تطوير مساكن الأوقاف بالقلعة على رؤوس أصحابها.. الهدم مقابل الإنسان

بين أصوات معدات الهدم، وركام المنازل التي أُزيلت بالفعل، يعيش عدد من سكان مساكن الأوقاف أمام جامعي السلطان حسن والرفاعي بمنطقة القلعة حالة من القلق والترقب بعد إدراج عقاراتهم ضمن أعمال التطوير الجارية في نطاق القاهرة التاريخية. وبحسب شهادات السكان، بدأت أعمال الإزالة الفعلية قبل نحو أسبوع، وشهدت المنطقة هدم عدد من العقارات والبلوكات السكنية، فيما تنتظر أسر أخرى معرفة مصير مساكنها والتعويضات المقررة لها.

وفي الوقت الذي تؤكد فيه الدولة أن المشروع يهدف إلى الحفاظ على الطابع العمراني والتراثي للمنطقة وتعظيم الاستفادة منها، يقول عدد من الأهالي إنهم يواجهون مخاوف تتعلق بالتعويضات ومصير أسرهم بعد الإزالة.

لم يعد المكان كسابق عهده، الشوارع التي كانت تعج بالسكان والجيران لعقود طويلة، تبدو المشاهد مختلفة اليوم، أثاث منقول على عجل، وعقارات أُزيلت بالفعل، وأخرى ما زالت تنتظر دورها وأسر تنتظر معرفة مصيرها النهائي، وذكريات و أحلام مبعثرة في كل مكان

عدد من السكان تحدثوا لفكر تاني أكدوا أنهم لا يعارضون التطوير في حد ذاته، لكنهم يطالبون بضمانات تمنحهم السكن الملائم والتعويض الذي يمكنهم من توفير بديل مناسب.

إما أن نجد بديلًا أو نصبح بلا مأوى

محمد أحمد مصطفى، أحد سكان المنطقة، يقول إنه وجد نفسه فجأة أمام مسؤولية البحث عن مستقبل أسرته المكونة من ستة أفراد بعد إدراج العقار الذي يقيمون فيه ضمن العقارات المقرر إزالتها

يضيف في حديثه لـ"فكر تاني": "إحنا مع التطوير قلبًا وقالبًا، وفخورين بأي مشروع يحافظ على تاريخ مصر ويطور المناطق الأثرية، لكن قيمة التعويض المعروضة مش هتخليني أقدر أوفر سكن مناسب لأسرتي في ظل أسعار العقارات والإيجارات الحالية.

وتابع:"قدمت شكاوى كتير لجهات رسمية ومحدش رد عليا يطمني هستلم التعويض أمتى؟ عشان أقدر أخرج عيلتي من هنا، والوضع أصبح صعب في ظل وجود جدتي الكبيرة في السن و أمي المريضة، أنا لحد دلوقتي محدش رد عليا يقولي هستلم التعويض أمتى اللي هو 650 ألف جنيه زي ما عرفت من جيراني.

ويكمل مع أصوات الهدم: "الخوف الأكبر عندي على أسرتي، خصوصًا جدتي اللي عملت عملية تغيير مفصل، و مكانش في بالها يجي يوم و تخرج من البيت اللي عاشت فيه العمر كله، كل يوم نصحى مفزوعين من أصوات الهدم حوالينا، غير حزننا على جيراننا اللي بيمشوا واحد ورا التاني".

واختتم مناشدته قائلًا: احنا مش عايزين أي امتيازات خاصة أنا بس عايز الحكومة توفرلي سكن كويس أنقل فيه عيلتي لأني مش عارف هجيب شقة إزاي ومنين وأنا لسه معرفش هستلم التعويض أمتى وخايف البيت يتهد وألاقي عيلتي فجأة في الشارع و أحنا ناس على قد حالنا مش معانا اللي يخليني اتمكن من تأجير شقة.

أين أذهب في هذا العمر؟

خوف محمد على جدته هي نفس مشكلة وفاء السيد، التي تجاوزت الستين من عمرها، فشقتها ليست مجرد مسكن، بل عمر بأكمله مرسوم بين زوايا تلك الحوائط التي تقرر إزالتها.

تقول لـ"فكر تاني": "تزوجت هنا، وربيت أولادي هنا، وكل ركن في البيت مرتبط بذكرى، متخيلتش إن يجي يوم وأمشي من بيتي إلا على قبري، كنت طول الوقت بدعي أموت في بيتي لكن ربنا له حكمة في كدا، أنا لحد دلوقتي منتظرة قرار هدم العمارة، و كل ما أشوف بيت من بيوت جيراني بيتحول لكوم تراب أبكي بحرقة.

وأضافت: " أنا لحد دلوقتي مش عارفة أنا هاخد شقة ولا فلوس ولو خدت فلوس هعمل بيها إيه أنا ست كبيرة ولوحدي بعد موت جوزي وسفر ابني، كنت أتمنى يدوني شقة بدالها وخلاص مع إني هنا كنت متونسة بجيراني وعارفة إن حد هيسأل عليا ويخبط بابي دلوقتي هروح مكان غريب محدش يعرفني فيه وأنا مريضة سرطان يعني ممكن أفقد حياتي في أي لحظة من غير ما حد يحس بيا".

عايشين في رعب بسبب انقطاع الخدمات

حالة عدم اليقين بأهم احتياجات الإنسان وهي السكن يلخصها كريم سمير، محامي وأحد أبناء المنطقة، بأن الحكومة لم تخطرهم بوقت كافي للمغادة وقطعت عنهم المرافق وأسرته فوجئت بأعمال الهدم التي طالت العقارات المحيطة بهم خلال الأيام الماضية.

وأوضح لـ"فكر تاني" أن السكان يعيشون حالة من القلق وعدم اليقين بشأن مصيرهم، مشيرًا إلى أنهم لم يتلقوا إخطارًا قبل الهدم بوقت كافي قبل، كما فوجئوا بانقطاع بعض المرافق الأساسية عن المنطقة، وهو ما زاد من صعوبة الأوضاع المعيشية للأسر المتبقية.

وأضاف: " أنا ووالدتي وأخويا ملناش مكان غير البيت دا ومضطرين نفضل هنا والوضع بقا صعب أوي بسبب انقطاع الخدمات عننا بشكل متكرر كل يوم الكهرباء تفصل بسبب أعمال الهدم حوالينا والغاز كمان اتفصل طيب أحنا ذنبنا إيه في إنه مفيش تنسيق ولا تنظيم كويس لأعمال الإزالة؟ ولا تسليم الناس حقوقها قبل الهدم".

وأشار إلى أن كثيرًا من الأهالي ما زالوا ينتظرون توضيحات بشأن التعويضات وآليات الانتقال إلى مساكن بديلة، مطالبًا بتوفير تواصل مباشرة مع السكان للإجابة عن استفساراتهم ومعالجة المشكلات الناتجة عن سوء التنسيق.

التطوير يغيّر الخريطة العمرانية للقاهرة

شهدت القاهرة خلال السنوات الأخيرة تنفيذ عدد من مشروعات تطوير المناطق غير المخططة والتاريخية، ضمن خطة تستهدف تحسين البيئة العمرانية ورفع كفاءة الخدمات والحفاظ على المناطق ذات القيمة التراثية.

ولم يكن قاطني مساكن الأوقاف بالقلعة أول من يواجه تساؤلات حول مصيرهم بعد التطوير، ففي مشروع مثلث ماسبيرو أتاحت الدولة للسكان ثلاثة خيارات، الحصول على تعويض مادي، أو الانتقال إلى وحدة سكنية بديلة، أو العودة إلى المنطقة بعد انتهاء أعمال التطوير ووفقًا لبيانات محافظة القاهرة، فضل أكثر من 70% من السكان الحصول على التعويض المادي، بينما اختار آخرون السكن البديل أو العودة إلى المنطقة بعد انتهاء المشروع.

أما منطقة تل العقارب، فقد أُزيلت بالكامل وأُعيد تطويرها تحت اسم "روضة السيدة"، حيث ضم المشروع 816 وحدة سكنية داخل 16 عمارة خُصصت لإعادة تسكين سكان المنطقة ومناطق مجاورة، ضمن خطة الدولة للقضاء على المناطق غير الآمنة.

كما نُقل سكان مناطق أخرى، من بينها عزبة أبو قرن والزرايب، إلى مشروع "معًا" بمدينة السلام، الذي يضم 4416 وحدة سكنية، بالإضافة إلى مشروعات إسكان بديل أخرى استهدفت نقل سكان المناطق المصنفة غير آمنة إلى وحدات جديدة مجهزة بالخدمات.

أما منطقة سور مجرى العيون، التي تدخل ضمن مشروع تطوير القاهرة التاريخية، فقد جرى نقل عدد من سكانها إلى مشروعات الإسكان البديل، بينما ما تزال أجزاء أخرى من المنطقة تشهد مراحل متتابعة من أعمال التطوير، في إطار خطة الدولة لإعادة تأهيل المنطقة التاريخية وتحويلها إلى مقصد سياحي وثقافي.

ورغم تأكيد الجهات الرسمية أن هذه المشروعات تستهدف تحسين جودة الحياة وتوفير مساكن أكثر أمانًا، فإن عددًا من السكان والباحثين في الشأن العمراني يرون أن الانتقال إلى مناطق جديدة يفرض تحديات اقتصادية واجتماعية تتعلق بالعمل والتعليم وشبكات العلاقات الاجتماعية التي تشكلت عبر عقود طويلة.

باحث عمراني: غياب الشفافية هو المشكلة

يقول الباحث العمراني إبراهيم عز الدين لـ"فكر تاني": غياب الشفافية هي المشكلة المكبرى في تنفيذ مشروعات التطوير في مصر، "يعني لما تيجي تقول للناس سيبوا بيوتكم عشان المنفعة العامة، حقهم يعرفوا إيه هي المشروعات اللي هتتعمل بدل بيوتهم؟ وهتعود على الشعب بأنهي نوع من أنواع المنفعة؟، كمان الحكومة عندها نوع من أنواع عدم الجدية في مسألة تعويض السكان، بسبب تعقيدات قانون نزع الملكية.

وأضاف: " من الصعب إن كل الناس توفر متسلسلة الملكية من أول المالك الأول للعقار إلى المالك الأخير، وحصل إنه ناس كتير فقدت أوراقها لأسباب كتير وهنا بنقع في مشكلة كبيرة وهي إن الناس دي هتقع تحت طائلة التقدير الاجتماعي واللي بيحكم بمبالغ قليلة جدًا مقابل قيمة العقار والسبب ممكن يكون فقدان مجرد ورقة، فإذا كان المقيم يمتلك عقد ملكية من المالك اللي قبله ليه أجبره يقدملي ورق قديم جدًا مش شغلانته إنه يبحث عنه ويجيبه.

واختتم:" كلنا كباحثين في الشأن العمراني بنطالب بتعديل قانون رقم 10 لسنة 1990 والخاص بمسألة نزع الملكية لأنه مش بيخدم غير الحكومة اللي هي المتحكم الأول والأخير في الأمر كمان لازم يكون في إشراف قضائي على عملية نزع الملكية لضمان حقوق المواطنين.

 

رد رسمي: نحافظ على التراث

وفي المقابل، تؤكد الدكتورة مها فهيم مستشارة وزيرة التخطيط العمراني لـ"فكر تاني" أن مشروعات تطوير القاهرة التاريخية تأتي في إطار خطة أوسع للحفاظ على التراث العمراني وتحسين البيئة الحضرية ورفع كفاءة الخدمات بالمناطق ذات القيمة التاريخية.

وأضافت" الدولة بتتعامل مع هذه المناطق باعتبارها جزءًا من الهوية الحضارية لمصر ومورد مهم للجذب السياحي والثقافي، وأعمال التطوير تستهدف تحقيق منفعة عامة للمواطنين مش خدمة لمصالح خاصة، والحكومة حريصة على مصلحة المواطن لكن في نفس الوقت آن الأوان نرجع للقاهرة جمال هويتها البصرية بعيدًا عن العشوائية وسوء التخطيط.

واختتمت: الحكومة مقدرة مشاعر المواطنين وتعلقهم ببيوتهم ومناطقهم ولما بيكون متاح إننا نخير الناس للعودة بعد التطوير دا بيحصل زي ما حصل مع بعض سكان مثلث ماسبيرو، لكن في مناطق مينفعش نرجع السكان ليها بسبب طبيعة المشاريع المقامة عليها وهو ما يتم تحديده بحسب الدراسات التخطيطية والتنسيق بين الجهات المعنية، وكل اللي بيحصل دلوقتي في منطقة الخليفة وغيرها هو ضمن مشروعات تطوير القاهرة التاريخية بهدف الحفاظ على الطابع التاريخي والعمراني وتحسين مستوى الخدمات والبنية الأساسية.

وفيما يتعلق بالتعويضات، أكدت أن تحديد قيم التعويض وآليات صرفها من اختصاص الجهات التنفيذية المختصة، وعلى رأسها المحافظات ووزارة المالية، وفقًا للتقييمات والإجراءات المعمول بها.

وحاولت "فكر تاني" التواصل مع الجهات التنفيذية المعنية بملف الإزالات والتعويضات للحصول على ردود إضافية بشأن شكاوى السكان، لكننا لم نحصل على إجابات كافية تطمئن المواطنين.

بين رؤية الدولة التي تعتبر تطوير القاهرة التاريخية مشروعًا ذا منفعة عامة يستهدف حماية التراث وتحسين البيئة العمرانية، ومخاوف السكان الذين يخشون فقدان مساكنهم أو الابتعاد عن مجتمعاتهم التي عاشوا فيها لعقود، يبقى السؤال مطروحًا حول كيفية تحقيق التوازن بين التطوير العمراني والحفاظ على الحق في السكن والاستقرار الاجتماعي.

فبالنسبة لسكان منطقة القلعة، لا يتعلق الأمر فقط بمبانٍ تُزال أو مشروعات تُقام، بل بمستقبل أسر كاملة تبحث عن إجابات واضحة بشأن التعويضات والسكن البديل وضمانات الحياة الكريمة بعد انتهاء أعمال التطوير.

ويتساءل كثير من الأهالي والمهتمين بقضايا العمران والحق في السكن: هل يمكن تحقيق معادلة تجمع بين الحفاظ على التراث وتطوير المناطق التاريخية من جهة، وضمان بقاء السكان الأصليين أو توفير بدائل عادلة ومناسبة لهم من جهة أخرى؟ وهو سؤال يتجاوز حدود مساكن القلعة ليطرح نفسه على مجمل مشروعات التطوير العمراني التي تشهدها القاهرة خلال السنوات الأخيرة.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة