قبل نحو أربعة أشهر وافق مجلس النواب على التشكيل الجديد للمجلس القومي لحقوق الإنسان، برئاسة السفير أحمد إيهاب جمال الدين، الذي أعلن بالأمس قبول استقالة أمينه العام هاني إبراهيم، فيما قد ترقى الاستقالة التي جاءت بعد فترة وجيزة من التشكيل إلى حد الإقالة، إذ لم يُطرح موقف إبراهيم خلال اجتماعات المجلس أو يُستطلع رأي الأعضاء في التجديد له، وسط حالة من الترقب سادت المجلس حتى إعلان القبول.
بدت الأمور مع التشكيل الجديد غير مهيأة لاستمرار إبراهيم في موقعه، وعدم التفاعل الإيجابي مع رغبته في مبادرات من نوعية إقامة حفل تسليم وتسلم بين الإدارة القديمة والجديدة، وتكريم الرئيس السابق محمود كارم، وألغيت الفكرة تمامًا في واحدة من الإشارات المبكرة للتباين والاختلاف في أسلوب الإدارة.
لا تُعد استقالة الأمين العام خبرًا عابرًا للمهتمين بحقوق الإنسان والمجتمع المدني بل والسياسي أيضًا، ولكنها تكشف أسلوب إدارة المجلس ومحاصصة المناصب والمقاعد، فباستقالة إبراهيم المحسوب على المجتمع المدني يستعد المجتمع الدبلوماسي لاسترداد المقعد الذي لعبت الظروف الاستثنائية دورًا في جلوس إبراهيم عليه نحو عام وشهرين.
ويحدد قانون المجلس القومي لحقوق الإنسان الذي أُنشئ في 2003 اختصاصات وصلاحيات الأمين العام للمجلس، كما تنظم التعديلات التي جرت على قانون المجلس في 2017 طريقة اختيار الأمين العام، فيكون من غير أعضاء المجلس، ويصدر قرار تعيينه من المجلس، ويتولى الأمين العام تنفيذ قرارات المجلس والإشراف العام على الأمانة الفنية وشؤون العاملين والشؤون المالية والإدارية به وفقًا للوائحه، ويحضر الاجتماعات دون أن يكون له حق التصويت.
السفراء يحتكرون المنصب
ليس منصب الأمين العام مجرد منصب شرفي أو إداري، ولكنه مسؤول عن مطبخ المجلس ولجانه وتسيير أعماله، وهو المنصب الذي شغله السفير مخلص قطب منذ إنشاء المجلس حتى 2010، عندما قرر المجلس بتشكيله الجديد اختيار السفير محمود كارم أمينًا عامًا، ومنذ 2011 حتى 2021 تناوب على المنصب كارم وقطب، حتى أصبح كارم نائبًا لرئيسة المجلس مشيرة خطاب في تشكيل 2021، وخلفه في منصب الأمين العام السفير فهمي فايد منذ أبريل 2021 حتى أبريل 2025.
خلال هذه الفترة الممتدة لعقدين ظل المنصب حكرًا على السفراء القادمين من عالم الدبلوماسية، واستقر كأحد الأعراف غير المكتوبة في المجلس، لكن رئيسة المجلس مشيرة خطاب كسرت العرف بعد استقالة فهمي بتكليفها هاني إبراهيم -المحسوب على الحقوقيين والقادم من المجتمع المدني- مهام القائم بأعمال الأمين العام، ثم قدم إبراهيم استقالته من عضوية المجلس وقبلها الأعضاء ليصدر قرار رسمي بتعيينه أمينًا عامًا للمجلس.
ربما يعكس احتكار سفراء الخارجية لهذا المنصب رؤية أشمل من جانب صناع القرار لدور المجلس ووظيفته، خاصة مع اختيار سفراء لرئاسة المجلس بدءًا من أول رئيس للمجلس بطرس بطرس غالي، الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة، وكأن المهمة الأولى للمجلس تتعلق بالبعد الدولي والرد على ملاحظات المنظمات الدولية بشأن حالة حقوق الإنسان في مصر، وليس تعزيز حالة حقوق الإنسان في مصر.
لحظة استثنائية للمجتمع المدني
في ظروف استثنائية وقبيل استقالة مشيرة خطاب من المجلس القومي وصل إبراهيم المحسوب على الحقوقيين لموقع الأمين العام، وكأنها كانت في غفلة من الزمن ومعادلات المحاصصة والموائمات التي تجري بين الأطراف المختلفة.
فعلى مدار العام الماضي دبت الحياة في المجلس القومي لحقوق الإنسان مرة أخرى، وأصبح قبلة تستضيف الحقوقيين بشكل منتظم، واتسع التعامل مع قطاعات من الصحفيين المهتمين بحقوق الإنسان، وعُقدت اجتماعات عمل ووُضعت استراتيجية شارك في صياغتها المجتمع المدني والحقوقيون والصحفيون المهتمون، وربما تلاقت رؤية إبراهيم مع رؤى أطراف أخرى، فعادت بعض من الحيوية المفقودة على مدار السنوات الماضية.
تغيرت طريقة إدارة المجلس في هذه الفترة من إدارة مُتحفظة روتينية تتخذ مسافة من جميع الأطراف وتعتمد على القنوات الرسمية، إلى إدارة منفتحة -قدر الإمكان- أكثر حيوية، قادرة على التشبيك، فعلى عكس طبيعة الدبلوماسي التي تميل إلى التحفظ، كسر القادم من المجتمع المدني الحواجز، فانفتح على الجميع وفق المسموح والمتاح.
مستقبل المجلس
يغادر إبراهيم موقع الأمين العام، ويستعد المجلس لاستقبال أمين عام جديد سيأتي على الأغلب من عالم السلك الدبلوماسي، ويتفق مع رؤية إدارته الجديدة بقيادة السفير إيهاب جمال الدين، بينما يقف المجلس أمام مجموعة من التحديات، أولها الخروج بأفضل صيغة ممكنة لتعديل قانون المجلس بما يمنحه مزيدًا من الاستقلال، وهي التوصية التي يتلقاها المجلس من الجهات الدولية، وفي الوقت نفسه مطلب داخلي لعدد من أعضاء المجلس وبعض الحقوقيين.
كما يواجه المجلس وتشكيله الجديد ضرورة تفعيل أدواته في ملف حقوق الإنسان والاضطلاع بدوره في رسم السياسات والتوصيات للحفاظ على تصنيفه في الفئة أ، فاستمرار المجلس قبلة للحقوقيين ونواب المعارضة والصحفيين، ودعوتهم لجلسات الاستماع بشأن مشروعات القوانين التي تمس حقوق الإنسان، ليس الدور الوحيد للمجلس بالرغم من أهميته.
ويظل أحد أهم التحديات التي تواجه المجلس تفعيل دوره الأساسي في إصدار تقارير عن أوضاع وتطور حقوق الإنسان، وزيارة السجون وسائر أماكن الاحتجاز والمؤسسات العلاجية والإصلاحية، والاستماع للسجناء والتحقق من حسن المعاملة وتمتعهم بحقوقهم المكفولة بموجب القانون والمعاهدات الدولية الملزمة، وإعداد تقارير بهذه الزيارات تتضمن أهم الملاحظات والتوصيات بهدف الارتقاء بأوضاع السجناء، وعدم الاكتفاء بمدح تطوير أماكن الاحتجاز وبنيتها التحتية، فضلًا عن دور المجلس في إبلاغ النيابة العامة عن أي انتهاك للحريات الشخصية أو حرمة الحياة الخاصة للمواطنين والحقوق والحريات العامة التي يكفلها الدستور والقانون والاتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان.
يحمل المجلس وتشكيله الجديد إرثًا تغلب عليه المحاصصة بين ممثلي الخارجية والمجتمع المدني والمجتمع الأكاديمي وأصحاب الخبرات في القانون الدولي والمنظمات الدولية والنقابية، ومعه عبء كبير وتحدٍ لمواجهة انتهاكات حقوق الإنسان المتراكمة عبر سنوات.
التحديات التي تواجه المجلس لن تكون مسؤولية أمين عام جديد بالطبع، لكنه سيكون طرفًا في إدارة دفة المجلس إن أراد تفعيل دوره والاستثمار في حالة الحيوية التي دارت في أروقته مؤخرًا والبناء عليها، أو عودته لحالة السكون، أو البقاء كما هو دون أثر.