بين السجن والفقد.. أحمد بيومي يودع أباه غيابيًا

بعد 21 شهرًا قضاها الصحفي أحمد بيومي خلف قضبان السجن، رحل والده يوم الاثنين الماضي دون أن يكون ابنه بجانبه، ودون أن يودّعه.

وكما حُرم بيومي من أن يكون في اللحظات الأخيرة مع والده، يبدو أنه قد يُحرم أيضًا من توديعه في عزائه، وهو ما دفع المرصد المصري للصحافة والإعلام إلى تقديم طلب للإفراج الإنساني المؤقت عنه لحضور مجلس العزاء، وفق ما أفاد به أحد أعضاء فريق الدفاع لـ"فكر تاني".

ويجيء هذا الطلب في حين لا يزال بيومي رهن الحبس الاحتياطي على ذمة القضية رقم 5054 لسنة 2024 حصر أمن دولة عليا، وهو يواجه فيها اتهامات بـ"الانضمام إلى جماعة إرهابية مع علمه بأغراضها، فضلًا عن نشر أخبار كاذبة وإذاعتها، واستخدام أحد المواقع الإلكترونية في ارتكاب تلك الجرائم".

والمسجون أبٌ لطفلين، إحداهما في الرابعة من عمرها وتعاني إعاقة، والآخر لم يتجاوز العامين بعد، وإلى جانب ذلك، يواجه بيومي وضع صحي هش، إذ يعاني منذ طفولته ثقبًا في القلب يستلزم علاجًا ومتابعة طبية دوريين.

وقد غدا اسم أحمد بيومي في السنوات الأخيرة علامة بارزة في سجل حملات القبض على الصحفيين بسبب عملهم المهني، ليكون واحدًا من 19 صحفيًا يقبعون خلف القضبان بتهمة "نشر أخبار كاذبة"، بعضهم تجاوز حبسه الحد الأقصى الذي رسمته المادة 143 من قانون الإجراءات الجنائية.

وتنص هذه المادة على أنه "في جميع الأحوال لا يجوز أن تجاوز مدة الحبس الاحتياطي في مرحلة التحقيق الابتدائي وسائر مراحل الدعوى الجنائية ثلث الحد الأقصى للعقوبة السالبة للحرية، بحيث لا تتجاوز ستة أشهر في الجنح، وثمانية عشر شهرًا في الجنايات، وسنتين إذا كانت العقوبة المقررة للجريمة هي السجن المؤبد أو الإعدام". وقد حمل هذا الواقع نقيبَ الصحفيين خالد البلشي على رفع طلبات إلى النائب العام للإفراج عن المحبوسين، ومن بينهم بيومي.

تاريخ من الاتهامات المكررة

لم تكن هذه المرة الأولى التي تُوجَّه فيها إلى بيومي اتهامات من هذا القبيل. ففي 20 ديسمبر 2017، اقتحمت قوات الأمن منزله في شارع فيصل بمحافظة الجيزة وألقت القبض عليه، ثم أخفته قسرًا ثلاثة أيام متواصلة قبل أن يمثل أمام نيابة أمن الدولة العليا في 23 من الشهر نفسه، وواجه وقتها الاتهامات ذاتها، من انضمام إلى جماعة إرهابية وارتكاب جرائم تمويل في القضية رقم 977 لسنة 2017. وقد مكث رهن الاحتجاز عامين كاملين، حتى أطلقت النيابة سراحه في ديسمبر 2019، فعاد إلى عمله الصحفي في موقع "إرم نيوز".

وما يزيد هذا الملف إثارة للتساؤلات أن بيومي لم يكن يومًا صحفيًا سياسيًا، أو ناشطًا في الشأن العام، فقد اقتصر عمله طوال مسيرته على تغطية ملفات الثقافة والفن في مواقع "إرم نيوز" و"الديار" و"اليوم الإخباري"، ومن هنا تطفو على السطح تساؤلات مشروعة عن الأسباب الحقيقية لاتهامه بالإرهاب والتمويل ونشر الأخبار الكاذبة، وهو الذي لم يشتغل في حياته إلا بالشأن الثقافي والفني.

47 يومًا من الاختفاء القسري

وفق ما وثّقته مؤسسة حرية الفكر والتعبير، ألقت قوات الأمن القبض على بيومي للمرة الثانية في النصف الثاني من سبتمبر 2024، وأخفته قسرًا 47 يومًا متواصلة، لم يتمكن خلالها فريق دفاعه ولا ذووه من معرفة مكان احتجازه. وأمام هذا الجدار من الصمت، لجأ شقيقه نشأت بيومي إلى تقديم بلاغات للنائب العام، وأرسل برقيات وفاكسات إلى جهات عديدة بحثًا عن أي خيط يقود إلى أخيه، غير أن كل ذلك لم يُفضِ إلى شيء، حتى وصلت إليه معلومة بأن أحمد موجود في قسم الهرم ويحتاج إلى دواء وغذاء. وبعد ذلك، مثل بيومي أمام نيابة أمن الدولة العليا في التجمع الخامس على ذمة القضية رقم 5054 لسنة 2024، وهي القضية نفسها التي تكررت فيها الاتهامات ذاتها التي سبق أن أُخلي سبيله بعدها في المرة الأولى.

منذ نوفمبر 2024، بات تجديد حبس بيومي يجري بصورة دورية عبر تقنية "الفيديو كونفرانس"، وهي تقنية أثارت موجة من الانتقادات في أوساط القانونيين والحقوقيين، الذين رأوا فيها إضرارًا صريحًا بحقوق الدفاع.

وفي 24 من مارس 2025، حضر بيومي لأول مرة جلسة أمام غرفة المشورة بمحكمة الجنايات، وذلك بعد أن جددت نيابة أمن الدولة العليا حبسه 10 مرات متتالية، بإجمالي 150 يومًا.

ثم انتقل التجديد من 15 يومًا إلى 45 يومًا دفعة واحدة، ولم يخرج هذا التجديد هو الآخر عن نمط الفيديو كونفرانس. ففي 15 أبريل 2025، جددت دائرة الإرهاب بـمحكمة جنايات القاهرة المنعقدة في سجن بدر حبسَ بيومي 45 يومًا إضافية على ذمة التحقيقات، في جلسة ظهر فيها الصحفي عبر الشاشة من داخل سجن برج العرب 2، بينما كان محاموه جالسين في قاعة التجديد بمحكمة بدر، وطالبوا بإخلاء سبيله بأي ضمان تقبله النيابة، لكن طلبهم ذهب دون رد. وزاد المشهد إيلامًا أن الصحفي لم يتمكن حتى من الإدلاء بكلمته أمام النيابة في تلك الجلسة، إذ كان الصوت مقطوعًا من طرفه طوال وقتها.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة