خلف الواجهات اللامعة وإضاءات الأجواء الهادئة، ثمة وجه آخر لسلاسل الحلويات الشهيرة لا يظهر في إعلاناتها ولا في صورها الدعائية. فروع صغيرة مختبئة في مناطق شعبية، تجد فيها المنتجات التي لم تُبَع في الفروع الرئيسية طريقها إلى الرفوف من جديد، هذه المرة بخصومات كبيرة تحول السعر إلى عامل جذب لا يقاومه كثير من المستهلكين.
خلال إعداد هذا التحقيق، جرى تتبع حركة البيع داخل منافذ مرتبطة بثلاث سلاسل غذائية شهيرة تمتلك عشرات الفروع المنتشرة بين القاهرة والجيزة والقليوبية، تمتلك الأولى 28 فرعًا ما بين محال حلويات وكافيهات وفروع داخل مراكز تجارية كبرى، والثانية تمتلك 22 فرعًا موزعة على عدد من المناطق الحيوية، فيما تنتشر الثالثة عبر شبكة واسعة من الفروع التي تعد من الأسماء المعروفة لدى قطاع كبير من المستهلكين، وتتحفظ "فكر تاني" على نشر أسماء هذه السلاسل، إذ لا يهدف التحقيق إلى التشهير، بقدر ما يسعى إلى لفت الانتباه إلى ممارسات قد تضر بصحة المواطنين، لا تتورع عنها شركات كبرى في سبيل زيادة أرباحها.
ورغم اختلاف أسماء هذه السلاسل ومواقعها الجغرافية وطبيعة انتشارها، قادت جولات الرصد إلى مشهد متكرر بصورة لافتة، منافذ جانبية بعيدة عن الصورة الذهنية المعتادة للعلامة التجارية، ومنتجات مخفضة بدرجات كبيرة قد تصل إلى نصف السعر، وعبوات متفاوتة الحالة، وملاحظات متكررة تتعلق ببيانات الإنتاج والصلاحية وآليات عرض المنتجات التي انتهى يوم بيعها داخل الفروع الرئيسية.
امتدت هذه الجولات بين ثلاثة مواقع رئيسية، منفذ بيع في منطقة مسطرد بمحافظة القليوبية، وآخر في شارع بورسعيد بالقاهرة، وثالث في شارع فيصل بالجيزة. وعلى الرغم من اختلاف المناطق، بدا أن نمطًا متشابهًا يحكم حركة البيع داخل هذه المنافذ جميعها.
مسطرد أولًا
في مسطرد، يقف منفذ البيع التابع لإحدى سلاسل الحلويات الشهيرة داخل شارع جانبي، والطريق المؤدي إليه لا يشبه بأي شكل الفروع المنتشرة داخل المولات أو الشوارع التجارية الرئيسية. لا توجد واجهات لامعة أو تجهيزات تعكس اسم السلسلة المعروف، فالمنطقة يغلب عليها الطابع الصناعي والسكني، وتتجاور فيها المباني القديمة مع مساحات مهجورة وتلال من المخلفات المتراكمة على جانبي الطريق.
داخل المنفذ، كانت الثلاجات والأرفف ممتلئة بالجاتوهات والمخبوزات والمعجنات والبيتزا ومنتجات الحلوى الجاهزة، وعلى مدار وقت الرصد، تكرر إعلان العاملين عن خصومات تصل إلى 40 بالمئة من السعر الأصلي، قطعة الجاتوه التي تُباع في الفرع الرئيسي بـ55 جنيهًا وجدناها هنا بـ25، وعلب معجنات البيتزا انخفض سعرها من 80 إلى 47 جنيهًا، فيما كان الزبائن يتحركون بين الثلاجات حاملين أكياسًا ممتلئة بالمنتجات المخفضة.
غير أن حالة بعض هذه المنتجات أثارت تساؤلات تتجاوز فكرة الخصم وحدها. بعض العبوات بدت فاقدة لأجزاء من تغليفها الأصلي، وظهرت على أخرى آثار كشط واضحة فوق البيانات المطبوعة، فيما حملت بعض المنتجات ملصقات جديدة موضوعة فوق بيانات سابقة. وفي إحدى الثلاجات، ظهرت عبوات "ميني بيتزا" ومنتجات معبأة اختفت منها تواريخ الإنتاج والانتهاء بالكامل، مع آثار واضحة لإزالة الطباعة على أجزاء من الغلاف، فضلًا عن اختلاف بيّن بين لون الطباعة الأصلية والبيانات الجديدة الموجودة أسفل بعض العبوات.
جاتوه الخطوبة
وعلى الرغم من وضوح هذا التلاعب، بدا أن الأسعار المخفضة تصرف الزبائن عن حالة المنتجات. داخل المنفذ، وقف رجل سبعيني يتنقل ببطء بين الثلاجات، ممسكًا بورقة صغيرة دوّن عليها أسعارًا عدة. كان يرتدي بدلة قماش قديمة الطراز بدت آثار السنوات واضحة عليها، ويتوقف أمام كل رف لعدة دقائق قبل أن ينتقل إلى غيره.

الرجل الذي عمل سائقًا لسنوات طويلة قبل خروجه إلى المعاش، أخبر "فكر تاني" بأن دخله الشهري لا يتجاوز الحد الأدنى للأجور، وأنه يعول أسرة كبيرة تضم أربع بنات وولدًا. قبل أيام قليلة، بدأت أسرته الاستعداد لخطبة ابنته، وهي مناسبة كان يتمنى أن تمر بصورة تليق بها، لكنه فوجئ بأن أسعار بعض علب الجاتوه والحلويات داخل الفروع الرئيسية تجاوزت أربعمئة جنيه، "قالولي فيه منافذ بتبيع بنص التمن، جيت على طول"، قال الرجل لـ"فكر تاني"ـ، وهو يواصل تفحص المنتجات المعروضة داخل الثلاجات.
لم يكن يبحث عن أفضل طعم أو أشهر صنف، بل عن منتج يبدو مقبولًا أمام الضيوف، وكان يستعين بين الحين والآخر بأحد العاملين قائلًا "مش عايز حاجات مخبوطة أوي، ساعدني أختار حاجة شكلها حلو وتشرف بنتي". توقفت عيناه أمام إحدى علب الجاتوه قبل أن يعيدها إلى مكانها مرة أخرى، مشيرًا إلى أطراف الكريمة التي بدأت في الذوبان وقائلًا "دي شكلها حلو، بس الكريمة سايحة شوية، وخايف ريحتها تتغير قبل ما أوصل البيت".
لم يكن مشهد هذا الرجل استثنائيًا داخل منافذ الخصومات، بل بدا انعكاسًا لحالة تتكرر يوميًا بين عشرات الزبائن الذين دفعتهم الأسعار المرتفعة إلى البحث عن بدائل أقل تكلفة مهما كانت التحفظات المرتبطة بحالة المنتجات المعروضة.
وحين سُئل أحد العاملين عن اختفاء تواريخ الصلاحية من بعض المنتجات، جاءت إجابته مباشرة "بنغير التاريخ أوقات ونمده يوم"، قبل أن يشير إلى أن بعض المنتجات تُعرض للبيع بعد إعادة وضع بيانات جديدة عليها.
تواصلت "فكر تاني" مع خدمة العملاء التابعة للسلسلة الغذائية الأولى، فنفت وجود أي ممارسات تتعلق بإزالة تواريخ الإنتاج أو استبدالها، مؤكدة أن جميع المنتجات تُطرح ببيانات إنتاج واضحة يمكن للمستهلك التأكد منها بنفسه. وعندما طُرحت عليه ما رصدته الجولة من إزالة بيانات الإنتاج الأصلية ووضع بيانات جديدة مكانها، اعتبر ممثل خدمة العملاء أن هذه المعلومات "ليس لها أي أساس من الصحة"، مؤكدًا أن أي مخالفة من هذا النوع تستوجب اتخاذ إجراءات بشأنها. في المقابل، رفض تقديم أي معلومات تتعلق بنسبة المنتجات التي لا تُباع يوميًا أو بآليات التعامل معها بعد انتهاء يوم البيع، موضحًا أن تلك المعلومات "أسرار شركة".
بورسعيد وفيصل
على بعد عشرات الكيلومترات من مسطرد، تكرر مشهد مشابه داخل منفذ بيع تابع لسلسلة غذائية أخرى في شارع بورسعيد بالقاهرة. يقع المنفذ داخل شارع جانبي بعيد نسبيًا عن الحركة التجارية المعتادة المرتبطة باسم السلسلة، وفي محيط لا يحمل أيًا من ملامح الفروع الرئيسية المعروفة، إذ يصعب على المار من الخارج أن يربط المكان بإحدى العلامات التجارية الكبرى، فيما بدت حالة بعض المواد المستخدمة داخله مختلفة بصورة واضحة عن الصورة المعتادة للفروع الرسمية.
خلال الرصد، ظهرت منتجات تحمل آثار تلف في أجزاء من عبواتها وتغليفها، كما رُصدت حالات تتعلق بعدم وضوح بيانات الإنتاج والصلاحية على عدد من المنتجات المعروضة. وبدا أن عامل السعر المخفض يمثل المحرك الرئيسي لحركة الشراء داخل المكان، بصرف النظر عن حالة المنتج أو مستوى وضوح بياناته.

أما في شارع فيصل الرئيسي بالجيزة، فظهر نمط مختلف نسبيًا في آلية البيع. فبدلًا من التركيز على موقع المنفذ أو حالته، برز عامل الوقت باعتباره العنصر الأهم في حركة تصريف المنتجات. خلال ساعات متأخرة من الليل، شهد المنفذ التابع لإحدى السلاسل الغذائية الكبرى زيادة ملحوظة في كميات المنتجات المعروضة مقارنة بفترات النهار، وظهرت أصناف لم تكن متاحة في ساعات سابقة، في وقت تسارعت فيه حركة الشراء مع اقتراب موعد الإغلاق. وبدت عملية البيع في تلك الساعات مرتبطة بصورة مباشرة بتصريف كميات كبيرة من المنتجات المتبقية قبل انتهاء يوم التشغيل، حيث امتلأت الثلاجات والأرفف بالمخبوزات والحلويات والمنتجات الجاهزة المعروضة بأسعار أقل من المعتاد.
وعلى الرغم من اختلاف المواقع الثلاثة، فإن نمط العرض بدا متشابهًا إلى حد كبير، منتجات مخفضة السعر، وثلاجات مخصصة للعروض، وتفاوت واضح في حالة بعض العبوات، وملاحظات متكررة تتعلق ببيانات الإنتاج والصلاحية وطريقة تداول المنتجات بين الفروع الرئيسية ومنافذ البيع المخصصة للتصريف.
الحلويات والمخبوزات رفاهية
"ن.م"، سيدة خمسينية كانت تحمل علبة حلوى فقدت جزءًا من غلافها الخارجي، تقول إن أبناءها يطلبون بين الحين والآخر أنواع الحلوى نفسها التي يشاهدونها لدى أقاربهم وأصدقائهم، لكنها لم تعد قادرة على شرائها من الفروع الرئيسية بعد الارتفاعات المتتالية في الأسعار. مضيفة لـ"فكر تاني"، "الأول كنا بنجيب الحلويات كل فترة، دلوقتي بقينا نحسبها بالأيام. العيال نفسها تاكل زي باقي الناس".
وعلى غرارها، يعتبر أحمد، عامل اليومية الثلاثيني، أن شراء الحلويات بالسعر المعتاد أصبح رفاهية لا تتناسب مع دخله غير المستقر. وقف أمام الثلاجات محاولًا المقارنة بين الأسعار والمنتجات المعروضة، قبل أن يضع عدة عبوات داخل كيس بلاستيكي صغير. "عارف إن فيه حاجات شكلها مش مريح، وفيه حاجات التغليف بتاعها مش كامل، بس نعمل إيه؟ المرتب ما بقاش مكفي، والواحد عايز يفرح ولاده بأي حاجة"، قال أحمد.

وفي زاوية أخرى من المنفذ، كانت "ه.ش"، سيدة في الثلاثينيات من عمرها، تتفحص عبوة بيتزا مغلفة بدا تغير اللون ظاهرًا على أطرافها، فظلت تنظر إليها لثوانٍ قبل أن تعيدها إلى الثلاجة سريعًا. أخبرت "فكر تاني" أنها تعرضت سابقًا لآلام شديدة بالمعدة بعد تناول منتجات اشترتها من أحد منافذ الخصومات، ومع ذلك عادت مجددًا للشراء، مبررةً ذلك بعبارة قصيرة "الأسعار بره بقت مستحيلة".
وفي المواقع الثلاثة التي شملها الرصد، لم يكن العامل الحاسم في قرار الشراء هو شكل المنتج أو حالته أو حتى وضوح البيانات المدونة عليه، بل السعر أولًا وأخيرًا. فمع الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة، تحولت منتجات تحمل أسماء تجارية معروفة إلى سلع يصعب على كثير من الأسر شراؤها بالسعر الكامل، فيما أصبحت منافذ الخصومات فرصة للحصول على المنتجات نفسها تقريبًا بجزء من التكلفة.
مخاطر لا ترى بالعين المجردة
بعد ساعات من التنقل بين الثلاجات وحساب فارق السعر في كل عبوة، لا يتوقف القلق عند حدود اختيار المنتج المناسب، بل يمتد إلى سؤال لا يطرحه كثير من المشترين في لحظتهم تلك، هل ما يُباع هنا آمن أصلًا؟
في تلك اللحظة تحديدًا، يصبح الحكم على المنتجات أقل وضوحًا مما يبدو عليه أمام الرفوف. فبين خصومات مغرية وعبوات متشابهة في الشكل، وأخرى تبدو عليها علامات تفاوت في التخزين أو البيانات، يتراجع معيار "الثقة" لصالح معيار واحد أكثر ضغطًا القدرة على الشراء.
لكن متخصصين في التغذية وسلامة الغذاء يؤكدون أن أخطر ما في بعض المنتجات سريعة التلف قد لا يكون مرئيًا أصلًا، وأن فساد الغذاء لا يظهر دائمًا في صورة رائحة كريهة أو لون متغير كما يعتقد كثير من المستهلكين.

وتحذر الدكتورة سارة عثمان، استشارية التغذية العلاجية، من أن المنتجات التي تحتوي على اللبن أو الكريمة أو البيض تعد من أكثر الأغذية حساسية للتلوث البكتيري، مؤكدةً لـ"فكر تاني"، أن المشكلة الأساسية لا تتعلق بالمظهر الخارجي للمنتج بقدر ما ترتبط بظروف تداوله وحفظه ونقله. وتوضح أن بعض المنتجات قد تبدو طبيعية وآمنة تمامًا رغم تعرضها لفساد داخلي نتيجة سوء التخزين أو انقطاع التبريد أو التعرض لدرجات حرارة غير مناسبة خلال مراحل النقل والتداول، وأن المستهلك العادي لا يستطيع في كثير من الأحيان اكتشاف هذا النوع من التلف بمجرد النظر إلى المنتج.
وتضيف أن معايير سلامة الغذاء لا تعتمد على المظهر أو الرائحة وحدهما، بل ترتبط بسلسلة كاملة من الإجراءات تشمل درجات الحرارة المناسبة ومدة الحفظ وطريقة التداول منذ خروج المنتج من المصنع أو المخبز وحتى وصوله إلى المستهلك.
وخلال جولات الرصد، ظهرت منتجات معروضة داخل ثلاجات لا تحمل مؤشرات واضحة بشأن مدة بقائها فيها أو ظروف حفظها، كما رُصدت حالات لمنتجات فاقدة لبيانات الإنتاج والصلاحية أو غير واضحة البيانات، فضلًا عن انتقال بعض المنتجات لمسافات طويلة بين الفروع الرئيسية ومنافذ البيع المخفضة.
وتشير الدكتورة سارة إلى أن هذه التفاصيل ليست أمورًا شكلية كما قد يعتقد البعض، إذ إن تاريخ الإنتاج والانتهاء يمثل أحد أهم المؤشرات التي يعتمد عليها المستهلك لمعرفة العمر التخزيني الآمن للمنتج ومدى صلاحيته للاستهلاك.
وتصف غياب تاريخ الصلاحية أو طمسه بأنه أمر بالغ الخطورة، لأن المستهلك يفقد في هذه الحالة القدرة على تقييم المنتج بصورة صحيحة أو معرفة الفترة التي قضاها في التداول أو التخزين. وتؤكد أن بعض أنواع البكتيريا تستطيع النمو داخل المنتجات الغذائية دون أن تترك علامات يمكن ملاحظتها، وأن الخطر لا يكمن في البكتيريا وحدها، بل في السموم التي قد تنتجها في أثناء نموها، وبعض هذه السموم لا يزيلها التبريد ولا إعادة التسخين، ما يعني أن المنتج قد يظل محتفظًا بمظهره الطبيعي رغم تحوله إلى مصدر محتمل للخطر الصحي.
ولا تتوقف المخاوف الصحية عند حدود الصلاحية ووضوح البيانات فقط. فالدكتورة زينب سمير، رئيسة الجمعية المصرية لبحوث التغذية الصحية والتثقيف الصحي واستشارية التغذية بمستشفى كوبري القبة العسكري، ترى أن طريقة تداول المنتجات نفسها قد تشكل عامل خطر إضافيًا. وتوضح أن المنتجات سريعة التلف، كالجاتوهات والمعجنات والحلويات التي تدخل الألبان والكريمات في تركيبها، تحتاج إلى رقابة دقيقة للغاية، لأن أي خلل في درجات الحفظ أو التبريد قد يحولها إلى بيئة مناسبة لنمو البكتيريا.
وتشير في تصريحات لـ"فكر تاني"، إلى ما تصفه بـ"تذبذب درجات الحرارة" باعتباره أحد أكثر المشكلات المرتبطة بسلامة الأغذية سريعة التلف، وهو ما يحدث حين تتعرض المنتجات لعمليات تبريد ثم إخراج من التبريد ثم إعادة تبريد أكثر من مرة خلال مراحل النقل أو التداول أو إعادة العرض للبيع. وبحسب زينب، فإن التبريد لا يقتل البكتيريا كما يعتقد البعض، وإنما يبطئ معدل نموها فقط، فيما تسمح التغيرات المتكررة في درجات الحرارة بزيادة النشاط البكتيري بصورة أكبر. مضيفة أن بعض السموم التي تنتجها البكتيريا قد تكون أشد خطورة من البكتيريا نفسها، وأن بعضها يقاوم التبريد ودرجات الحرارة المختلفة، ما يجعل المنتج يبدو صالحًا للاستهلاك ظاهريًا رغم وجود مخاطر غير مرئية داخله.
وتلفت زينب إلى أن كثيرًا من المنتجات المصنعة تحتوي على مستحلبات ومواد حافظة ومثبتات للون والقوام تساعدها على الاحتفاظ بشكل مقبول لفترات طويلة، وهو ما قد يمنح المستهلك شعورًا زائفًا بالأمان. وتوضح أن بقاء المنتج محتفظًا بشكله أو رائحته لا يعني بالضرورة أنه ما يزال آمنًا للاستهلاك، لأن بعض التغيرات الميكروبيولوجية لا يمكن اكتشافها بالحواس البشرية. وتوضح أن خطورة هذه المنتجات لا تظهر دائمًا في صورة تسمم غذائي حاد ومباشر، بل قد تبدأ بأعراض متفرقة كالانتفاخ وآلام المعدة والغثيان واضطرابات الهضم، وهي أعراض قد لا يربطها المستهلك بالطعام الذي تناوله قبل ساعات أو حتى قبل يوم كامل، إذ قد تتأخر في الظهور بين 12 و72 ساعة، وهو ما يجعل كثيرين يفسرونها باعتبارها نزلة معوية عابرة أو إرهاقًا مؤقتًا.
وبحسب زينب، فإن الاستهلاك المتكرر لمنتجات غير آمنة قد يؤدي إلى ما يُعرف بالتحميل البكتيري التراكمي، نتيجة دخول كميات متزايدة من البكتيريا الضارة إلى الجهاز الهضمي على فترات متقاربة. وتوضح أن هذه الحالة قد تؤدي إلى اختلال التوازن الطبيعي للبكتيريا النافعة داخل الأمعاء، مما يتيح للبكتيريا الضارة الاستشراء وظهور التهابات واضطرابات هضمية مزمنة يصعب أحيانًا تحديد أسبابها بشكل مباشر. ولا تستبعد استشارية التغذية أن تتطور بعض هذه الاضطرابات مع الوقت إلى مشكلات صحية أكثر تعقيدًا لدى الفئات الأكثر عرضة للخطر، وفي مقدمتها الأطفال وكبار السن والحوامل ومرضى ضعف المناعة، إذ قد تتحول المضاعفات لديهم إلى ما هو أشد من مجرد أعراض مؤقتة، وتستلزم تدخلًا طبيًا وعلاجًا لفترات طويلة.

ولا تقتصر المخاوف المرتبطة ببيع المنتجات المخفضة على مصر وحدها، إذ تناولت دراسات دولية هذه الظاهرة بوصفها إحدى القضايا المتزايدة الارتباط بالأمن الغذائي. ففي دراسة أجراها باحثون في البرتغال على منتجات غذائية عُرضت للبيع في يوم انتهاء صلاحيتها داخل متاجر التجزئة، جرى فحص أكثر من 90 عينة غذائية لقياس جودتها الميكروبيولوجية ومدى مطابقتها لمعايير السلامة، فكشفت عن وجود أنواع من البكتيريا، وأشارت إلى أهمية الرقابة الدقيقة على ظروف الحفظ والتداول، خاصة بالنسبة للمنتجات سريعة التلف التي تعتمد سلامتها على الالتزام الصارم بدرجات الحرارة وفترات التخزين المقررة. وعلى المنوال ذاته، كشفت دراسة صينية حديثة تناولت سلوك المستهلكين تجاه المنتجات القريبة من انتهاء الصلاحية أن العامل الاقتصادي يلعب دورًا حاسمًا في قرارات الشراء، خاصة لدى الفئات الأقل دخلًا، إذ خلص الباحثون إلى أن كثيرًا من المستهلكين يُقبلون على شراء المنتجات المخفضة رغم وجود مخاوف تتعلق بالجودة أو السلامة، مدفوعين بالرغبة في خفض النفقات ومواجهة الضغوط الاقتصادية المتزايدة، مما يجعل السعر في كثير من الأحيان عاملًا يتفوق على اعتبارات أخرى مرتبطة بجودة المنتج أو عمره التخزيني.
القانون بين الغش وتشابك المسؤولية
إذا كانت المنتجات مجهولة البيانات أو التي يُتلاعب ببياناتها تنطوي على كل هذه المخاطر الصحية المحتملة، فكيف ينظر القانون إلى تداولها؟ وهل يعد تغيير تاريخ الصلاحية أو طمس بيانات المنتج مجرد مخالفة إدارية عادية، أم جريمة يمكن أن تصل عقوبتها إلى الحبس والغرامة وإغلاق المنشآت المخالفة؟
قانونيًا، لا يعد التلاعب ببيانات المنتجات مخالفة بسيطة. المحامي أسعد هيكل يقول لـ"فكر تاني"، إن حماية المستهلك في مصر تحكمها عدة تشريعات متداخلة، أبرزها قانون حماية المستهلك إلى جانب قوانين سلامة الغذاء، وأن التلاعب في بيانات المنتجات بما في ذلك تاريخ الإنتاج أو الصلاحية يدخل ضمن جرائم الغش التجاري وفقًا للقانون رقم 48 لسنة 1941، الذي يُجرّم طرح سلع مغشوشة أو فاسدة أو عُبث ببياناتها، وقد تصل العقوبات إلى الحبس والغرامة ومصادرة المنتجات، وقد تمتد إلى غلق المنشأة في بعض الحالات.
ولا يتوقف الأمر عند حدود الغش التجاري وحده، إذ يوضح هيكل أن الإطار القانوني قد يتغير تمامًا إذا ترتب على هذه الممارسات ضرر مباشر على صحة المستهلك، حيث يمكن أن يتحول الفعل إلى جناية تعريض حياة المواطنين للخطر، خاصة في حالات الإصابة أو الوفاة.
وفي السياق نفسه، يشير المحامي ياسر سعد إلى أن ملف تداول المنتجات الغذائية مجهولة البيانات لا يخضع لقانون واحد فقط، بل تحكمه منظومة قانونية معقدة تشمل قانون قمع الغش والتدليس وقانون حماية المستهلك وقانون سلامة الغذاء، إضافة إلى قرارات وزارة الصحة والهيئة القومية لسلامة الغذاء. ويضيف أن هذه التشابكات القانونية تخلق حالة من تداخل المسؤوليات بين مختلف الأطراف داخل سلسلة التوريد، بدءًا من المورد أو المستورد، مرورًا بتاجر الجملة، وصولًا إلى منافذ البيع النهائية، وهو ما يجعل تحديد المسؤولية الجنائية بشكل مباشر أمرًا أكثر تعقيدًا في بعض القضايا.
ويشير سعد إلى أن الدفاع في مثل هذه القضايا غالبًا ما يستند إلى تفسيرات بديلة، كالادعاء بأن تلف البيانات أو طمس تاريخ الصلاحية حدث نتيجة ظروف تخزين أو نقل أو رطوبة لا نتيجة فعل متعمد. ورغم ذلك، يؤكد أن العقوبات في مثل هذه الوقائع غالبًا ما تبدأ بالغرامات، لكنها قد تتصاعد إلى الحبس والمصادرة والغلق الإداري في حال ثبوت الضرر أو تكرار المخالفة أو وجود نية واضحة للغش.
وبين النص القانوني والتطبيق الفعلي على الأرض، يبقى السؤال مفتوحًا حول مدى كفاية الرقابة الحالية على منافذ بيع المنتجات المخفضة أو ما يُعرف بـ"منافذ البواقي"، خاصة في ظل توسعها وانتشارها في أكثر من منطقة داخل القاهرة الكبرى. وخلال إعداد هذا التحقيق، جرى التواصل مع جهاز حماية المستهلك للاستفسار عن آليات الرقابة على هذا النوع من المنافذ وعن حالات طمس أو تغيير بيانات الصلاحية، لكننا لم نتلقَّ رد حتى لحظة النشر.
وفي الوقت الذي تتعدد فيه التفسيرات القانونية وتتشابك المسؤوليات بين أكثر من جهة، تظل الصورة على الأرض أكثر بساطة من كل ذلك، منافذ ممتدة، ومنتجات مخفضة، وطلب متزايد من مستهلكين لا يقيسون دائمًا المخاطر بقدر ما يقيسون القدرة على الدفع.