أقر مجلس النواب نهائيًا مشروع قانون جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، وهو القانون الأهم خلال دور الانعقاد الذي بدأ في يناير الماضي، وينتهي خلال يوليو الجاري.
المشروع الذي أثار جدلًا منذ طرحته -في اللجنة البرلمانية المشتركة- لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية، ومعها هيئات مكاتب 18 لجنة أخرى لم يخرج من المجلس كما دخل، بل أكاد أجزم أنه أكثر مشروعات القوانين المقدمة من الحكومة التي شهدت تعديلات كبيرة سواء في اللجنة المشتركة، أو خلال طرحه في الجلسة العامة.
يخرج مشروع قانون جهاز مستقبل مصر من عباءة القوات المسلحة إلى رئاسة الجمهورية، ويمنحه سلطة إنشاء صندوق سيادي استثماري، وآخر خدمي، ويمنح الجهاز دورًا واسعًا في كافة القطاعات الاقتصادية لتأمين الغذاء والطاقة والمياه، ويدخل الجهاز عنصرًا أساسيًا في حماية الأمن القومي.
مرونة مفاجئة
دخل مشروع القانون أروقة مجلس النواب في اليوم التالي لكلمة رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي، في افتتاح الأوكتاجون، عندما وجه بقيام جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، بالتنسيق مع وزارتي الزراعة والتموين، بإعداد برنامج وطني لخفض الأعباء المعيشية من خلال التوسع في المنافذ والأسواق الدائمة، وضبط سلاسل الإمداد بما يسهم في استقرار أسعار السلع الأساسية.
وشهدت المناقشة من حيث المبدأ رفض المعارضة، بينما تحفظ حزب العدل، مع تصاعد المخاوف من اعتباره حكومة موازية، في ظل الغياب التام للرقابة البرلمانية على الجهاز، والشكوك في تأثيره على حماية المنافسة.
لكن خلال 14 ساعة، ناقشت اللجنة على مدار يومين مواد مشروع القانون ليخرج بعدها النص المطروح على الجلسة العامة، متضمنًا أكثر من ستين تعديلًا، وهي تغييرات جوهرية في النصوص لم نعتدها في مشروعات القوانين المماثلة على مدار السنوات الماضية.
عكست التغييرات مرونة كبيرة من جانب الحكومة صاحبة مشروع القانون، وأحزاب الموالاة في مقدمتها حزب مستقبل وطن، مع مقترحات المعارضة التي قدمت معظم التعديلات المفصلية في المشروع وتحد من تغييب الجهاز عن الرقابة.
بسؤال مصدر برلماني عن سر هذه المرونة والتجاوب مع التعديلات التي لم تكتف بالمناقشات في اللجنة وإنما امتدت أيضًا لقبول تعديلات المعارضة في الجلسة العامة، قال المصدر الذي تحفظ على نشر اسمه "ده ربنا بقى"، لكن في الوقت نفسه كشف عن وجود تفاهمات في الغرف المغلقة وتنسيق قبيل المناقشات ورغبة في السلطة للخروج بأفضل صورة لمشروع القانون تحد من المخاوف.
وبدأت المرونة من التعامل بجدية مع المذكرة المقدمة من رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل، محمد فؤاد التي أوضح فيها رأي الحزب وتحفظه على بعض النصوص، وذلك بخلاف ورقة أخرى قدمها، كان أعدها في فبراير 2026 تحمل رؤية متكاملة عن الجهاز ودوره.
تمريرات المعارضة
وخلال الـ14 ساعة قدمت المعارضة تعديلات نجحت في تمريرها من خلال الأغلبية المشاركة في المناقشات، وعلى رأسهم النائب أحمد عبد الجواد رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الأكثرية مستقبل وطن.
ليس من المعتاد تعزيز الأغلبية من الموالاة لتعديلات المعارضة خاصًة الجوهرية التي تغير بعض السياسات التي أتت بها قوانين الحكومة، لكن في مشروع القانون المطروح تغير المشهد وأصبح أكثر ديناميكية، فاستطاعت المعارضة وفي مقدمتهم النواب ضياء الدين داود، وعبد المنعم إمام، ومحمد فؤاد، وإيرين سعيد تعديل عدد كبير من النصوص، قبل طرح المشروع على الجلسة العامة.
ووضعت التعديلات رئيس مجلس النواب ضمن الأطراف التي يرفع لها سنويًا جهود وأنشطة الجهاز وصندوقيه السيادي والخدمي، بعدما كان التقرير يرفع لرئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء فقط. كما اشترطت موافقة مجلس النواب على تحديد مناطق التنمية المستدامة التي تؤول للجهاز بعد تطبيق هذا القانون.

وحذفت التعديلات الفقرة الثانية من 31 التي كانت تنص على أن "لرئيس الجمهورية بقرار منه لاعتبارات يقدرها، بناء على عرض الرئيس (رئيس الجهاز)، وبعد موافقة وزارتي الدفاع والداخلية والمخابرات العامة، وأخذ رأى الجهاز الوطنى لتنمية شبه جزيرة سيناء، استثناء، منطقة أو أكثر من مناطق التنمية المستدامة، أو جزء منها، أو مشروع أو كيان بذاته فيها، من الخضوع لكل أو بعض أحكام المرسوم بقانون رقم ١٤ لسنة ٢٠١٢ بشأن التنمية المتكاملة في شبه جزيرة سيناء".
وامتدت اقتراحات المعارضة للتعديل في الجلسة العامة على مدار يومي الإثنين والثلاثاء، وعلى غير العادة وافق المجلس على تمرير عدد منها، مثل مقترح النائب محمود سامي الإمام، رئيس الهيئة البرلمانية للحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، بتعديل المادة (87) – وأصلها (72) – من مشروع قانون جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، لتييح لرئيس الجمهورية مرونة أكبر في تحديد نسبة فوائض الجهاز التي تؤول إلى الخزانة العامة للدولة، فحذف المجلس الحد الأقصى البالغ 20% من صافي فائض العمليات الجارية السنوي لمنطقة التنمية المستدامة، مع الإبقاء على الحد الأدنى البالغ 10%، بحيث يترك تحديد النسبة النهائية لرئيس الجمهورية، بناءً على عرض وزير المالية وبعد أخذ رأي مجلس إدارة الجهاز، دون التقيد بسقف أقصى.
انقسام بين الإصلاح الجذري وفن الممكن
ما ورد في السطور السابقة ليس كل التعديلات بل بعضها، لكن ما يمكن التوقف عنده من الناحية السياسية انقسام المعارضة الذي شهدته جلستي الإثنين والثلاثاء، فرغم هذه التعديلات، انقسم نواب المعارضة بين مدرستي فن الممكن والإصلاح الجذري.
تمسك حزبا التجمع والمصري الديمقراطي الاجتماعي برفض مشروع القانون، وهو الموقف نفسه الذي اتخذه حزب الإصلاح والتنمية الذي أعلن في بيان رفضه رغم "التعديلات الإيجابية أقرها البرلمان"، مشيرًا إلى إخضاعه للرقابة البرلمانية، وإخضاع كافة حساباته وأعماله لرقابة الجهاز المركزي للمحاسبات.
غير أن الحزب أكد استمرار تحفظات جوهرية لم يتم معالجتها، منها استمرار العبء المالي على الخزانة العامة؛ حيث تلتزم الخزانة بتدبير اعتمادات مالية ضخمة لسداد التزامات الجهاز، وضرائبه السابقة، ومستحقات التأمينات، بجانب فتح سقف الاقتراض الخارجي بضمان الخزانة.
كما لفت إلى استمرار غياب الحياد التنافسي ومزاحمة القطاع الخاص، فلم تُقبل تعديلات الحزب الرامية لحفظ الحياد التنافسي، فالقانون يجمع للجهاز نفسه سلطات التنظيم، والترخيص، والتفتيش، ومنح الحوافز، والملكيات، وإدارة الصناديق والشركات التابعة التي تنافس في السوق.
أما حزب الوفد الذي وافق على مشروع القانون، وقف رئيس هيئته البرلمانية، النائب محمد عبد العليم داود وحيدًا معلنًا رفضه الشخصي على المشروع.
بينما وقف حزب العدل بقيادة النائبين عبد المنعم إمام ومحمد فؤاد في مربع الموافقة، ومعهما النائب المستقل ضياء الدين داود.
تمسك الرافضون بمرجعية الإصلاح المؤسسي، فتقول النائبة عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، مها عبد الناصر خلال كلمتها في الجلسة العامة "التعديلات غيرت شكل القانون بالكامل وجعلت على الأقل فيه بعض الحَكومة والرقابة لم تكن موجودة في المسودة الأولى، لكن الرفض هو الاختيار السليم ومبدأ إنشاء كيانات موازية لا نرى أنه الطريق الصحيح للإصلاح، ربما يكون الطريق صعب وطويل لكن لا مفر من إصلاح حقيقي مؤسسي".
بينما تعامل الموافقون بمنطق فن الممكن والمكسب الأكبر في خروج الجهاز من عباءة القوات المسلحة وتحوله إلى كيان قانوني يخضع للرقابة من جانب البرلمان والجهاز المركزي للمحاسبات.
سألت النائب محمد فؤاد عن الموافقة التي فصلت الحزب عن موقف أغلب نواب المعارضة، فأشار إلى دور الحزب في الحراك وتقديم أغلب التعديلات التي جرت على مشروع القانون سواء في اللجنة المشتركة أو الجلسة العامة "تقنين كيان يظهر في الموازنة رقم واحد، أقول له لا أم أوافق على قانون يضع له حدود وصلاحيات".
ولفت فؤاد إلى أن 80% من ملاحظات الحزب تم الاستجابة لها وجرت التعديلات، كما أودع الحزب المذكرة لإبراء الذمة، فيما يتعلق بالنصوص الأخرى التي مازالت تحمل مخاوف لدى نواب حزب العدل.
في النهاية، تبدو "المرونة المفاجئة" التي أبدتها الأغلبية البرلمانية والحكومة، نابعة من إدراك ذكي لضرورة إيجاد غطاء شرعي ودستوري متين لكيان اقتصادي عملاق بحجم "مستقبل مصر"؛ غطاء يمنحه المرونة التشغيلية ويحميه في الوقت ذاته من الطعون أو الانتقادات.
خرج الجميع بمكاسب رقابية لم تكن مطروحة في المسودة الواردة من الحكومة، وانحازت مدرسة فن "الممكن والمتاح" للموافقة، وتمسك الرافضون بالإصلاح المؤسسي، محذرين من خطورة كيانات موازية للحكومة، وبين هذا وذاك، يظل الاختبار الحقيقي ليس في نصوص القانون بقدر ممارسات الجهاز لمهامه الجديدة على الأرض، ومدى قدرة البرلمان على تفعيل الأسلحة الرقابية لمراجعة أدائه.