألف متر مكعب يوميًا. كما تعتزم الدولة تنفيذ 11 مشروعًا بنظام الشراكة مع القطاع الخاص (PPP) في محافظات مطروح والبحر الأحمر وشمال وجنوب سيناء، بطاقة إنتاجية تصل إلى 485 ألف متر مكعب يوميًا، فضلًا عن التخطيط لإقامة 14 مشروعًا إضافيًا بالشراكة مع القطاع الخاص بطاقة إجمالية تبلغ 2.36 مليون متر مكعب يوميًا. وبالتوازي مع التوسع في إنشاء المحطات، تتبنى الحكومة خطة لتوطين صناعة أغشية التحلية والمكونات الكهروميكانيكية، عبر جذب استثمارات الشركات العالمية وتشجيع التصنيع المحلي، بهدف خفض تكلفة التشغيل وتعزيز استدامة القطاع.

وتوضح الخطة التنفيذية لتحلية مياه البحر حتى عام 2050 أن الدولة تنظر إلى التحلية باعتبارها أحد أعمدة الأمن المائي للمدن الساحلية، وليس مجرد مصدر إضافي للمياه.

ووفقًا لـتصريحات الدكتور سيد إسماعيل، نائب وزير الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، تستهدف الاستراتيجية تقليل الاعتماد على نقل مياه النيل إلى المحافظات الساحلية، وتأمين احتياجات المدن الحالية والجديدة، ودعم خطط التنمية العمرانية، بالتوازي مع التوسع في تنفيذ مشروعات بالشراكة مع القطاع الخاص، إذ يجري الإعداد لتنفيذ ثماني محطات بنظام (PPP) حتى عام 2030 بعد تأهيل 17 تحالفًا من الشركات المحلية والعالمية للمنافسة على تنفيذها.

لكن هذا التوسع يطرح سؤالًا آخر لا تجيب عنه أرقام الاستثمارات وحدها، فإلى أي مدى تتواكب زيادة الإنفاق على إنشاء محطات التحلية مع الاستثمار في تعزيز مرونة هذه المنظومة أمام العواصف البحرية وارتفاع عكارة المياه وغيرها من المخاطر المناخية التي قد تؤثر على استمرارية الخدمة؟

صورة مولّدة باستخدام تقنية الذكاء الاصطناعي

كلفة التوسع في البحر

وتشير دراسة علمية نُشرت في مجلة عين شمس الهندسية بعنوان "تحلية المياه في مصر، مراجعة وتقييم الأدبيات" إلى أن التوسع في تحلية مياه البحر يمثل إحدى الركائز الرئيسية لمواجهة الفجوة المائية في مصر، غير أنه يفرض في الوقت نفسه تحديات فنية وبيئية تتطلب تخطيطًا طويل الأجل.

الدراسة، التي أعدها الباحث ياسر الصاوي بالتعاون مع باحثين من جامعة عين شمس ومعهد الشروق، راجعت الأدبيات العلمية والخطط الحكومية الخاصة بتحلية المياه حتى عام 2050، بهدف تقييم مدى ملاءمة هذه التقنية لتلبية احتياجات المدن الساحلية.

وخلصت الدراسة إلى أن تقنية التناضح العكسي (Reverse Osmosis) أصبحت الخيار الأكثر ملاءمة لمصر، إذ تستحوذ على نحو 70% من القدرة الإنتاجية العالمية لمحطات التحلية، كما أنها الأقل استهلاكًا للطاقة مقارنة بالتقنيات الأخرى، بمتوسط يتراوح بين 3 و5.5 كيلوواط/ساعة لإنتاج متر مكعب واحد من المياه.

ورصدت الدراسة التوسع الكبير الذي تستهدفه الدولة في هذا القطاع، مشيرة إلى أن مصر كانت تمتلك وقت إعداد الدراسة 90 محطة لتحلية مياه البحر، منها 76 محطة تعمل بكامل طاقتها، بينما تستهدف الخطة الاستراتيجية الممتدة حتى عام 2050 رفع الطاقة الإنتاجية إلى 6.4 مليون متر مكعب يوميًا باستثمارات تُقدر بنحو 134 مليار جنيه.

لكن الباحثين يؤكدون أن نجاح هذا التوسع لا يعتمد على إنشاء محطات جديدة فقط، فهو يرتبط أيضًا بقدرة الدولة على معالجة التحديات البيئية والتشغيلية المصاحبة، وعلى رأسها إدارة المياه شديدة الملوحة (الرجيع) الناتجة عن عمليات التحلية، التي قد تؤثر في النظم البيئية البحرية إذا لم تُصرف وفق معايير دقيقة.

وتلفت الدراسة إلى أن جهاز شؤون البيئة يشترط ألا تتجاوز الزيادة في تركيز الملوحة 5% في منطقة التصريف، بما يضمن الحد من الأثر البيئي على الكائنات البحرية. كما تحذر من أن ارتفاع استهلاك الطاقة وتكلفة الأغشية المستخدمة في محطات التناضح العكسي لا يزالان من أبرز التحديات الاقتصادية، داعية إلى التوسع في استخدام الطاقة المتجددة، وتوطين صناعة مكونات محطات التحلية، وتطوير نماذج أكثر كفاءة للتعامل مع مياه الرجيع، إلى جانب وضع معايير تصميم موحدة لمحطات التحلية وشبكات تصريفها، بما يعزز استدامة هذا القطاع في ظل التوسع المخطط للمدن الساحلية الجديدة.

ومن جانبه، يرى الدكتور ضياء الدين القوصي، خبير المياه الدولي ومستشار وزير الموارد المائية والري ونائب رئيس المركز القومي لبحوث المياه الأسبق، أن المصطلح الأدق لوصف عملية نزع الأملاح من المياه هو "الإعذاب" وليس "التحلية".

ويؤكد القوصي أن مصر لا تملك خيارًا مختلفًا عن الاستمرار في عمليات الإعذاب واعتبارها أحد المصادر الرئيسية للموازنة المائية، غير أنه يشدد في الوقت نفسه على أن ذلك لا يعني بأي حال التخلي عن الحق القاطع لمصر في حصتها المائية من نهر النيل.

ويضيف أن الاعتماد على الإعذاب لا ينفي الضرورة القصوى للاهتمام بالتعاون مع دول حوض النيل، والسعي الدؤوب إلى تنمية الموارد النيلية والعمل على زيادة الحصة المصرية منها.

ويشير القوصي إلى أن مصر تتمتع بميزتين نسبيتين في عمليات الإعذاب، تتمثل الأولى في وجود مخزون جوفي هائل من المياه المالحة، تقل نسبة تركيز الأملاح فيها كثيرًا عن مياه البحار، بينما تتمثل الثانية في امتلاك مصر إمكانيات هائلة لتوليد الطاقة من المصادر المتجددة، وعلى رأسها الشمس والرياح.

وبحسب القوصي، فإن نجاح مصر في إعذاب المياه الجوفية المالحة من مصادرها المتعددة باستخدام الطاقة المتجددة يمكن أن يتيح الوصول إلى منتج يتمتع بجدوى اقتصادية مرتفعة للغاية. وعندئذ، يمكن القول إن مصر تمتلك مصدرًا جديدًا منافسًا للمصادر التقليدية للمياه، وفي مقدمتها نهر النيل والمياه الجوفية والأمطار.

أداء ضعيف إلى متوسط

وأشار بحث علمي حديث، نُشر في فبراير 2026 تحت عنوان "مؤشر iWater، إطار عمل حساس لتحلية المياه من أجل أمن المياه ومرونتها مع تطبيقات في مصر" بمجلة Urban Science، تقييمًا شاملًا لقطاع تحلية مياه البحر في مصر، لا يقتصر على الجوانب الهندسية، فهو يقيس مدى مساهمة هذا القطاع في تحقيق أمن المياه والاستدامة والمرونة في مواجهة التغيرات المناخية.

أعد الدراسة الباحث حسن طلبة أبو النجا من جامعة كولونيا للعلوم التطبيقية بألمانيا، بالتعاون مع الباحثة أمنية عبد السعد من جامعة المنصورة، وطوّر الباحثان إطارًا تقييميًا جديدًا يحمل اسم DECSI، إلى جانب مؤشر مركب أطلقا عليه iWater لقياس أداء قطاع التحلية من خلال خمسة أبعاد رئيسية تشمل أمن المياه، والاستدامة البيئية، والمرونة المناخية، والعدالة الاجتماعية، والحوكمة المؤسسية.

واعتمدت الدراسة على تحليل أوضاع 125 محطة لتحلية مياه البحر كانت تعمل في مصر حتى أوائل عام 2025، موزعة على ست مناطق جغرافية هي، الساحل الشمالي الغربي، والساحل الشمالي الأوسط، والساحل الشمالي الشرقي، ومنطقة قناة السويس، ومحافظة البحر الأحمر، وجنوب سيناء. واستخدم الباحثون 31 مؤشرًا لقياس أداء القطاع، ضمن مقياس رقمي يتراوح من درجة واحدة (أداء ضعيف) إلى خمس درجات (أداء قوي).

وأظهرت النتائج أن قطاع تحلية المياه في مصر حقق 2.68 درجة من أصل 5 على مؤشر iWater، وهو ما وصفه البحث بأنه يقع في نطاق "الأداء الضعيف إلى المتوسط"، بما يعكس وجود تقدم في التوسع بإنشاء المحطات، مقابل استمرار تحديات تتعلق بالاستدامة والمرونة.

ورصد البحث نموًا ملحوظًا في قدرات التحلية، حيث ارتفع عدد المحطات إلى 125 محطة بإجمالي طاقة إنتاجية بلغت 1.31 مليون متر مكعب يوميًا حتى عام 2025، لكن بعد المرونة المناخية سجل أدنى تقييم بين جميع المؤشرات، محققًا 2.00 من 5، ما اعتبره الباحثون أبرز نقطة ضعف في القطاع، في ظل تزايد مخاطر ارتفاع مستوى سطح البحر والظواهر الجوية المتطرفة.

كما كشف عن تفاوت واضح في تكاليف إنشاء المحطات بين المناطق الساحلية المختلفة، إذ بلغ متوسط التكلفة الرأسمالية نحو 716 دولارًا لكل متر مكعب من الطاقة الإنتاجية في الساحل الشمالي الغربي، بينما ارتفع إلى 1264 دولارًا في الساحل الشمالي الأوسط، وهو ما أرجعه البحث إلى اختلاف خصائص المواقع، وتأثير الرواسب والملوثات المنقولة من دلتا النيل، وما تفرضه من متطلبات هندسية إضافية.

ورغم هذه النتائج، يشير الباحثان إلى أن تقييم القطاع لا يزال يواجه تحديات تتعلق بندرة البيانات الرسمية المحدثة، خاصة فيما يتعلق بكميات المياه المالحة الناتجة عن التحلية (الرجيع)، وآثارها البيئية، والتكاليف التشغيلية، وهو ما اضطرهما إلى الاستعانة ببعض التقديرات الفنية وآراء الخبراء. كما لفتا إلى غياب قاعدة بيانات وطنية مفتوحة تتيح تتبع أداء المحطات ومؤشرات الاستدامة بصورة دورية.

وأشار البحث إلى أن نجاح استراتيجية مصر في التوسع في تحلية مياه البحر لن يتحقق بالاعتماد على زيادة عدد المحطات فقط، وإنما يتطلب دمج اعتبارات التكيف مع تغير المناخ في تصميم وتشغيل المحطات الجديدة، والتوسع في استخدام الطاقة المتجددة، خاصة الطاقة الشمسية، وإنشاء قاعدة بيانات وطنية تدعم الشفافية واتخاذ القرار، إلى جانب دمج التحلية ضمن منظومة الإدارة المتكاملة للموارد المائية، بما يشمل تقليل فاقد المياه في شبكات التوزيع، وتعزيز إعادة استخدام المياه، لضمان استدامة إمدادات المياه في المدن الساحلية خلال العقود المقبلة.

صورة مولّدة باستخدام تقنية الذكاء الاصطناعي

مياه تتآكل

كما تدعم نتائج دراسة علمية حديثة بعنوان "ديناميكيات الترسب والتآكل في محطات تحلية المياه المصرية" المخاوف المتعلقة باستدامة تشغيل محطات تحلية مياه البحر في مصر، إذ رصدت تحديات فنية قد تؤثر على كفاءة هذه المحطات وعمرها التشغيلي إذا لم تُدار بصورة دقيقة.

الدراسة، التي قادها الباحث علي ندا بالتعاون مع فريق بحثي من الجامعة المصرية اليابانية للعلوم والتكنولوجيا (E-JUST)، وبمشاركة باحثين من جامعات طنطا، وقناة السويس، والإسكندرية، ومعهد طوكيو للتكنولوجيا، وجامعة الباحة السعودية، نُشرت في International Journal of Environmental Science and Development، واعتمدت على متابعة ميدانية امتدت طوال عام 2023.

وشملت الدراسة ثماني محطات لتحلية مياه البحر تعمل بتقنية التناضح العكسي، موزعة على ساحلي البحر الأحمر والمتوسط، وهي، اليسر، والطور، والجلالة، ونويبع، والرميلة، والعلمين، والمنصورة الجديدة، وكليوباترا. واعتمد الباحثون على تحليل عينات شهرية من مياه التغذية، والمياه المالحة الناتجة عن التحلية (الرجيع)، والمياه المنتجة، باستخدام مؤشرات دولية لتقييم الاستقرار الكيميائي للمياه.

وأظهرت النتائج أن مياه البحر الداخلة إلى المحطات، وكذلك المياه المالحة الناتجة عنها، تميل إلى تكوين الرواسب الكلسية التي قد تؤدي إلى انسداد الأنظمة وتقليل كفاءة الأغشية، في حين أن المياه المحلاة نفسها تصبح أكثر قابلية للتآكل نتيجة انخفاض تركيز المعادن بها، وهو ما قد يؤثر على خطوط النقل وشبكات التوزيع إذا لم تُعالج بالشكل المناسب.

كما خلص الباحثون إلى أن درجة الحموضة تُعد العامل الأكثر تأثيرًا في استقرار المياه داخل المحطات، متقدمة على تأثير التغيرات الموسمية في درجات الحرارة. وأوصت الدراسة بتطبيق برامج تشغيل ومعالجة أكثر دقة، تشمل التحكم في الجرعات الكيميائية وإعادة تمعدن المياه المنتجة، بما يحد من التآكل والترسيب، ويطيل العمر التشغيلي للأغشية والمعدات، ويعزز كفاءة محطات التحلية واستدامة إمدادات مياه الشرب.

وبينما تمضي مصر في التوسع بعمليات إعذاب المياه باعتبارها أحد روافد موازنتها المائية، تظل استدامة هذا الخيار مرتبطة بقدرة الدولة على بناء منظومة أكثر مرونة، تجمع بين تنويع مصادر المياه، والاستثمار في الطاقة المتجددة، وحماية الموارد التقليدية، بما يضمن استمرار الإمدادات في مواجهة التحديات المناخية والمائية المتزايدة.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة