يوميات صحفية برلمانية| موازنة عدم الرضا ونواب "كي جي تو"

"لما كل دول مش عاجبهم وكل دول بينتقدوا مين بيوافق في الآخر؟" باغتتني صديقتي التي بدأت تتابع عمل البرلمان بسؤالها، مندهشة من كم ونوعية الانتقادات التي يوجهها النواب للحكومة في الجلسات العامة، ومع ذلك تنتهي مشروعات القوانين دائمًا إلى الموافقة.

كانت مناقشات مشروع الموازنة العامة للدولة للعام المالي الجديد 2026/2027، التي استغرق فيها مجلس النواب ثلاث جلسات، كاشفة لهذا الأداء، إذ جاءت الانتقادات الحادة للحكومة وخططها والموازنات المتوقعة من جميع التيارات الممثلة في مجلس النواب، ومع ذلك انتهى الأمر بالموافقة على مشروع الموازنة.

إنها الأغلبية الميكانيكية يا عزيزتي، التي تعيدنا للمشهد الانتخابي وهندسة الانتخابات من خلال اعتماد قائمة انتخابية واحدة شارك فيها 12 حزب ومعهم تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين. ضمنت القائمة المطلقة المغلقة وضعًا مريحًا للحكومة بأكثرية حزب مستقبل وطن وبجانبه أحزاب الموالاة الرئيسية الجبهة الوطنية وحماة الوطن والشعب الجمهوري، إذ بلغ عدد نواب حزب مستقبل وطن 231 نائبًا، بينما عدد النواب المنتمين إلى حزب حماة الوطن 91 عضوًا، فيما بلغ نواب حزب الجبهة الوطنية 70 نائبًا، أما حزب الشعب الجمهوري فحصل على 24 مقعدًا.

لم تقتصر الهندسة الانتخابية على القوائم المطلقة المغلقة فقط، بل امتدت إلى المقاعد الفردي باتفاقات وتفاهمات لصالح الموالاة وبضع مقاعد محدودة للمعارضة، ومنهم من استطاع انتزاع المقاعد بعد تدخل الرئيس وإبطال وإعادة الانتخابات في عدة دوائر مرة بقرار من الهيئة الوطنية للانتخابات ومرة بأحكام قضائية.

معارضة من قلب الأغلبية.. النقد المباح

لا تمنع الأغلبية الميكانيكية النواب من توجيه انتقادات للحكومة في حدود المسموح، فيرسم لنا الأداء في مجلس النواب منظومة للنقد المباح من جانب صفوف الموالاة، على ألا يمس هذا النقد القرار النهائي بتمرير مشروعات القوانين أو الحسابات الختامية أو القروض، أو كما شاهدنا في آخر ثلاث جلسات لمناقشة الموازنة العامة.

في اليوم الأول لمناقشة مشروع الموازنة، وضع رئيس الهيئة البرلمانية لحزب مستقبل وطن، أحمد عبد الجواد الخط الرئيسي للحزب، وأعلن الموافقة على الموازنة، وقال في كلمته بالجلسة إن "مناقشتنا لكافة الملفات تتم في ظل ظروف استثنائية وتحديات إقليمية ودولية غير مسبوقة". تحدث عبد الجواد عن ما وصفه بـسهولة "مغازلة مشاعر المواطنين بالشعارات والعبارات الرنانة لكسب ودهم دون عرض الحقائق كاملة، كما أنه من السهل أيضًا الاكتفاء بسرد أرقام جامدة من دفاتر الدولة لإرضاء الحكومة، لكننا في حزب مستقبل وطن لا نبحث عن الأسهل، بل نبحث عن الأصدق".

يتحدث عن سهولة النقد دون تقديم رؤى أو بدائل حقيقية، بينما دافع عن تحقيق الهدف الاستراتيجي لخطة الدولة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية "بناء الإنسان المصري"، وسرد أرقام الحكومة لتحقيق هذا الهدف "زيادة الاستثمارات بنسبة 30%، واستمرار الدولة في أداء دورها الاجتماعي، ودعم القطاع الخاص، وخفض معدلات البطالة، واستمرار برامج الحماية الاجتماعية وعلى رأسها تكافل وكرامة، إلى جانب العمل على خفض الدين الخارجي"، ثم اكتفى بعبارة واحدة للحكومة "القيمة الحقيقية للخطة والموازنة لا تكمن في الأرقام وحدها، وإنما في ترجمتها إلى حقائق ملموسة ومشروعات يشعر بها المواطن، وخدمات أفضل في قطاعات الصحة والتعليم وغيرها".

الطريق نفسه سار عليه رئيس الهيئة البرلمانية لحزب حماة الوطن، أحمد العطيفي، فبعد الموافقة والحديث عن الظروف الدولية والإقليمية المؤثرة على الوضع الاقتصادي في مصر، توقف أمام وجود تحديات لتنفيذ هذه الموازنة ذاتها، وتحويل مستهدفاتها إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن من خلال تحسين الخدمات، وتوفير فرص العمل، ورفع مستوى المعيشة.

ومن منطلق التحديات التي تواجه الوطن، أعلن رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الشعب الجمهوري تأييده "المسؤول" في هذه اللحظات الفارقة لمشروع الموازنة، ثم وجه توصيات للحكومة لرفع الكفاءة وتعزيز الاستثمار ودعم الإنتاج وخفض التضخم.

وفي إطار النقد المباح، قال النائب حسام المندوه، عضو مجلس النواب عن حزب مستقبل وطن "كنت أتمنى أن يكون هناك تدخل لصالح المعلمين"، مشيرا إلى أوضاع المعلمين المادية التي تتطلب إعادة نظر، وأضاف "المواطن أصبح لا يشعر بالأرقام في الموازنة، لاسيما في ظل مشكلات متواصلة على سبيل المثال في القمامة، أو صعوبات توفير العناية المركزة، أو النقل من مدرسة إلى أخرى".

فيما طرح النائب أحمد عصام، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب المؤتمر عدة أرقام صادمة أمام الجلسة العامة موضحًا أن الموازنة تعتمد على "اقتراض بقيمة 4.01 تريليون جنيه، بزيادة 12.2% عن العام السابق، في حين لا تتجاوز الاستثمارات العامة 554 مليار جنيه".

وأشار إلى أن فوائد الدين تستحوذ على نحو 2.42 تريليون جنيه، بما يمثل 46.3% من إجمالي المصروفات، وهو ما يحد من قدرة الدولة على توجيه موارد أكبر إلى قطاعات التعليم والصحة والحماية الاجتماعية والاستثمار، موضحًا أن فوائد الدين العام تبلغ نحو 2.419 تريليون جنيه، بينما تبلغ مخصصات الاستثمار والأجور والدعم مجتمعة نحو 2.551 تريليون جنيه، لكن في نهاية الكلمة، أعلن عصام موافقة الهيئة البرلمانية للحزب على مشروع الموازنة العامة.

النسب الدستورية.. مخالفات لنسب التعليم والصحة

تنص المادة 18 من الدستور المصري على أن "تلتزم الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومى للصحة لا تقل عن 3% من الناتج القومى الإجمالي تتصاعد تدريجيًا حتى تتفق مع المعدلات العالمية"، فيما تنص المادة 19 على تخصيص نسبة من الإنفاق الحكومى للتعليم لا تقل عن 4% من الناتج القومى الإجمالى، تتصاعد تدريجيًا حتى تتفق مع المعدلات العالمية.

ومع وضوح النص الدستوري وجوبيته، ندخل سنويًا في جدل حكومي نيابي حقوقي بشأن الالتزام بالنسب الدستورية، فتجادل الحكومة وتدعي سنويًا تطبيق هذه المعدلات، بينما يجادلها النواب، ويدحض ادعائها تقارير حقوقية، بل ذهب الأمر إلى أبعد منذ ذلك عندما أقر الرئيس نفسه في حديث سابق بعدم استيفاء الحكومة للاستحقاقات الدستورية.

وبحسب ورقة تحليلية للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية بعنوان "موازنة 2026 - 2027: تسوية الدفاتر لا تكفي" تتعارض تأكيدات الحكومة على استيفاء الاستحقاقات الدستورية للصحة والتعليم مع الأرقام الرسمية الواردة في وثيقة الموازنة. ولفتت الورقة إلى شرح وزير المالية في العام الماضي لاتجاهات موازنة 2026/2025 أمام البرلمان توضيحًا لهذا التناقض، بأن الفارق بين المبالغ المخصصة للإنفاق على البندين وبين النسبة الدستورية، يُستكمل بشكل رئيسي من توزيع أنصبة من فوائد الديون الحكومية على كل بند من بنود الإنفاق، بحيث تتحمل موازنة التعليم نصيبًا من فوائد الديون وتتحمل موازنة الصحة نصيبًا آخر يتناسب مع حجم مخصصاتها.

بذلك تتحمل قطاعات الصحة والتعليم نسبة من فوائد الديون التي لا علاقة بها بهذه القطاعات، إذ تذهب عادة القروض لمشروعات النقل مثل المونوريل والقطار الكهربائي وغيرها من القطاعات التي تبتعد كليًا أولويات الصحة والتعليم، للدرجة التي جعلت النائبة إيرين سعيد، رئيسة الهيئة البرلمانية لحزب الإصلاح والتنمية للسخرية من هذه المفارقة، إذ حضر وزير النقل كامل الوزير لمناقشة قرض جديد لتمويل القطار الكهرباء في ذات الجلسة التي يناقش فيها المجلس مشروع الموازنة، فاعترضت النائبة على القرض وفي الوقت نفسه رفضت الموازنة ودعت ساخرة لضم وزارة التربية والتعليم لكامل الوزير وتوجيه القروض لها، أملًا في قروض يكون لها مردود حقيقي في بناء المدارس والرقي بالتعليم.

الملفت أن انتقاد عدم استيفاء النسب الدستورية امتد هذه المرة إلى نواب الموالاة أنفسهم، ولم يقتصر على نواب المعارضة فقط، فقال أمين حزب مستقبل وطن في البحيرة، النائب محمد عبد الله زين "حتى الآن نتوقف عند نسب أقل من المقررة في الدستور، وهو السبب الرئيسي في عدم شعور المواطن بتحسن حقيقي سواء في الصحة أو التعليم".

مواجهات مع الأرقام.. موازنة دعم الأغنياء

خلال المناقشات وضعنا عدد من نواب المعارضة في مواجهات مع بعض الأرقام الصادمة، إذ قارن قال النائب أحمد بلال البرلسي، عضو المجلس عن حزب التجمع بين رقمين "178 مليارًا المخصَّصة لدعم العيش والسلع التموينية، والذي ترى الحكومة أنها سبب أزمتنا الاقتصادية وأكبر عبء على الموازنة العامة، في حين أن 2420 مليارًا مخصَصة لسداد فوائد الدين، وهي تساوي نصف مصروفات الدولة المصرية وتساوي 14 ضعف دعم السلع ورغيف العيش، وهذا تراه الحكومة مؤشرًا على الإصلاح الاقتصادي وثقة "الخواجة" في اقتصادنا الوطني".

واستكمل البرلسي "الحكومة التي ترى دعم الغلابة إهدارًا للمال العام، هي نفسها التي تسمي الدعم الموجه للأثرياء بأسماء "شيك"؛ مثل حوافز الاستثمار والإعفاءات الضريبية".

أما النائب إسلام قرطام عضو المجلس عن حزب المحافظين، أعلن رفض الموازنة وتوقف أمام رقمين "كيف يمكن أن أقبل موازنة تدفع ٢.٤ تريليون فوائد قروض، مقابل ٢٩ مليار جنيه فقط لشراء الأدوية لـ ١٢٠ مليون مواطن مصري؟".

نواب كي جي تو

لم تخل مناقشات الموازنة العامة من مواقف وطرائف مع بعض النواب المستجدين في العمل البرلماني، كان أبرزها تكرار تصحيح النواب لأسمائهم الذي يناديه رئيس المجلس والمطالبة بنداء الاسم الثنائي وعدم تجاهل اسم الأب.

كانت البداية مع الجلسة الأولى لمناقشة الموازنة، عندما منح رئيس المجلس، المستشار هشام بدوي الكلمة للنائبة دينا سيف، فعلقت النائبة عن حزب مستقبل وطن "أحب بس أؤكد على سيادتك إن اسمي دنيا هاني سيف وأحب يتنده اسمي دنيا هاني سيف".

ولم يتوقف الأمر عند النائبة التي حصلت على مقعدها من خلال القائمة ممثلة عن حزب مستقبل وطن، وامتد في الجلسة الختامية لمناقشة لمناقشة الموازنة العامة إلى النائب أسامة حمزة الذي علق على اسمه وقال "اسمي أسامة عبد الشكور حمزة"، فعقب رئيس المجلس "الكشف أمامي لا توجد به أسماء ثلاثية"، فقال النائب عن المستقل عن مركز ملوي "أسامة عبد الشكور حمزة"، ثم بدأ النائب في القراءة من "كشكول" وتحدث عن الموازنة قائلًا "ونحن نناقش الموازنة العام للدولة وخطة الحكومة للعام المالي الجديد، لابد أن نتذكر مسؤوليتنا تجاه المواطن البسيط الكادح الذي يعاني من سوء المعيشة بسبب ما يراه يوميًا من ارتفاع أسعار، وسوء الخدمات وتحمله الأعباء الكبيرة التي تفرضها الحكومة عليه".

وتعثر حمزة عدة مرات في القراءة، ثم أعاد تصحيح الكلمات التي أخطًا في قراءتها، وأنهى كلمته متحدثًا عن مشكلات الوحدات الصحية في ملوي، ومطالبًا بالاستفادة من حملة الماجستير والدكتوراه في قطاع التعليم، ودعا لإعادة تأهيل البنية التحتية من شوارع وكباري في ملوي، لكن لم يبد موافقة أو رفض على الموازنة بشكل واضح.

تنتهي الجلسات الثلاث بموافقة الأغلبية الميكانية على موازنة 2026/2027، ومعها قرض جديد لتمويل القطار الكهربائي قيمة إجمالية تبلغ نحو 3.9 مليارات يورو، لينضم لقائمة القروض والفوائد المتراكمة التي تزداد أعبائها بينما لا نجد حتى الآن خارطة للنجاة من دواماتها.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة