الفلسفة التشريعية النسوية بين الوصاية والتمكين

في كل مرة تُثار فيها القضايا الناظمة لحقوق النساء، يرتد النقاش إلى ذات المربع الجدلي بصيغٍ متجددة، هل تحتاج النساء إلى مزيدٍ من الحماية، أم إلى مزيدٍ من الحرية؟ يبدو السؤال في ظاهرهِ بسيطًا، لكنه يُضمر في داخله تحولات فلسفية وقانونية امتدت لعقود، تحولات انتقلت عبرها الحركة النسوية من عتبة المطالبة بالحقوق المجردة، إلى المساءلة الفلسفية للمنطق الذي تُصاغ به هذه الحقوق في الأصل.
لقد شكل انتصار "المساواة القانونية" لحظة فارقة في التاريخ الحديث، إذ انتزعت النساء حقوقهن في التعليم، والعمل، والتملك، والمشاركة السياسية. غير أن التجربة التاريخية كشفت أن النصوص لا تصنع الواقع بالضرورة، وأن الاعتراف القانوني الشكلي بالمساواة لا يضمن قدرة النساء على ممارستها في مجتمعات لا تزال محكومة بعلاقات سلطة غير متكافئة، وصور نمطية متجذرة، وتشريعات تبدو في ظاهرها "حمائية"، بينما هي في عمقها تُعيد إنتاج "الوصاية" بصيغة أكثر حداثة ونعومة.

من هذا المنطلق، أعاد الطرح النسوي صياغة السؤال بشكلٍ مغاير، هل وظيفة القانون مرتبطة بغاية تتمثل في حماية النساء بوصفهن "فئة مستضعفة"، أم أن وظيفته الاعتراف بهن كمواطنات كاملات الأهلية، يملكن الحق الأصيل في تقرير مصائرهن؟ وماذا لو تقاطعت هذه القرارات الحرة أو تصادمت مع الرؤية الأبوية للمجتمع أو الدولة؟
إن هذا التحول الفكري لم يكن مجرد استبدال للمصطلحات، بل نقلة تمثل انعطافة فلسفية في فهم المعرفة والوجود من منطق يختزل النساء في فئة تحتاج رعاية خاصة (منظور الرعاية)، إلى منطقٍ يرى أن العدالة الحقيقية تبدأ من تمكين المرأة من السيادة على حياتها، وأن دور القانون يتجلى في تفكيك العوائق الهيكلية التي تحول دون ممارستها لحقوقها، لا في رسم حدود هذه الحقوق بالنيابة عنها.

متى يتحول التشريع الحمائي إلى وصاية؟

يتحول التشريع الحمائي إلى أداة وصاية في اللحظة التي يتجاوز فيها دوره بوصفه وسيلة لدرء المخاطر، ليصبح قيدًا يصادر حرية المرأة في اتخاذ القرار وتحديد خياراتها المستقلة. ويمكن تفكيك هذا التحول عبر ثلاثة معايير أساسية.

معيار الإرادة

إذا افترض القانون معيارًا أحاديًا وخيارًا قسريًا وحيدًا، مستندًا إلى تصور فلسفي ضمني يرى أن المرأة قاصرة عن تحديد مصلحتها الفضلى، فإنه يتحول حكمًا إلى أداة وصاية. أما إذا وفر لها بدائل الحماية وآلياتها المتعددة، تاركًا لإرادتها الحرة سلطة تفعيلها، فإنه يغدو تشريعًا تمكينيًا.

ويتجلى هذا الفارق بوضوح في التفاصيل الإجرائية، فحين يُصدر وزير العمل قرارًا بـحظر عمل المصريات في المهن المنزلية بالخارج (بما يشمل الخادمات، ومدبرات المنازل، والممرضات المنزليات، والمساعدات الشخصيات)، ويمتد الحظر ليمنعهن من العمل في المقاهي خارج البلاد، فإن صانع القرار -بدلًا من تشريح الإشكاليات البنيوية التي تواجه هذه العمالة وصياغة بروتوكول حمائي واتفاقيات ثنائية تضمن حقوقهن- استسهل الحل الأكثر إجحافًا ومصادرةً للحقوق، وهو "الحظر المطلق". وهذا الإجراء هو التجسيد القانوني الصارخ للوصاية المغلّفة بالحماية.

معيار المساواة

يتخذ القانون طابع الوصائية حين يفرض على النساء قيودًا استثنائية يعفى منها الرجال. والإشكالية هنا تتجاوز مجرد التمييز في المعاملة، فالقانون حين يتعامل مع النساء بوصفهن كائنات قاصرة عن تقدير المخاطر، لا ينتج أثرًا قانونيًا مجردًا فحسب، بل يقوم بـ"تطبيع" هذا الوعي في المتخيل الجمعي، مانحا الأعراف الاجتماعية الظالمة شرعيةً قانونية ومؤسسية.

وتبدو هذه الإشكالية جلية في المادة (60) من قانون العقوبات، التي تنص على أنه "لا تسري أحكام قانون العقوبات على كل فعل ارتكب بنية سليمة عملًا بحق مقرر بمقتضى الشريعة". يتغلف هذا النص في ظاهره بمرونةٍ تشريعية، لكنه في الواقع العملي يمثل طوق نجاةٍ لمرتكبي العنف الأسري، الذين يتذرعون بـ"حسن النية" و"تأديب الزوجة المستند للحق الشرعي"، في حين تظل قضايا الضحايا حبيسة ردهات المحاكم بعيدة عن المساءلة الناجزة. إن النص لا يُشرعن العنف صراحة، لكنه يفتح ثغرة تفسيرية واسعة لـ"النية السليمة" تؤول وفق منظومة قيمية بطريركية (أبوية) لا تنحاز للضحية، فيتحول النص من ضمانة للعدالة إلى أداة لإعادة إنتاج التمييز وحماية الجاني.

معيار الاستقلالية

لا تقاس العدالة التشريعية لحكومة ما بحجم التدابير الحمائية الرقابية التي تفرضها الدولة، بل بمدى احترامها لاستقلالية أفرادها في هندسة خياراتهم دون تمييز على أساس الجنس.

وفي هذا السياق، جاء القرار الصادر عن وزارة الداخلية المصرية في 26 أكتوبر 2024، الذي يشترط حصول فئات من النساء على تصريح مسبق للسفر إلى المملكة العربية السعودية، في حين يُستثنى الرجال في ذات الظروف من هذا الإجراء. إن مكمن الخلل هنا ليس في التنظيم الإداري للسفر بحد ذاته، بل في "المنطق الفلسفي" الحاكم له، إذ يفترض القرار ضمنًا أن استقلال المرأة في قرار التنقل يحتاج إلى مستوى إضافي من الرقابة والوصاية الحكومية مقارنة بالرجل، حتى مع انتفاء أي تمايز في طبيعة الفعل أو المخاطر المرتبطة به.

بذلك، ينزاح الإجراء من كونه تدبيرًا تنظيميًا ليصبح رسالة بنيوية صريحة النساء لسن مواطناتٍ كاملات الأهلية، بل "حالات قانونية استثنائية" تستدعي التحقق المسبق قبل ممارسة حقٍ يُفترض أنه أصل أصيل من أصول المواطنة.

لماذا لا تكفي المقاربة العقابية؟

رغم الترسانة القانونية الصارمة وتغليظ العقوبات، تستمر الجرائم والانتهاكات ضد النساء في التصاعد. فلماذا يفشل الردع العقابي؟

لأن العقوبة في النماذج الفلسفية التقليدية تتعامل مع "العرض" لا مع "المرض"، تعاقب "النتيجة" وتغفل "البنية الثقافية والاجتماعية" التي أنتجت الفعل وجعلته ممكنًا ومتكررًا. إنها محاولة لقطع الأغصان مع الإبقاء على الجذور متشبثة في التربة.

من هذا المنظور، تبرز فلسفة "العدالة التحويلية" (Transformative Justice) كبديلٍ جذري، يتنقل بالقانون من مربع العقاب الصرف إلى مربع إعادة البناء الهيكلي. والسؤال الفلسفي الذي تطرحه هذه المقاربة ببساطة هل يُقاس نجاح المنظومة القانونية بعدد الأحكام الصادرة والزنازين الممتلئة، أم بعدد الجرائم التي جرى تفكيك بنيتها قبل أن تُرتكب؟

التجارب الدولية المعاصرة تقدم إجاباتٍ ساطعة في هذا الصدد، فعلى سبيل المثال في رواندا أطلقت منظمة "روامريك" بالتعاون مع الحكومة برنامج "بانديبيريهو" (Bandebereho) -الذي يعني بلغة كينيا رواندا "كن قدوة". يستهدف هذا البرنامج الرجال مباشرةً لتفكيك وإعادة صياغة التصورات الثقافية حول "الذكورة، والأبوة، والرعاية المشتركة". وقد أسفرت هذه المقاربة التوعوية التفكيكية عن انخفاض دراماتيكي وملموس في معدلات العنف الأسري، فالنموذج الرواندي لم ينتظر وقوع الفأس في الرأس ليعاقب الجاني، بل عمل على تدمير المصنع الثقافي الذي يُنتج هذا الجاني.

وفي آيسلندا أسست الدولة نموذج "المحطة الواحدة" عبر مراكز متخصصة مثل "بياركارهليد" (Bjarkarhlíð) و"بيارماهليد" (Bjarmahlið)، وهي مراكز تدمج تحت سقف مؤسسي واحد الدعم القانوني، والنفسي، والطبي، والاجتماعي لضحايا العنف، حمايةً لهن من التشتت والإنهاك النفسي بين البيروقراطيات الحكومية المتعددة. علاوة على ذلك، لا تكتفي المنظومة بإيداع الجاني السجن، بل تُلزمه بالخضوع لبرامج تأهيل سلوكي قسرية تستهدف تفكيك الأنماط العدوانية المتجذرة لديه لضمان عدم العودة لهذه الجرائم.

إن القاسم المشترك بين هذه النماذج يكمن في أنها توقفت عن تسييق العنف بوصفه "حادثة فردية معزولة"، وبدأت تعامله كعرضٍ لخللٍ هيكلي عميق يستوجب تدخلًا شموليًا تتضافر فيه قطاعات القانون، والتعليم، والثقافة، والاقتصاد معًا.

مواطنة لا وصاية

في المحصلة، إن السؤال الجوهري الذي يواجه الفلسفة التشريعية المعاصرة لا يتعلق بحجم الحماية التي تبسطها الدولة، بل بطبيعة "العقد الاجتماعي" الذي تقيمه مع مواطناتها هل تنظر الدولة إليهن بوصفهن فاعلات كوامل الأهلية، أم كحالات هشة ومستضعفة تحتاج دائمًا إلى وصي ينوب عنها في تقرير مصيرها؟

لقد تضافرت الشواهد التشريعية لتؤكد أن المساواة الشكلية المجردة، حين تُترك دون إسناد هيكلي، تُعيد إنتاج اللامساواة بأدواتٍ أكثر هدوءًا وعمقًا. وأن الحماية حين تنفصل عن شرط "الاستقلالية" تتردى سريعًا لتصبح وصاية تُدار باسم "السلامة العامة"، لكنها تضرب سياجًا من الحدود غير المرئية على الحرية الإنسانية.
إن الانتقال من منطق "الحماية" إلى منطق "التمكين"، ومن العدالة "العقابية" إلى العدالة "التحويلية"، لا يهدف إلى تقويض أدوار الدولة، بل إلى إعادة تعريف هذه الأدوار من سلطة مركزية فوقية تراقب الأفراد وتصادر قراراتهم بذريعة حمايتهم، إلى بنية تحتية ومؤسسية ترفع العوائق من طريقهم، وتضمن حقهم الأصيل في اختيار ما يرونه متوافقًا مع تطلعاتهم.

إن القانون إما أن يكون أداة لتوسيع أفق الحياة، أو يتحول -ولو حسنت النوايا- إلى مقصلة ترسم حدودها الضيقة. والفلسفة النسوية، في جوهرها وأصالتها، ليست التماسًا لمعاملة تفضيلية استثنائية، بل نداء صارم من أجل مواطنة كاملة، ناجزة، وغير مشروطة، مواطنة لا تُستجدى بناءً على "ضعف مفترض يستدعي الحماية"، بل يُعترف بها بناء على "استقلال إنساني أصيل".

هذه ليست قضية امتيازات تُمنح، بل معركة مواطنة تُستعاد.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة