في يوبيله الذهبي.. انقسامات داخلية ومستقبل ضبابي لحزب التجمع

يحتفل حزب التجمع هذه الأيام بعامه الخمسين منذ تأسيسه في تجربة المنابر الحزبية التي أطلقها الرئيس الراحل محمد أنور السادات عام 1976، وفي هذا اليوبيل الذهبي، يستعيد أنصار الحزب مسيرة آبائه المؤسسين، وفي مقدمتهم الصاغ الأحمر خالد محي الدين، ونضاله من أجل الديمقراطية ومعارك الدفاع عن الحقوق الاجتماعية، غير أن الأجواء الاحتفالية طغت عليها زيادة الانقسامات الداخلية التي ضربت الحزب مؤخرًا.

وتعود جذور هذه الانقسامات إلى شهر فبراير الماضي، حين أصدر رئيس حزب التجمع سيد عبد العال قرارات بفصل أمين شباب التجمع وإحالة 11 آخرين، من بينهم أعضاء بالمكتب السياسي وأمناء محافظات، للتحقيق، بدعوى مخالفة أدبيات الحزب ونصوص لائحته الداخلية والتشهير بأعضائه، وسط دعوات لعقد مؤتمر عام لانتخاب رئيس جديد وإعادة تشكيل هيئة المكتب السياسي، مع مطالبة رئيس الحزب بعدم الترشح مجددًا في الانتخابات المقبلة.

وقد ازداد الوضع تعقيدًا إثر فصل وإحالة أكثر من عضو للتحقيق، ففي الوقت الذي يسعى فيه رئيس الحزب لعقد مؤتمره العام التاسع في نوفمبر المقبل، تشكل ما أُطلق عليه "تيار إنقاذ حزب التجمع" احتجاجًا على قرارات الفصل والمطالبة بإصلاح سياسي هيكلي وعدم المساس باللائحة الداخلية.

ويُعد حزب التجمع من أقدم الأحزاب المصرية، وقد وقف طوال تاريخه على يسار السلطة، لكنه لم يشكل حكومة قط ولم يُمثل برلمانيًا بكتلة معتبرة، إذ لا يتجاوز عدد نوابه 5 مقاعد في مجلس النواب الحالي، وتولى سيد عبد العال رئاسته منذ عام 2013، خلفًا للراحل رفعت السعيد.

اتهامات بالديكتاتورية

ويتهم التكتل المعارض، الذي تعرض بعض أعضائه للفصل والإحالة إلى التحقيق، رئيس الحزب بمحاولة الالتفاف على اللائحة الداخلية من خلال الترشح لدورة ثالثة لمنصب الرئيس، رغم أن الترشح للمناصب التنفيذية يقتصر على دورتين متتاليتين فقط، في وقت ينفي فيه قادة الحزب وجود أي نية لإجراء تعديلات على اللائحة. وفي المقابل، يعتبر قيادات بالحزب أن الأزمة التي يثيرها حاليًا المفصولون والمحالون للتحقيق ليست سوى صراع على المناصب الشخصية، جاء بسبب عدم ترشيح سيد عبد العال قيادات بعينها في قوائم مجلسي النواب والشيوخ ضمن القائمة الوطنية من أجل مصر.

وفي هذا السياق، يقول علاء عصام، أمين شباب التجمع وأحد المفصولين بقرار من رئيس الحزب، إن الخلافات بدأت بمطالبة أمانة الشباب بالتصدي لرغبة سيد عبد العال في تعديل اللائحة الداخلية بما يسمح بترشحه لفترة رئاسية ثالثة، مع انتقاده انفراد رئيس الحزب سيد عبد العال بقرار اختيار مرشحي التجمع بالقائمة الوطنية من أجل مصر، معتبرًا أن قرار فصله من الحزب غير قانوني، لأنه صادر عن رئيس حزب انتهت ولايته رسميًا.

ويضيف عصام في تصريحات لـ"فكر تاني" أن الأعضاء المفصولين من الحزب تقدموا بتظلمات إلى لجنة شؤون الأحزاب، ورفع بعضهم دعاوى قضائية ضد رئيس الحزب، مشيرًا إلى أن عبد العال رفض استلام الإنذارات التي أرسلتها لجنة شؤون الأحزاب، وأنه يمضي قدمًا في عقد المؤتمر العام التاسع في نوفمبر المقبل، دون الأعضاء المفصولين والموقوفين، وهو ما يعمّق الأزمة ويزيد من الانقسام الداخلي.

وبحسب عصام، يشكل تيار إنقاذ حزب التجمع نسبة لا تقل عن نصف الأعضاء الناشطين في الحزب، إذ يبلغ عددهم نحو 3 آلاف عضو، بينما لا يزيد عدد الأعضاء الناشطين عن 6 آلاف عضو، من إجمالي 60 ألف عضو، جمد بعضهم عضويته، ولم يحدث آخرون بياناتهم لدى الجمعية العمومية للحزب، لافتًا إلى أن انعقاد المؤتمر العام بهذه التركيبة سيمرر ما يريده رئيس الحزب من تعديل المادة الثامنة، التي تنص على عدم جواز الترشح لمنصب قيادي لأكثر من دورتين متتاليتين.

لا تراجع عن فصل المخالفين

وأمام هذه الاتهامات الموجهة من تيار إنقاذ حزب التجمع، تؤكد عضو المكتب السياسي بالحزب أمينة النقاش أنه لا تراجع عن القرارات التي اتخذتها الأمانة العامة للحزب بفصل وإيقاف عدد من الأعضاء بسبب مخالفات تنظيمية، مشيرة إلى أن جوهر الخلاف الدائر في أروقة حزب التجمع هو البحث عن المصالح الشخصية، متهمة هذه المجموعة بمحاولة تصويره على أنه أزمة ديمقراطية حزبية مفقودة.

وتقول النقاش لـ"فكر تاني"، إن "الأزمة الحالية غريبة على حزب التجمع"، معتبرة أن الخلافات بعيدة كل البعد عن الخلاف السياسي، ولا تتعدى كونها أزمة مصالح شخصية، وذلك في مقابل الخلافات التي شهدها حزب التجمع على مدار تاريخه، مثل انفصال مجموعات ناصرية أسست الحزب العربي الناصري، وأخرى ساهمت في تأسيس حزب التحالف الشعبي الاشتراكي بعد ثورة يناير.

وتوضح النقاش أن المجموعة التي أسست ما يُعرف بتيار إنقاذ التجمع جرى فصلها بسبب كسر القواعد التنظيمية، بدايةً بنشر بيانات ومعلومات لوسائل الإعلام والكتابة على منصات التواصل الاجتماعي بما يمس الشأن الداخلي، وتحديدًا آلية اختيار مرشحي الحزب بالقائمة الوطنية من أجل مصر، حيث بدأ الأمر بالإحالة للتحقيق، ثم "من لم يلتزم بهذا المسار تم فصله في نهاية الأمر".

أما عن تعديل اللائحة، فتنفي النقاش الاتهامات الموجهة من تيار الإنقاذ بشأن انفراد القيادة الحالية برئاسة سيد عبد العال بالقرار، أو رغبته في البقاء لفترة أطول في منصبه، مؤكدة أن فكرة تعديل اللائحة الداخلية، وتحديدًا المادة الثامنة الخاصة بقصر الترشح على فترتين، غير مطروحة حاليًا، لكنها تفتح الباب أمام إمكانية تعديلها إذا ارتأت الأغلبية ذلك، بقولها "المؤتمر العام هو من سيقرر إذا كانت اللائحة تحتاج للتعديل أم لا".

غير أن أمين الشباب المفصول من منصبه علاء عصام يحذر من تداعيات المضي في دعوة انعقاد المؤتمر العام دون تسوية الخلافات، متهمًا القادة الحاليين بالانفراد بالقرار بقوله "قادة الحزب متشبثون بالسلطة، ويدافعون عن مناصبهم داخل الحزب والبرلمان، وينفردون بالقرار، ولا يرغبون في الإحلال والتجديد، ويمنحون المناصب لوجوه ثابتة، والحزب يعاني من شيخوخة الآن، لم يترشح عنه شاب واحد، وغالبية النواب من كبار السن".

وبينما يحصر قيادات حزب التجمع الأزمة في "المصالح الشخصية"، يتهم تيار الإنقاذ سيد عبد العال بتبديد الإرث التنظيمي والسياسي لخالد محي الدين ورفعت السعيد، وهو ما أفقد الحزب بوصلته الحقيقية كحزب اشتراكي، بحسب ما يؤكده عضو المكتب السياسي المفصول محمد رفعت، الذي يرى أن الحزب في سنواته الأخيرة انصرف عن المعارضة، وبات مشغولًا بعقد الصفقات مع الحكومة لاغتنام مقاعد في مجلسي الشيوخ والنواب، بانفراد تام من رئيس الحزب ومجموعته بترشيح أسماء بعينها على حساب الكفاءات.

غير أن أمينة النقاش ترفض هذه السردية، وتؤكد أن حزب التجمع ما زال محافظًا على بوصلته ولم يحد عنها، بقولها "نحن حزب اشتراكي يدافع عن العدالة الاجتماعية، ويؤمن بالإصلاح التدريجي السلمي، ودائمًا ما نُتهم بأننا حزب موالاة، لكن برنامجنا الاقتصادي مضاد لبرنامج الحكومة، أفكارنا لم تتغير، لكن السياسة والمواقف تتغير، ونحن جزء من النظام السياسي للدولة، مثلنا مثل أي حزب آخر".

وما بين هذه الخلافات والاتهامات الموجهة للحزب بالتراجع، يقول رئيس الهيئة البرلمانية لحزب التجمع النائب عاطف المغاوري إن الحزب لا يقاطع ماضيه، مشيرًا إلى إرث مواقف الحزب من السياسات الاقتصادية، واتفاقية كامب ديفيد في عهد السادات، واستمراره في الدفاع عن حقوق الفقراء ومواجهة التوجهات النيوليبرالية في عهد الرئيس الراحل حسني مبارك، دون أن تكون له كتلة برلمانية مؤثرة، بسبب سيطرة الحزب الوطني على مفاصل الحياة السياسية قبل ثورة 25 يناير. ومع ذلك، يرى المغاوري أن التجمع دفع ثمنًا للهندسة السياسية التي حددت شكل الخريطة الحزبية في السنوات العشر الماضية، كما يلفت في تصريحات لـ"فكر تاني" إلى أن الحزب لا يملك الإمكانيات المادية التي تؤهله للمنافسة في سباق انتخابي من هذا النوع، وهو ما يؤدي من وجهة نظر البعض إلى نشوب خلافات داخلية بين الأعضاء حول ماهية الأشخاص الذين يجب أن يمثلوا الحزب تحت القبة من خلال القائمة الوطنية.

وبين فريق يتجاهل أسباب الأزمات، وآخر يحاول إعادة الأمور إلى نقطة الصفر، تقف الأزمة الراهنة لحزب التجمع عند مفترق طرق، مثل الحزب نفسه، عالقًا بين إرثه النضالي وحاضره المنقسم ومستقبله الضبابي.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة