علبة "كومتركس" وكيس مكرونة "عَ النوتة".. هكذا تُدير الأسر المصرية حياتها لتجاوز الشهر

في مشاهد متكررة من السينما كانت "النوتة" تطل كدفتر صغير لدى البقال أو الصيدلي، يُكتب فيه اسم زبون يردد بصوت مألوف "اكتبها عليّا لحد ما الفلوس تيجي"، غير أن ما بدا طويلًا صورة درامية عن الفقر أو الحاجة المؤقتة، لم يعد مجرد مشهد سينمائي، وتحول إلى ممارسة يومية متسعة داخل الواقع، تعكس نمطًا مختلفًا في إدارة الحياة الشهرية.

قبل نهاية الشهر بأيام، تكون دفاتر البقالة والصيدليات قد امتلأت بأسماء جديدة، بينما يشرع أصحابها في حساب ما تبقى من الراتب الذي لم يصل بعد، في دورة صارت تنتظم بصورة نمطية في حياة آلاف الأسر، بين دخل محدود واحتياجات لا تتوقف، وبين ما يمكن شراؤه الآن وما يُرحَّل إلى "النوتة". ورغم أن هذه الظاهرة ارتبطت لعقود بالفقر أو الأزمات الطارئة، فإن شهادات مواطنين وتجار تشير إلى أنها باتت أكثر اتساعًا، وتشمل شرائح مختلفة من المجتمع، في ظل ارتفاع الأسعار واتساع الفجوة بين الدخول وتكاليف المعيشة.

الدواء على النوتة

داخل صيدلية يديرها محمد حبيش، في قرية الراهبين بمحافظة الغربية، تتكرر مشاهد حساب النوتة يوميًا، يقول حبيش لـ"فكر تاني"، إنها لم تعد حالة فردية، وإنما أصبحت نمطًا متزايدًا خاصة بين مرضى الأمراض المزمنة، مضيفًا أن بعض المرضى لم يعودوا قادرين على شراء العلاج كاملًا، فيلجؤون إلى صرفه على دفعات أو تأجيله "فيه ناس بتاخد العلاج يومين وتستنى لما الفلوس تيجي تكمل"، مؤكدًا أن ذلك قد يفضي أحيانًا إلى تقليل الجرعات أو اللجوء إلى بدائل أقل تكلفة.

ويؤكد عادل محمد، صاحب محل بقالة في القاهرة، الأمر ذاته، إذ يرى أن البيع بالدين أصبح جزءًا أساسيًا من حركة السوق اليومية، وأن جزءًا كبيرًا من رأس المال بات "معلقًا في الدفاتر" بينما تظل التكاليف التشغيلية ثابتة، يقول لـ"فكر تاني"، إحنا بنشتري ونبيع ونستنى الفلوس.. بس الفلوس بقت بتيجي متأخرة"، مشيرًا إلى أن ارتفاع الأسعار زاد من الاعتماد على "النوتة" وسيلةً لتسيير الحياة.

الراتب ونهاية الشهر

"أول ما المرتب بينزل بنسدد الديون.. وبعدها نرجع نستدين من جديد"، هكذا تُلخص سحر، وهي أم لثلاثة أبناء، دورة الشهر مع "النوتة" لأسرتها التي تعتمد على دخل زوجها العامل في مصنع. تقول لـ"فكر تاني"، إن الوضع تغير خلال السنوات الأخيرة، وإن الاعتماد على الدفاتر لم يعد استثناءً "المرتبات بتروح للبقال والصيدلية.. وبعد كام يوم بنرجع نكتب تاني"، موضحة أن أبناءها في مراحل تعليمية تمتد من الإعدادي إلى الثانوي، وأن المصاريف زادت في حين بقيت المرتبات على حالها، فغدت أغلب احتياجاتهم الأساسية تُؤخذ بالدين، من غذاء ومنظفات ودواء "بقينا ناخد الحاجة ونقول لما المرتب ينزل نبقى نحاسب.. حتى الدواء بقى كده"، وتختم بجملة تكثف المشهد كله، قائلة "إحنا بقينا عايشين عشان نعدّي الشهر بس".

وتروي أم شهاب، وهي أرملة، كيف أصبحت دفاتر الديون جزءًا ثابتًا من حياتها اليومية بعد وفاة زوجها. تقول لـ"فكر تاني"، إن دخلها لم يعد يكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، ما دفعها إلى الاعتماد المتواصل على الشراء بالدين "أصعب حاجة مش الدين.. أصعب حاجة لما ابني يطلب حاجة ومقدرش أوفرها في وقتها"، وتضيف أن أيامًا كثيرة تمر تشتري فيها كيس مكرونة على النوتة يكون غداء وعشاء لهما معًا. مبينة أن جزءًا كبيرًا من دخلها يذهب لسداد التزامات الشهر السابق، لتبدأ بعدها دورة جديدة من الاستدانة لا تنتهي، في ظل ارتفاع مستمر لأسعار كل السلع.

وتعكس الأرقام الرسمية هذا الواقع المعاش، إذ تشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى أن معدل التضخم السنوي لإجمالي الجمهورية سجل 13.4% في أبريل 2026. وقد سجلت مجموعة السكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود زيادة بنسبة 30%، بينما ارتفعت خدمات النقل والمواصلات بنسبة 24.5%، والغذاء والمشروبات بنسبة 6.9%، فضلًا عن زيادات ملحوظة في أسعار الدواء، وهي أرقام تعكس مجتمعة اتساع فجوة حقيقية بين الدخل وتكلفة الحياة اليومية، ما يجعل الاستدانة أو الشراء بالأجل خيارًا شبه يومي لدى شرائح واسعة من الأسر.

حدود النوتة.. الثقة لها سقف

بيد أن هذه "الثقة اليومية" ليست مطلقة كما تبدو، إذ توجد داخل كل محل قواعد غير مكتوبة تتحكم في حجم الدين ومدته، وتتفاوت من شخص إلى آخر وفق تاريخ التعامل والقدرة المتوقعة على السداد.

ويضطر تجار الجملة في بعض الأحيان إلى وقف التعامل بالدين مع بعض البقالين حين تتجاوز المديونية حدًا معينًا أو تتكرر عمليات التأجيل دون سداد، وهو ما كشفه خمسة تجار تحدثوا عن تأثرهم بنظام النوتة، ومع ذلك، يظل الامتناع الكامل عنها خيارًا عسيرًا على البقالين، لأن جزءًا من زبائنهم يعتمد عليها بشكل شبه كامل لتدبير احتياجاته الشهرية، ما يضع التاجر نفسه في معادلة ضغط مزدوجة، بين الحفاظ على الزبائن من جهة وضمان استمرارية نشاطه من جهة أخرى.

بهذا الشكل، تتحول "النوتة" من مجرد دفتر ديون بسيط إلى نظام حساس يقوم على توازن هش بين الحاجة والقدرة، لا ينهار بسهولة وإن كان لا يعمل بلا مخاطر، ولا تقتصر آثاره على طرفي البيع والشراء، إذ تتراكم الضغوط عبر كل حلقات السوق، فالمستهلك يشتري بالدين، والتاجر ينتظر السداد، والمورد يطلب الدفع نقدًا، لتتحول العلاقة الاقتصادية في نهاية المطاف إلى دورة تعتمد على تأجيل الدفع أكثر من توافر السيولة.

وترى الدكتورة هدى زكريا، أستاذة علم الاجتماع السياسي بجامعة الزقازيق، أن "النوتة" امتداد لأنماط قديمة من التكافل الاجتماعي داخل المجتمع المصري. وتوضح أن المجتمع عرف تاريخيًا صورًا من التعاون غير الرسمي، كالجمعيات الدورية وتبادل المنافع بين الجيران، وهي آليات ساعدت الأسر على مواجهة الأعباء المعيشية. وتُضيف في تصريحات لـ"فكر تاني"، أن "النوتة" تمثل شكلًا من أشكال الاقتصاد غير الرسمي القائم على الثقة، حيث لا تقوم العلاقة على عقود أو فوائد، بل على المعرفة الشخصية وشبكات الجيرة، مشيرة إلى أن استمرار هذا النمط يعكس قدرًا من التماسك الاجتماعي، لكنه في الوقت ذاته مؤشر على ضغط اقتصادي متزايد، لافتة إلى أن صاحب المحل لا يمنح الدين بدافع إنساني فقط، بل للحفاظ على زبائنه واستمرار نشاطه، وتخلص إلى أن هذه الممارسات ليست حكرًا على مصر، إذ تظهر في مجتمعات أخرى بأشكال مختلفة من الائتمان غير الرسمي، وتندرج ضمن ما يمكن تسميته بـ"الاقتصاد الاجتماعي" الذي ينشأ حين تتسع الفجوة بين الدخل واحتياجات الحياة.

ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور رشاد عبده أن الضغوط المعيشية التي تواجهها الأسر ترتبط بالارتفاع المستمر في الأسعار ومعدلات التضخم، مشيرًا إلى أن أي زيادات في الدخول قد لا تنعكس على مستوى المعيشة بالقدر المتوقع إذا استمرت الأسعار في الارتفاع، وهو ما يضع الأسر أمام تحديات متزايدة في تدبير احتياجاتها الأساسية.

ويقول، في تصريحات إلى "فكر تاني"، أن ارتفاع الأسعار يمثل التحدي الأكبر أمام الأسر المصرية، إذ يتراجع أثر أي زيادة في الأجور مع استمرار الضغوط التضخمية، وهو ما ينعكس مباشرة على القدرة الشرائية للمواطنين.

وتلك الضغوط لا تبقى في عالم الأرقام طويلًا، فسرعان ما تجد طريقها إلى البقالة والصيدلية، وإلى دفاتر صغيرة يحفظها أصحاب المحلات خلف الكاونتر، لا يسجل كل سطر فيها دينًا فحسب، بل يعكس محاولة يومية لعبور شهر يزداد تكلفة يومًا بعد آخر، وفي اقتصاد لا يظهر في الإحصاءات الرسمية، تصبح "النوتة" مرآة دقيقة للفجوة الحقيقية بين الدخل والحياة.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة