ماذا بعد خطاب الرئيس؟

جدد خطاب الرئيس عبد الفتاح السيسي، إبان افتتاح مقر مركز القيادة الاستراتيجية في العاصمة الإدارية، النقاش الدائر حول مستقبل المجال العام في مصر؛ بدءًا من التلميحات حول التعديلات الدستورية، مرورًا بانتخابات المجالس المحلية المؤجلة، وصولًا إلى حديث جديد عن تطوير الإعلام.

في محاولة لتفكيك رسائل الخطاب وما يخفيه بين سطوره وتبعاته، فتحنا النقاش في "فكر تاني" خلال جلسة حوارية شاركت فيها النائبة عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، ريهام عبد النبي، والنائبة السابقة، ونائبة عميد معهد الدراسات السياسية بحزب الوفد، مارجريت عازر، والسياسي الليبرالي، حسام علي، والكاتبة الصحفية، مي عزام.

ما يراه الرئيس للإعلام

لم يغب الإعلام والعمل على تطويره عن خطاب الرئيس، وهي ليست المرة الأولى التي يتطرق فيها الرئيس للحديث عن تطوير الإعلام، وترى النائبة السابقة مارجريت عازر، تكرار توجيهات الرئيس بشأن الإعلام، دلالة على عدم التطبيق، حتى بعد الحوار الوطني الذي انتهى بتفاؤل داخل الأوساط السياسية وتوسم في فتح المجال العام، إلا أنها تعتبره انتهى بدون مخرجات يرضى عنها المواطن، على الرغم من تقديم توصيات من تيارات مختلفة شملها الحوار الوطني آنذاك.

أما الكاتبة الصحفية مي عزام، تصل الخيوط بين الرئيس السيسي والرئيس السابق جمال عبدالناصر؛ فعلى عكس عازر، لا ترى عزام أن الرئيس يكرر توصياته بل لديه رؤية للإعلام لا يراها تتحقق، رؤى تلخصها مي عزام، قائلة:" الإعلام المصطف وراء النظام السياسي والمصطف وراء الزعيم السياسي والإعلام اللي بيتكلم على إنجازات الفترة "، تمامًا كما قال الرئيس من قبل في أحد خطاباته، قائلًا: "أنا يحسد عبدالناصر على إعلامه".

تشير عزام إلى تجاهل وضع الإعلام الجديد بدخول "إعلام السوشيال ميديا" وتصفه بـ "الإعلام الشعبي"، مضيفة "أصبح له تأثير كبير يمكن أقوى كثيرًا من الإعلام الرسمي" لافتة إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يكتب تصريحات رئاسية على "ترو سوشيال"، وليس على الوسائل الرسمية الخاصة بالبيت الأبيض.

أما بشأن تكرار حديث الرئيس عن تطوير الإعلام، تشير عزام إلى أن على الرغم من وجود الإعلام الشعبي إلا أن مازال هناك وسائل إعلامية وإعلاميون يسعون لتحقيق رؤية الرئيس ويصطفون خلفه، وتصف أزمة الرئيس قائلة: "هم مش قادرين يفهموا هو ليه الشعب ما بيصطفش؟ يعني ليه رغم كل الحاجات اللي إحنا بنعملها دي يا جماعة مش بنقنع الشعب".

على الجانب الآخر تفسر مارجريت عازر أزمة الشعب مع الإعلام التي أدت لأزمة الرئيس مع إعلامه، وتقول: "الناس فقدوا الثقة لأن الإعلام لا ينقل معاناة المواطن، ولا المشاكل الرئيسية لكن يلقي الضوء فقط على الإنجازات التي لا يستطيع المواطن الوصول لها، لأنها مشروعات كبيرة وتحتاج وقت، ولابد أن يكون في إعلام الرأي والرأي الآخر لأنهما غير موجودين".

الحوار الوطني.. دفع المعارضة للشاشات

في المقابل يرى السياسي الليبرالي حسام الدين علي، أن الحوار الوطني حرك المياه الراكدة في الإعلام، ويعتبر هذا الحراك الأثر الإيجابي الذي انتهى به الحوار الوطني "دعوة الحوار الوطني أدت إلى مساحة سيولة. لم تحقق شيئًا إلا السيولة".

يوضح علي "لم يكن مسموحًا لنا ننشر تصريح ولا نكتب مقالة ولا حد يستضيفنا"، لذلك يعتبر الحوار الوطني صاحب الفضل في ظهور شخصيات المعارضة على الشاشة للناس، وإتاحة مقالاتهم ليقرأها المواطنون بعدما كانت المساحة للموالاة فقط.

يلفت إلى أن الموالاة التي سيطرت على كل شيء حينها، منها البرلمان، وهو ما يعتبره علي أهم أسباب إقامة الحوار الوطني، قائلًا: "لو كان عندنا برلمان معبر وقتها مكناش دعينا الناس اللي خارج البرلمان إنهم يدخلوا يتحاوروا مع الحكومة".

ويشير علي إلى أن خطاب الرئيس الآن لا يتبنى أفكار تحضيرية كما حدث وقت الحوار الوطني، بل أفكار تنفيذية تدعو الأحزاب النشطة إلى عمليات الإصلاح والعمل الجاد.

يضع حسام علي توصياته بناءًا على النبرة التشجيعية التي تبناها الرئيس، ويقول: "شطارتنا نكلبش في كلام الرئيس ونفضل وراه ونضغط على الدولة وعلى أجهزتها وعلى الحكومة وعلى الإعلام، الرئيس قال، انتو مابتنفذوش ليه كلام الرئيس؟ مش إحنا، الرئيس قال كده. و انتوا مؤيدين؟ إحنا كمان نؤيد في الحتة دي".

الأحزاب وأزمة الموارد

كان للأحزاب السياسية نصيب من كلمة الرئيس، إذ وجه الحكومة بالعمل على تنشيط الأحزاب السياسية، وتقول عضوة مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، ريهام عبدالنبي، إن الأحزاب لا تنتظر دعوة رئاسية للتنشيط، وتشير إلى أن الأحزاب قد تفتقد للموارد، وتقول: "إحنا يعني كله دعم شخصي من عندنا من أعضاء الحزب، إحنا اللي شغالين على التطوير الحزبي على المستوى المادي وعلى تنشيط الأمانات والدورات التدريبية وكله ده إحنا بنقوم بيه".

تطالب ريهام عبد النبي بوجود دور للحكومة في دعم النشاط الحزبي "المفروض الدولة يكون لها دور أو تساهم حتى لو بجزء بسيط إنها تعطي مساحة للأحزاب إن هي تقدر تشتغل، معلش إحنا هنجيب منين كأحزاب تعتبر أحزاب بسيطة، صغيرة، مش أحزاب دولة".

تفسر ريهام عبدالنبي احتياج أحزاب المعارضة لدعم الدولة في "الإتاحة"، وتقول: "نحتاج أن يُفتح لنا مجال لنتمكن من تنمية موارد داخل الحزب".

ولا ترى مارجريت عازر أن الحل تشريعي، بل ترى وجود ترسانة تشريعية تنظر من ينفذها، كما أن حتى الاعتماد على دعم الأعضاء أصبح يواجه عقبة الأوضاع الاقتصادية التي تسير نحو الأسوأ.

وتشير مارجريت إلى أن الأحزاب من المفترض أن تلعب دورًا رئيسيًا في رفع حمل الهياج الشعبي عن الحكومة، وتقول: "البرلمان بتركيبته الحالية يضر القيادة السياسية لأن الخناقة اللي موجودة في الشارع لو مفيش حد امتصها داخل أروقة البرلمان كان لازم الاحزاب تقوم بيها، لكن الانتقادات أصبحت موجهة للقيادة السياسية مباشرة لأن الأحزاب السياسية غير قادرة على التعبير عن نفسها بحرية، أنا عندي حزب أو اثنين أو تلاتة محتاجة المساحة".

تشير ريهام عبدالنبي إلى أن الفرصة التي حصل عليها الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي أثناء الحملة الانتخابية للمرشح الرئاسي فريد زهران، كانت بمثابة انفراجة مؤقتة وفارقة في نفس الوقت للحزب.

وترى عبد النبي أن تلك الانفراجة يجب أن تتكرر ولكل الأحزاب، مشيرة لفوائد الانتشار بين الناس، وتابعت قائلة: "الانتشار هيجيب أعضاء و اشتراكات أعضاء و ناس مقتنعة بخطابك قيقدموا الدعم"، مؤكدة على ضرورة وجود المعارضة بشكل أكبر داخل أروقة البرلمان، وتشير إلى الطريق الوحيد "تعديل قانون الانتخابات ".

من جانبه، يتعامل حسام علي مع أزمة الموارد على أنها الأقل أثرًا مقارنة بأقرانها، حيث يرى غياب الأحزاب ككيانات بين الناس، ويقول: "الانتخابات معتمدة على فكرة الفرد فالنظام الفردي أنا أنتخب شخص لكن ماليش دعوة برنامج الحزب بتاعه ايه ايديولوجيته عاملة ازاي تصوره ايه في الصحة والصناعة والزراعة".

يطرح حسام فكرة تعديل قانون الأحزاب السياسية بما يسمح بدمج أحزاب مع بعضها البعض كحل لكثرة الأحزاب دون فاعلية "أحزاب لا هي موجودة في البرلمان ولا تعمل ولا تحضر انتخابات ولا تدخل مجلس شيوخ ولا مجلس نواب ومش جاهزة للمحليات"، يرى علي أن الدمج حل أولي أمام الاحتياج لحوالي 56 ألف مقعد في ظل افتقاد الموارد.

ويتابع أن ترهيب المواطنين من العمل السياسي، عامل قوي في ضعف الحياة الحزبية والسياسية، ويقول: "يجب أن يكون هناك أداء متناغم بين كل أجهزة الدولة بكل جهاتها بكل وزاراتها تخدم على التوعية بالعمل السياسي وخصوصًا أن كل الموجود الآن ليس بينهم أفكار متطرفة، لا توجد أحزاب تتكلم الآن على فكر متطرف أو ديني أو عنصري أو ضد المسيحيين أو ضد أي تيار آخر يعني كل الموجود وطني مدني".

المحليات.. الغائب المنتظر

للمرة الثانية خلال أشهر قليلة يتحدث الرئيس عن الإسراع في إجراء الانتخابات المحلية، هذا الاستحقاق الدستوري المؤجل، الذي لم يصدر مجلس النواب قانونه حتى الآن على مدار الفصول التشريعية المتعاقبة منذ 2016 حتى الآن.

"انتهينا من إعداد مشروع القانون في 2018" توضح النائبة السابقة مارجريت عازر التي كانت عضوة في مجلس النواب آنذاك. تستنكر عازر تجاهل المحليات وتضع الاعتبارات الأمنية أمامها، قائلة: "هل النظام يخشى أن يتسرب مثلا بعض التيارات داخل الأحزاب؟".

في الوقت نفسه تتوقف أمام ما تصفه بـ "عوار دستوري" معتبرة أن النسب التي تشترطها المحليات للعمال والفلاحين والمرأة وغيرها من الفئات الأخرى "غير منضبطة جيدًا ولا تغطي الجمهورية مع التطوير العمراني أو الحيز العمراني الكبير والتقسيمات الإدارية"، مشيرة إلى أن القانون يجب أن يأخذ في الاعتبار التقسيمات الجغرافية الجديدة.

تشير النائبة ريهام عبد النبي، بصفتها عضوة في في اللجنة الفرعية بمجلس النواب لإعداد قانوني الإدارة المحلية والمجالس المحلية، إلى أن الفصل بين القانونين جاء سعيًا لاختصار الوقت حيث يتم العمل عليهما بالتوازي، وتتابع بخصوص المرحلة الراهنة في العمل قائلة: "نحن في مرحلة الاستماع من الوزراء المعنيين بالقانون سواء الادارة المحلية، الإسكان، المالية، التخطيط".

وتتابع أن الأرجح ستحرص اللجنة على إقامة حوار مجتمعي قبل إعداد مسودة القانون، سعيًا لتحقيق تواصل مع كل الأطراف.

أما السياسي الليبرالي حسام علي، يتوقف أمام عوار سياسي جديد يتمثل في غياب الكوادر عن الساحة، ويقول: "احنا أمام حوالي 56 ألف مقعد لو مترشح على كل مقعد 20 واحد فاحنا محتاجين مليون وشوية مترشح ومصر في الحالة اللي احنا فيها دي مفيهاش هذا القدر من الكوادر المؤهلة والموجودة".

ويشير إلى ضرورة تحرك سريع قائلًا: " لازم يكون في برنامج الدولة ترعاه وتشترك فيه كوادر الأحزاب وتشجع الشباب إن هم ينزلوا ".

أجيال معزولة ومصانع كوادر معطلة

تُشرح الصحفية مي عزام أزمة عزوف الشباب بوجود شرخ أعمق أنتجه النظام التعليمي، واصفة إياه بأنه خلق "شعوبًا متجاورة" داخل الوطن الواحد بدلاً من شعب واحد متجانس. وترى عزام أن غياب الهوية الموحدة في مراحل التعليم الإلزامية أسهم في عزل شريحة واسعة من شباب العشرينيات عن الشأن العام المحلي، رغم انشغالهم العميق بالقضايا الإنسانية العالمية، كالأحداث في غزة، انطلاقاً من إيمانهم بقيم الكرامة وحرية التعبير.

وتؤكد أن استقطاب هؤلاء الشباب يتطلب خطابًا يرتكز على هذه المعايير الإنسانية، فضلًا عن تقديم "قدوة" حقيقية قادرة على إحداث تغيير ملموس في المفاهيم السائدة.

ويلتقط السياسي الليبرالي حسام الدين علي خيط الحديث، مبررًا هذا الفراغ الشبابي بموت "النشاط الطلابي" وتجفيف منابع تفريخ الكوادر، ويشير إلى أن هذا الجيل لم يختبر تجربة الاتحادات الطلابية الحقيقية أو الانخراط في أسر جامعية، بل امتد العطب ليشمل مراكز الشباب وقصور الثقافة التي باتت معطلة تماماً عن أداء دورها التاريخي في استنباط القيادات الطبيعية. ويطالب علي بتضافر جهود وزارات التعليم والشباب والثقافة لإحياء برامج "إعداد القادة"، التي كانت تتيح للشباب، باختلاف توجهاتهم، فرصة الاشتباك مع مسؤولي الدولة وفهم آليات إدارتها.

مخاوف "الجمود" وأزمة الوجوه القديمة

يستبعد المشاركون في الجلسة الحوارية وجود أي مؤشرات حالية لتعديلات دستورية تهدف لمد الفترات الرئاسية، بل واعتبارهم أن أقصى طموح للإصلاح يكمن في التأسيس لانتقال سلمي للسلطة بنهاية الولاية الحالية، إلا أن الانقسام بدا واضحاً حول جدية مساعي التغيير.

تتبنى مي عزام موقفًا شديد التشاؤم إزاء إمكانية إصلاح المشهد الإعلامي والسياسي، مشترطة أي أمل بضرورة تغيير "الصف الأول" من الوجوه الإعلامية التي تتصدر المشهد منذ سنوات. وتلخص الأزمة قائلة: "لا يمكن أن نفتح صفحة جديدة بنفس الشخصيات التي فشلت في تحقيق رؤية النظام نفسه للإعلام".

تشاركها النائبة السابقة مارجريت عازر هذا التشاؤم، مؤكدة أن الترسانة التشريعية وحدها لا تكفي ما لم تتغير العقليات التي تطبقها. وتنتقد عازر بشدة غياب الأولويات في تنمية موارد الدولة، حيث تحولت مساعي الاستثمار إلى بناء "كافيهات تحت الكباري" بدلاً من توجيه الموارد نحو المشروعات الإنتاجية الصناعية والزراعية وتنمية "الإنسان المصري".

في المقابل، تتمسك النائبة ريهام عبدالنبي بتفاؤل حذر، مستندة إلى استمرار عمل اللجنة البرلمانية خلال الإجازة الصيفية لإنجاز قانون الإدارة المحلية، معتبرة ذلك مؤشرًا على وجود إرادة حقيقية لعودة المحليات.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة