رفع حسام حسن علمًا على كتفه، فانهارت في ثانية واحدة سنوات من الجهود المضنية التي بذلتها "الوحدة 8200" الإسرائيلية المسؤولة عن الحرب الإلكترونية، ومحاولاتها المتكررة لبث الفرقة بين الشعوب العربية على السوشيال ميديا، ليس لأن الرمز أقوى من الآلة، وإنما لأن الآلة نفسها كانت تراهن على أن مثل هذا الرمز لم يعد قادرًا على تحريك أحد.
لم يكن الأمر خطابًا أو بيانًا سياسيًا، فقط علمان ملتصقان، وكأن المسافة بينهما، وبين ما تروج له كتائب الذباب الأزرق من دعوات للتخلي عن القضية الفلسطينية وتهميشها، لم تكن يومًا بالاتساع الذي روّجت له سنوات من الحملات الممنهجة.
وإذا كانت هذه المسافة قد تلاشت في صورة واحدة، فإن مسافة أخرى تلاشت بعد أيام قليلة، بين لغة الفيفا الرسمية وموقف سياسي واضح، حين لم يحتج الرجل نفسه إلى علم هذه المرة، بل إلى تلك اللغة نفسها ليحولها إلى موقف "عايزين الـ respect للبني آدم إنه يعيش، وعايزين الـ fair بإنه في شعوب تعيش، بس آدي كل اللي بقوله".
لم يكن الفعلان يسيرين رغم بساطتهما، فقد احتاجا شجاعة وإنسانية، ومع ذلك، أثارا ردود أفعال عاملت الإنسانية نفسها وكأنها الجريمة، فخصصت صحف كبرى مثل "يديعوت أحرونوت"، وقنوات تلفزيونية رسمية مثل القناة 12 الإسرائيلية، مساحات كاملة للرد على مدرب لم يمارس غير "دوره الإنساني"، فاتُّهم بمخالفة قواعد الفيفا من غير أن تصدر لائحة واحدة تثبت ذلك، وطالته تهمة أخرى باستغلال منصة رياضية لتمرير رسائل سياسية، وكأن كل كلمة يقولها هذا الرجل تحتاج إلى تفسير أمني.
الأحلام ممكن تتحقق
وبعيدًا عن التحليل والتنظير الرسمي، كان هناك من عاش اللحظة نفسها من الجانب الآخر، لا كخبر يُناقش، وإنما كواقع يترجم ما تحدث عنه "العميد". يقول الشاب الفلسطيني هاشم فضة، صاحب الـ23 عامًا، لـ"فكر تاني" إنهم كانوا يستعدون لمتابعة المباراة قبلها بأيام، وكانوا خائفين من حدوث قصف وقت المباراة يمنعهم من المتابعة، "والحمد لله الليلة مشيت هادية ومحصلش قصف، وكلنا كنا قاعدين نتابع، وفجأة شوفنا حسام حسن بيرفع العلم، وانقلبت الدنيا هتاف لمصر وفرحة كبيرة إنه افتكرنا في عز نجاحه، كانت لحظة اتأثرنا فيها كلنا لأنها تحدي لإسرائيل اللي حاولت تفهم الغزاوية إنه فيش حدا بيدعمكم وإنه الكل نسي إنكم عم تتبادوا".
وأضاف "يمكن حسام حسن ما كنش متخيل حجم الفرحة اللي قدمها لكل الفلسطينيين، لكن إحنا عمرنا ما هننسى الموقف للمصريين اللي طول عمرهم حاملين همنا، ونحنا عارفين إنه قضيتنا عقيدة بالنسبة لإلهم، وكما أن صعود مصر لدور الـ16 أكدلنا إنه كل الأحلام ممكن تتحقق وفيش إشي مستحيل، يعني الأطفال بالمخيم صاروا يقولوا يمكن مصر تاخد كأس العالم، ويمكن يجي يوم على غزة وتعود حرة".
ولم تكن مشاعر هاشم فضة استثناءً، فعلى بعد كيلومترات من مكانه، كانت الصحفية الفلسطينية صبا إسماعيل، صاحبة الـ36 عامًا، تعيش اللحظة نفسها بطريقتها الخاصة، وهي تشاهد المباراة في مدينة المنصورة المصرية، وتتفاجأ برفع علم بلدها بجانب علم البلد التي احتضنتها لفترة كبيرة في أثناء الحرب الأخيرة.
تقول صبا لـ"فكر تاني"، "كنت بتفرج على المباراة مع بنتي فلسطين في كافيه بمنطقة الإستاد في مدينة المنصورة، وحواليا ناس كتير طبعًا مصريين ويعرفوني، وأول ما حسام حسن رفع العلم ما حسيت بروحي إلا وأنا ببكي بشدة، وضليت أبكي بحرقة كبيرة ما بعرف ليش، من الفرح ولا من التأثر إنه العالم كله تذكرنا وتذكر قضيتنا في هيدي اللحظة".
واستكملت "كل النساء المصريات اللي حواليا حضنوني كأنهم أهلي لما بكيت، تذكرت غزة واللي بيصير بأهلي هناك، لكن في اللحظة اللي حضنوني فيها النساء المصريات حسيت إني ما ضليتش لحالي، وإنه هما كمان أهلي هنا".
واستكملت صبا كلامها بتأثر عما حدث مع ابنتها فلسطين في اللحظة التي وضع فيها حسام حسن علم مصر على كتف وعلم فلسطين على الكتف الآخر، قائلة "فلسطين، بنتي، عندها 4 سنوات بس واعية لفكرة الوطنية بشكل كبير، وكانت كتير فخورة لما شافت علمين بلادها في نفس اللقطة، لأنها من أب مصري وأم فلسطينية، فحسيت إنه المشهد بيمثل انتماءها للبلدين"، وهذه، بحسب صبا، ليست مشاعر فلسطين وحدها "دي مشاعر عشرات الأطفال الفلسطينيين اللي انتماءهم شديد لمصر التي حضنتهم وداوت جراحهم أثناء الحرب الأخيرة"، ما يعني أن هناك جيلًا كاملًا من الفلسطينيين سيظلون حاملين العلمين في قلوبهم للأبد.
وإذا كانت هذه مشاعر من يحمل القضية في قلبه كفلسطيني، فإن المصريين أنفسهم، الذين كانوا يشهدون لحظة وطنية خالصة، فرحين بتحقيق إنجاز كروي طال انتظاره، عاشوا تحولًا مشابهًا في مشاعرهم.
هتفنا لفلسطين
تقول إسراء سعد، وهي مصرية وتبلغ من العمر 30 عامًا، "كنا بنتفرج على الماتش في كافيه في شارع بمنطقة المعادي، ولما شوفنا علم فلسطين بيترفع، الناس كانت مبسوطة، وبقينا نهتف لفلسطين بعد ما كنا بنهتف لمصر بس"، موضحة لـ"فكر تاني"، أن "الناس كانت مشاعرها مختلطة، ما بين التضامن مع قضية فلسطين وما بين الفرحة بمصر، محدش فينا ناسيهم حتى في أشد اللحظات خصوصية لبلدنا، ودي رسالة فرحنا إنها وصلت لكل العالم".
وإذا كانت هذه المشاعر المتبادلة قد عبّرت عن نفسها في الشارع، فإن قراءتها السياسية الأعمق كانت تنتظر من يضعها في سياقها الأشمل.
يقول الدكتور منصور أبو كريم، المحلل السياسي الفلسطيني، إن ما فعله مدرب منتخب مصر لم يكن مجرد لقطة في احتفال كروي عابر، كانت رسالة دعم معنوي واضحة للشعب الفلسطيني بشكل عام، ولأهالي قطاع غزة الجريح بشكل خاص.
ويضيف، في تصريحات لـ"فكر تاني"، إن "رفع العلم الفلسطيني جسد الاهتمام المصري بقضيتنا على المستوى الرسمي والشعبي، وأكد لنا إنه المصريين مازالوا يعتبرون قضيتنا هي القضية القومية بالنسبة لهم"، وهو الأمر الذي قابله أهالي القطاع والضفة بالترحاب والامتنان، والاحتفال في المخيمات حتى ساعات متأخرة من الليل بصعود المنتخب المصري وبرفع العلم الفلسطيني في هذا المحفل أمام العالم.
واختتم حديثه بالإشارة إلى دعوات من الإعلام الإسرائيلي بمنع رفع العلم الفلسطيني مرة أخرى، ومحاولة الضغط على الفيفا لتحقيق ذلك، مرجحًا ألا تكون هناك استجابة من الفيفا، لأن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي يجد صداه في المدرجات منذ بداية البطولة، وقد رأى العالم العلم يرفرف في المدرجات بأيادٍ عربية ومصرية أكثر من مرة، لكن هذه المرة كانت مميزة جدًا بعد حديث حسام حسن عن القضية، وهو ما أعاد موضوع الإبادة الجماعية إلى الساحة مجددًا.
وإذا كانت هذه الدعوات الإسرائيلية قد بدت في كلام منصور أبو كريم مجرد إشارة عابرة، فإنها كانت في الحقيقة انعكاسًا لغضب أوسع بكثير، غضب لم يقتصر على المطالبة بمنع تكرار المشهد، بل امتد ليطال المدرب نفسه بشكل مباشر.
غضب الصهاينة
بالنسبة للإعلام العبري، استُقبلت اللقطة بشكل مختلف تمامًا، إذ كانت بمثابة مفاجأة غير سارة على الإطلاق، حيث كتبت عدة صحف تصريحات غاضبة مما فعله حسام حسن، مثل القناة 12 الإسرائيلية التي أذاعت تقريرًا يفيد بأن المدرب المصري استغل منصة كأس العالم لتمرير رسائل سياسية، كما ادعت أن رفع علم فلسطين يخالف قواعد الفيفا، بالرغم من عدم صدور أي لوائح تفيد صحة هذا الادعاء.
كما نشرت صحيفة "يديعوت أحرونوت"، التي تُعد الصحيفة العبرية الأكثر انتشارًا، تقريرًا ينتقد ما فعله مدرب المنتخب المصري، وأشارت إلى أن تصريحاته التي قال فيها إنه يهدي الفوز للشعبين المصري والفلسطيني كانت مستفزة.
أما على الصعيد الشعبي، فقد شهدت منصة "إكس" الكثير من ردود الفعل الغاضبة من المستوطنين اليهود الذين غضبوا بشدة من تصريحات حسام حسن حول الشهداء وإهداء الفوز، ودعوا إلى تشجيع الأرجنتين في المباراة القادمة، واعتبار من لا يساند الأرجنتين على حساب مصر عدوًا لهم، كما غردت عشرات الحسابات الإسرائيلية متمنية هزيمة مصر وخروجها من كأس العالم في المباراة القادمة.
لكن مهما بلغ حجم هذا الغضب، ومهما توسعت دائرة الاتهامات، يظل هناك مشهد واحد أعجز من أن تطاله كل هذه الحملة، مشهد وصفته صبا إسماعيل عن ابنتها فلسطين، الطفلة ذات الأعوام الأربعة، التي رأت على كتف رجل واحد العلمين اللذين يشكلان هويتها الكاملة. فبينما كانت الصحف والقنوات تبحث عن تفسير أمني لكل كلمة قالها حسام حسن، وبينما كانت الحسابات الإسرائيلية تتنافس في تمني الهزيمة له، كانت طفلة صغيرة تفهم المشهد ببساطة أكبر من كل هذا الجدل، أن العلمين ليسا في مواجهة أحدهما الآخر، وإنما يحملان القصة نفسها. وربما تكون هذه هي الرسالة التي عجزت سنوات من الحملات الممنهجة عن محوها، أن المسافة التي حاولت الآلة توسيعها لعقد كامل، أغلقتها ثانية واحدة على كتف مدرب كرة قدم.