تشعر فاتن، وهو اسم مستعار لصحفية، بالخجل من أسرتها لأنها ما تزال تتقاضى مصروفًا منهم كل شهر، وتقول في حديثها لـ"فكر تاني" "أهلي إلى الآن بيصرفوا عليَّ رغم أنني عُينت في إحدى الصحف الأسبوعية، والتحقت بنقابة الصحفيين منذ فترة طويلة".
وفاتن ليست استثناءً، وإنما تنظم حكايتها واقعًا يشمل آلاف الصحفيين الذين يعانون ظروفًا اقتصادية طاحنة في ظل تدني الرواتب، وندرة الفرص المهنية التي قد توفر دخلًا قادرًا على مواجهة الأعباء والمتطلبات اليومية. وهو ما تختبره فاتن بنفسها مع راتبها، إذ توضح قائلة "المفروض بعد التعيين والالتحاق بنقابة الصحفيين كنت أساعد أسرتي في الأحوال المعيشية، ولكن صرت أحصل منهم على أموال في ظل هذه الظروف، وأشعر بخيبة أمل شديدة بعد تلك الرحلة".
وهو الراتب الذي انقطع تمامًا بعد أن تعرضت الصحيفة الأسبوعية الخاصة التي تعمل بها "فاتن" إلى مشكلات مالية أدت إلى توقفها عن الصدور بشكل شبه نهائي، وتقول "الأمر لم يعد يفرق كثيرًا، فحتى عندما كانت صحيفتي الأسبوعية تصدر بانتظام لم تكن الأجور عادلة، ولم تصل حتى إلى الحد الأدنى للأجور المعتمد من الدولة".
ولا تبدو أوضاع الصحفيين أفضل حالًا حتى مع استمرار عملهم، إذ ترى "فاتن" أن الصحفي المصري في هذه الأيام يعيش أسوأ أوضاعه الاقتصادية في ظل الأجور "الميتة"، فحتى بدل التدريب والتكنولوجيا الذي يحصل عليه الصحفيون من النقابة لا يكفي المواصلات التي تحتاجها التحركات اليومية إذا كان الصحفي منتظمًا في مكان ما، وهو البدل الذي يبلغ 4500 جنيه شهريًا لأعضاء النقابة بجدولي تحت التدريب والمشتغلين.
وتضيف "فاتن" سببًا آخر يفاقم الأزمة، وهو "الشللية" المسيطرة على بعض الأماكن الصحفية، إذ تقول "حاولت أعمل في أماكن كثيرة، ولكن الأوضاع في مهنتنا تشوبها الشللية والعلاقات، وأعرف أصدقاء مقربين وكفاءات لا يجدون أماكن للعمل بها في ظل تلك الأوضاع"، مطالبة النقابة بوضع لائحة محددة للأجور، وآليات لتطبيقها في الصحف والمواقع الإلكترونية، واستخدام القانون في رفع الظلم عن الصحفيين وعدم التعامل مع الصحف التي لا تطبق الحد الأدنى للأجور، مشيرة إلى أن وزارة الدولة للإعلام بقيادة ضياء رشوان يجب أن يكون لها دور في هذه القضية الخطيرة.
وتكشف الأرقام حجم هذه الأزمة بوضوح أكبر، إذ أصدرت نقابة الصحفيين نهاية عام 2024 استبيانًا شارك فيه 1568 زميلًا وزميلة، 88% منهم نقابيون، كشف أن تدني الأجور في المؤسسات الصحفية صار ظاهرة عامة. وأظهر الاستبيان الذي عرض ضمن فعاليات المؤتمر السادس للصحافة المصرية أن 13.1% من المشاركين لا يحصلون على أي أجر، و7.1% أجورهم تقل عن 1000 جنيه شهريًا، و18.9% يحصلون على أجر أقل من 3000 جنيه شهريًا، و37.7% يحصلون على أجر أقل من 6000 جنيه شهريًا، و72% يعيشون على أقل من الحد الأدنى للأجور وقت إجراء الاستبيان، وهو ما دفع 65.5% من الصحفيين للعمل الإضافي، منهم 30% يعملون في مهن غير صحفية.
صحفي "مؤقتًا"
وهذه الأزمة لا تقتصر على تدني الأجور وحده، وإنما تمتد إلى غياب التعيين نفسه لسنوات طويلة، وهو ما يختبره "وحيد"، وهو أيضًا اسم مستعار لصحفي يعمل في مؤسسة قومية عريقة منذ عام 2016، إذ كان يحصل حتى عام 2019 على أقل من ألف جنيه شهريًا لأنه من "الصحفيين المؤقتين"، وبعد 11 عامًا من العمل لم يعين بعد. ويقول لـ"فكر تاني"، إنني "التحقت بالمؤسسة منذ أكثر من 11 عامًا، ومع ذلك أحصل الآن على مبلغ يتراوح من 3 آلاف إلى 3500 جنيه شهريًا"، موضحًا أن هذا المبلغ يشمل الأساسي والزيادة التي أقرتها الهيئة الوطنية للصحافة للصحفيين المؤقتين.
وهذا الملف الذي طال أمده بدأ يشهد تحركًا على المستوى الرسمي، إذ أوصت لجنة الثقافة والإعلام بمجلس النواب في منتصف يونيو الماضي بتعيين جميع الصحفيين المؤقتين بالصحف القومية خلال 3 أشهر كحد أقصى، وشدد علاء ثابت وكيل الهيئة الوطنية للصحافة على أن الهيئة ترحب بتعيين "المؤقتين" بما يتيح دخول أجيال جديدة من خريجي كليات الإعلام والصحافة إلى المؤسسات القومية، كاشفًا عن أن عدد المؤقتين يبلغ 330 صحفيًا و185 إداريًا و200 عامل، موضحًا أنه أُعدت دراسة بشأنهم بالتنسيق مع الجهات المعنية، وأن الملف موجود حاليًا لدى وزارة المالية والجهاز المركزي للتنظيم والإدارة.
وريثما يُحسم هذا الملف، يظل "وحيد" محرومًا من أبسط حقوق زملائه المعينين، إذ يقول لـ"فكر تاني"، "بالطبع لا أحصل على أي حق من حقوق الزملاء المعينين في المؤسسة مثل التأمين الصحي أو الإجازات الدورية، رغم أن كل الواجبات الخاصة بالعمل قد تكون متساوية مع هؤلاء المعينين، أو ممكن أعمل أكتر في بعض الأحيان، فضلًا عن أنني بالطبع لا أحصل على امتيازات من نقابة الصحفيين لأنني لست عضوًا بها".
ولم تقتصر تداعيات هذا الانتظار الطويل على الجانب المهني وحده، وإنما امتدت إلى حياته الاجتماعية، إذ تسببت في تأخره عن الزواج، يقول "رفضت التعيين في أماكن أخرى أو الالتحاق منها بالنقابة، لأني أضعت أعوامًا طويلة من عمري داخل المؤسسة القومية الكبرى"، ويرى أن من حقه التعيين والالتحاق بالنقابة من خلالها.
وأمام هذا الواقع، لجأ "وحيد" إلى مصادر دخل إضافية للتحايل على ضيق الحال، يقول "عملت في الميديا وفري لانسر بجانب عملي في المؤسسة، وكله بيخدم على بعضه"، مشيرًا إلى أنه في الأعوام الستة الأولى من حياته المهنية كان العمل في أكثر من مكان شيئًا ممتعًا، ولكن مع الوقت وزيادة الضغوط أثر ذلك على العمل الأصلي في المؤسسة القومية التي يعمل بها، ولكن لا مفر، ويفسر "الظروف الاقتصادية تجبر الجميع على خوض مسارات بشكل إجباري، والمعينون وغير المعينين يعملون بجانب عملهم الأصلي". موضحًا "أنا مش واخد ربع حقي، فالطبيعي يكون فيه تأثير على جودة العمل في المكان الأصلي الذي أعمل به، ولكن في كل الظروف الواحد بيحاول يعمل توازن وتقديم موضوعات صحفية كويسة، لكن لو اتعينت وحصلت على راتب كويس، أيه اللي يدفعني للعمل وإرهاق نفسي 16 ساعة يوميًا؟ سأعمل 8 ساعات، وباقي الوقت سيكون بين أسرتي".
"مساعد الظل"
ولا يختلف الحال كثيرًا اقتصاديًا بين الصحيفة الخاصة والمؤسسة القومية وصولًا إلى الصحيفة الحزبية، إذ يقول زميل آخر إن صحيفته الحزبية طبقت الحد الأدنى للأجور بعد صراع ووقفات احتجاجية (7 آلاف جنيه في ذلك الوقت)، موضحًا أنه بعد خصم الضرائب والتأمينات يصل المرتب إلى 6 آلاف جنيه شهريًا. وأضاف لـ"فكر تاني"، أن هناك مطالبات الآن بتطبيق القيمة الجديدة للحد الأدنى للأجور المعتمدة من الدولة، 8 آلاف جنيه شهريًا، موضحًا أنه يقال لهم إن المؤسسة متعثرة ماليًا، وتابع "المدهش أن تطبيق الحد الأدنى للأجور بقى سلاح ضدنا، فيه بصمة وحضور وانصراف، والمؤسسة بتتحجج وبتقول إن هذا التطبيق تسبب في تكلفة مالية كبيرة عليها، فضلًا عن أن هناك زيادة في عدد الصحفيين، على حد وصف الإدارة، وفيه كلام داخل المؤسسة إنه سيتم الاستغناء عن البعض".
واستكمل الصحفي، الذي طلب أيضًا عدم الكشف عن هويته، قائلًا "المرتب مش بيكفي خاصة الزملاء أصحاب الأسر، والناس بالطبع شغالة في أماكن برا، حتى في أعمال أخرى بعيدًا عن الصحافة مثل العمل في الصيدليات، أعرف حالات كدا، الناس بتدور على فرص تانية بعد الضهر لمحاولة تحقيق توازن بين الأجور ومتطلبات الحياة اليومية والمعيشية".
وهذا البحث عن مصدر دخل إضافي يأخذ عند البعض شكلًا أكثر تعقيدًا، إذ يلجأ زميل صحفي بأحد المواقع الإلكترونية إلى العمل في موقع أو أكثر أثناء تواجده في "شيفت" موقعه الأصلي، ويستعين بزميل آخر كمساعد، ويقول لـ"فكر تاني"، "راتبي لا يفي بمتطلباتي اليومية، الأمر الذي يدفعني إلى العمل في منصات إلكترونية أخرى سواء بمعرفة موقعي الأصلي أو لا". ويضيف "أحيانًا أضطر للعمل في موقع إلكتروني أو اثنين أثناء العمل في شيفت مكاني الأصلي"، معترفًا بأن هذا الأمر يؤثر بالطبع على أدائه من حيث جودة المادة الصحفية المقدمة في مكانه الأصلي، مع استنفاد الطاقة والمجهود والانتباه في العمل بأكثر من مكان، ومستدركًا "ولكن ما باليد حيلة وسط هذه الظروف الاقتصادية الصعبة". وهو ما دفعه إلى الاستعانة بـ"مساعد"، وهو شخص "يتقمص شخصيته" ويساعده في العمل في تلك الأماكن على أن يقتسم الراتب فيما بينهما، خاصة أن العمل "أون لاين"، ويواصل "هذا المساعد يجب أن يكون هناك تفاهم بيننا، ونقتسم ساعات العمل أون لاين أحيانًا، أعمل 4 ساعات وهو 4، أو أحيانًا أشيل عدد ساعات أكتر، ولكن المهم الدنيا تمشي، وأهو المبلغ اللي بيطلع آخر الشهر بينفع".
"لا تسألني عن المهنية"
وهذه التجارب الفردية تعكس أزمة بنيوية أوسع، وهو ما يؤكده محمد خراجة عضو مجلس نقابة الصحفيين السابق، إذ يقول إن أجور الصحفيين تعد من أدنى الأجور في العمالة العادية، مشددًا على أنه حتى أجر الصحفي في المؤسسات الصحفية القومية "متدنٍ"، ويستثنى من ذلك رؤساء التحرير ومديرو التحرير، أما الفئات التي تليهم فالأجر الخاص بهم يتساوى مع "أجر بياع في محل".
وفي حديثه لـ"فكر تاني" أضاف خراجة، الذي تولى سابقًا رئاسة تحرير صحيفة الأهرام المسائي، وهو متخصص في الشؤون الاقتصادية، أن الصحف التابعة للشركة المتحدة للخدمات الإعلامية تطبق الحد الأدنى وهذا أمر جيد، ولكن في الوقت عينه لدينا صحف خاصة وحزبية ضعيفة أو ليس لديها أجور من الأصل.
ويرجع "خراجة" جذور هذا التراجع إلى ما بعد عام 2014، إذ تراجعت مهنة الصحافة بشكل كارثي داخل مصر، مرجعًا هذا الأمر إلى محاصرة مهنة الصحافة بالقوانين والتوجهات، مؤكدًا أنه كانت هناك محاولة لـ"تشويه هذه المهنة". وللتدليل على انتعاشة مهنة الصحافة في فترات زمنية سابقة مقارنة بالوقت الحالي، يقول عضو مجلس النقابة السابق "في فترة التسعينيات وفي فترة الرئيس الراحل مبارك كنت أعمل في 9 مكاتب عربية، وكان لا يعنيني أن أحصل على بدل التدريب والتكنولوجيا أو راتب من مؤسسة الأهرام، وفي الوقت عينه كنا بنقدم شغل صحافة حقيقيا".
وتابع "ما دام أنت لا تمنح الصحفي الأجر المناسب له فلا تسأله عن المهنة، حتى الصحفي لا يستطيع أن يدخل وزارة أو يحصل على تصريح من مسؤول، وفي الوقت عينه يحدثوننا عن تطوير الإعلام"، متسائلًا باستنكار "أي تطوير للإعلام في مثل تلك الظروف والصحفي لا يستطيع أن يؤدي عمله بكفاءة مثل الدخول والعمل بصورة طبيعية في مصادره الصحفية؟". وعن عمل الصحفيين بمهن أخرى بعيدًا عن المهنة لمحاولة مواجهة الرواتب المتدنية والظروف الاقتصادية الصعبة، قال عضو مجلس نقابة الصحفيين السابق إنه يعرف زملاء يعملون في "مكاتب محاسبة"، مبررًا "مفيش قدامهم بديل تاني وسط هذه الظروف الاقتصادية التي تضغط على الجميع من النواحي كافة".
وإزاء هذا الواقع، يتهم "خراجة" الدولة بـ"التعنت"، موضحًا أن بدل التدريب والتكنولوجيا الحالي يجب أن تتم مضاعفة قيمته، وأن يكون مقننًا بأي صورة سواء بقانون أو قرار منعًا للتلاعب به، على أن تتم زيادته سنويًا بنسبة 20%. وأوضح "البدل حق مكتسب للصحفيين وفقًا للدستور ووفقًا للأعراف ووفقًا لدخل الدولة من البترول والغاز وقناة السويس، خاصة أن هناك تعطيلًا للمهنة بقصد أو دون قصد، والصحفيين والنقابة استكانوا لهذه الأوضاع"، مطالبًا بمعاملة الصحفيين في الرواتب مثل الضباط والقضاة وبقية الفئات التي تحصل على رواتب مميزة.
وعلى الرغم من تدني الأجور والأجواء الطاردة من مهنة الصحافة، يرى خراجة أن المهنة لن تنقرض، مفسرًا "مهنة الصحافة متداس عليها في هذه الفترة وفي ظل الحكومة الحالية، لكن لما النظام يشيل إيده عن مهنة الصحافة ويسيبها تشتغل هترجع زي ما كانت". وختم "يوم المهنة ما يكون فيها حرية مسؤولة وانتقاد للمسؤولين هتلاقي مهنة بالفعل، وهتلاقي دخل وأجور جيدة".

جذور الأزمة
ويتقاطع حديث خراجة مع الدعوة التي أطلقها خالد البلشي نقيب الصحفيين، الذي طالب بضرورة تحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للصحفيين باعتبارها السبيل إلى ضمان إعلام قوي، مشيرًا إلى أن دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي لفتح المجال أمام حوار إعلامي يشمل الرأي والرأي الآخر تأتي بينما تتراجع الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للصحفيين. وشدد "البلشي" على أن ضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لممارسي المهنة هو أحد السبل لتطوير الإعلام، وأنهما يشكلان مسارًا واحدًا يكمل كل منهما الآخر، مطالبًا بتعديل التشريعات المنظمة للصحافة والإعلام، وعلى رأسها قانون تنظيم الصحافة والإعلام، بما يرسخ استقلال المؤسسات الصحفية، ويسهل أداء الصحفيين لواجبهم المهني، ويرفع القيود على حرية الرأي والتعبير، ويحسن أجور العاملين بما يتناسب مع معدلات التضخم. وثمن "البلشي" دعوة الرئيس السيسي وتقدير النقابة للدعوة إلى اجتماع سنوي دوري يوم 3 ديسمبر من كل عام لمناقشة أوضاع الإعلام وتطويره، والخروج بتوصيات عملية مستمرة، موضحًا أن النقابة ترحب بهذه المبادرة وتمد يدها لوزارة الدولة للإعلام ولمؤسسات الدولة والهيئات القائمة على العمل الإعلامي للتعاون وتحسين أوضاع الصحافة باعتبارها أحد ركائز قوة مصر.
وفي السياق نفسه، يرى أيمن عبد المجيد وكيل نقابة الصحفيين للتشريعات أن أزمة أجور الصحفيين "متجذرة" في الصحافة المصرية، وأنها بلغت من التدني أن عددًا من الجرائد لا تمنح رواتب للعاملين بها من الأساس، مشيرًا إلى أن هذا الأمر يعد تحديًا خطيرًا. وأضاف عبد المجيد، في حديثه لـ"فكر تاني" أن الدولة بتشريعاتها تلزم أي جهة خاصة أو حكومية بحدود دنيا للأجر لا تقل عن 8 آلاف جنيه شهريًا، لافتًا إلى أن هذا هو الحد الأدنى للأجور، ما يعني أنه من المفروض أن هناك رواتب من المفروض أن تزيد عن هذا المبلغ، رابطًا هذه الزيادة بعدة شروط مثل سنوات الخبرة، ومستويات الكفاءة، وتقييم المؤسسات لصحفييها وقدرتها المالية، فضلًا عن الجهد المبذول من القائمين عليها، ولكن المهم أن الأجر المفروض ألا يقل عن 8 آلاف جنيه شهريًا.
ويضيف وكيل نقابة الصحفيين للتشريعات أن المؤسسات الصحفية القومية هي الأكثر استقرارًا على المستوى المالي، والعاملون بها هم الأكثر حظًا في الحصول على الخدمات وانتظام الأجور، ضاربًا المثل بزيادة أجور العاملين بالمؤسسات الصحفية القومية بمبلغ ألف جنيه شهريًا اعتبارًا من راتب شهر يوليو الجاري، ثم توجيه المهندس عبد الصادق الشوربجي رئيس الهيئة الوطنية للصحافة لرؤساء مجالس إدارات المؤسسات الصحفية القومية بزيادة مكافأة العاملين المؤقتين، صحفيين وإداريين وعمال، 500 جنيه تصرف مع مكافأة شهر يوليو الجاري.
واستكمل "أما الصحافة الحزبية فلدينا عدد محدود جدًا قادر على الوفاء ماليًا، والقدرة المالية هنا لا ترجع إلى قدرة الإصدار أو المؤسسة الصحفية على تحقيق ربحية، ولكن تنبع من قدرة الحزب المالك للوسيلة الصحفية على التمويل والإنفاق، باعتبار هذه الوسيلة الصحفية تقدم خدمة سياسية للحزب، مثلما يتم تمويل الصحافة القومية من الدولة باعتبارها تقدم خدمة للبلد". وتابع "الصحافة الخاصة بتعتمد على تمويل رجال الأعمال، وقد تفشل في تحقيق توازن في النفقات، وتعاني من ناحية تراجع الإعلانات، ولو خاطبتهم لتطبيق الحد الأدنى للأجور يقولك تعالى دير المؤسسة أو هجيب منين 2 مليون جنيه شهريًا؟ وفي أحيان كثيرة يستغني عن العاملين أو الصحفيين أصحاب الأجور العالية".
ويرى عبد المجيد أن حل أزمة الأجور يحتاج إلى جراحات صعبة سيكون لها ثمن، لافتًا إلى أن الأمر يحتاج إلى دراسات جدوى لاحتياجات سوق العمل، ووضع سياسات "قيد للصحفيين" ترتبط بمدى قدرة سوق العمل على استيعاب هؤلاء، فضلًا عن عدم "القيد" من الصحف التي لا تمنح الحد الأدنى للأجور. ويرجع وكيل نقابة الصحفيين عدم قدرة المجالس النقابية المتعاقبة على وضع لائحة موحدة للأجور بأن كل المحاولات كانت لا تغوص في عمق المشكلات والتحديات الاقتصادية، ولا تقدم تشخيصًا دقيقًا للمرض، ولكن هذه المحاولات كانت تعتمد على "لغة حنجورية شعبوية".
وفي حديثه لـ"فكر تاني" يقول محمد يحيى يوسف عضو مجلس نقابة الصحفيين إن الصحفي الآن حتى يستطيع أن "يتعايش" فهو مطالب بالعمل في مكان واثنين وأربعة، والمهنة بصورتها التقليدية لم تعد تدر أموالًا كافية، مع تراجع نسبة مقروئية الصحافة الورقية.
ويرى يوسف أن قديمًا الصحفي كان "مؤثرًا" في المجتمع، فهو يرصد ويتكلم ويطرح آراء أو يفضح وقائع معينة، مشيرًا إلى أن المهنة لم تعد كذلك الآن، موضحًا "الآن مجرد أخبار بتنشر، أو شغل اللجان والمراكز الإعلامية المنشور (كوبي بيست)، الأمر الذي قتل روح المهنة، وفيه ناس لما بتفكر في دخول النقابة فدا بيكون بهدف الحصول على البدل"، مشددًا على أن هذا التوجه ليس مطلوبًا، فالصحفي في الأصل دخل المهنة ليكون "مؤثرًا"، والصحفي في بعض الأحيان كان يغير قرارات حكومية.
ولحل جزء من هذه الأزمة المالية، يطالب "يوسف" بضرورة توفير دورات تدريبية احترافية تساعد في تحويل "الصحفيين" إلى "أنفلونسرز ويوتيوبرز" يقودون الرأي العام في مجالات الرياضة والسياسة والاقتصاد، موضحًا "الناس زمان كانت بتعرف الخبر والرأي والتحليل من الصحافة، الآن من الفيديوهات والريلز، وهذه قوالب صحفية أيضًا، وإعدادها يحتاج مجهودًا قليلًا، وفي الوقت عينه تدر دخلًا بالدولار سواء للأشخاص أو المؤسسات الصحفية ما يساعدها على الاستمرار في عملها، والصحفي ممكن يعمل الاتنين، يقدم مادة مقروءة لمؤسسته وأخرى مرئية".
ويضيف أنه يجب الاستعانة بـ"أرشيف المؤسسات الصحفية القومية"، ففي رأيه هذا الأرشيف "كنز مخفي"، يجب الاستفادة منه في صناعة فيديوهات و"ريلز"، على أن يتم تسويق هذه المنتجات بشكل جيد، مشيرًا إلى أن هذه المنتجات ستدر دخلًا ماليًا للمؤسسات.
واستكمل "الصحافة لا تموت، ولكن القوالب الصحفية تتغير، وحتى يكون لدينا مؤثرون ويوتيوبرز ناجحون فيجب التدريب بشكل احترافي على كيفية الوقوف أمام الكاميرا، وكيفية جذب المشاهد من أول كلمة في الفيديو أو الريلز، وكيفية اختيار أماكن التصوير، فعلى سبيل المثال لو اخترنا شهريًا 6 صحفيين من كل جورنال ودربوا باحترافية على هذه العناصر سيكون الأمر مختلفًا، وسيكون لدينا مؤثرون محترفون، وهناك بعض المؤسسات بدأت تعمل دا ولكن ليس بصورة احترافية".
وبجانب مساعدة المؤسسات على الاستمرار وتحقيق أرباح مالية، يرى يوسف أن هناك فائدة أخرى لصناعة انفلونسرز من الصحفيين"، وهي تلك المتعلقة بالحد من انتشار "الانفلونسرز" غير الدارسين، الذين لا يعملون وفقًا لميثاق الشرف الصحفي، وبالتالي يغرقون المجتمع بالمعلومات الخاطئة والمضللة.
وبين كل هذه المحاولات والحلول المطروحة، يبقى المشهد كما هو، يظل الصحفي المصري الآن محاصرًا من جبهات عدة، مهنة هي الأقل دخلًا من بين المهن الأخرى، ومؤسسات صحفية لا تطبق الحد الأدنى للأجور أو لا تمنح رواتب من الأصل، وقوانين تقيد عمله وتجعله يفكر ألف مرة قبل الإقدام على تقديم عمل مهني حقيقي في أي مؤسسة أخرى يفكر في الالتحاق بها لتحسين دخله ومواجهة الظروف الاقتصادية الحالية. وكل هذه الضغوط تجبر المئات على الهجرة من مهنة الصحافة إلى ممارسة أعمال إضافية تصل إلى "السمسرة في الشقق" أحيانًا، على أمل أن تحمل الأيام زيادة في "البدل" مع الانتخابات الدورية في النقابة، أو انتظار "انفراجة" بعد دعوة الرئيس السيسي لتطوير الإعلام.