"تيار الاستقلال" يواجه "تيار المصايف".. من يربح انتخابات نادي القضاة؟

قبل أيام من إجراء انتخابات نادي القضاة المقررة في 26 يونيو الجاري، لا تبدو المنافسة مجرد سباق اعتيادي على المناصب، وإنما تعكس في جوهرها نقاشًا عميقًا عن الدور الذي ينبغي أن يؤديه النادي في السنوات المقبلة، وما إذا كان سيواصل تقاليده التاريخية المرتبطة بالدفاع عن استقلال القضاء والانخراط في القضايا المهنية الكبرى، أم سيمنح أولوية أكبر للملفات الخدمية والاجتماعية التي تمس الحياة اليومية للقضاة وأسرهم.

وبحسب أربعة مصادر قضائية تحدثت إلى "فكر تاني"، فإن الانتخابات الحالية تشهد تبلور اتجاهين رئيسيين داخل الوسط القضائي، يتجسد الأول في حملة المستشار محمد رفعت جبر، التي ترفع شعار الحفاظ على استقلال القضاء وصون الدور التاريخي للنادي، فيما يتجسد الثاني في حملة المستشار ربيع قاسم التي تركز بصورة أساسية على تطوير الخدمات والمزايا الاجتماعية والرعاية المقدمة لأعضاء النادي. وترى المصادر ذاتها أن هذا التباين في الخطاب الانتخابي أعاد إلى الواجهة نقاشًا قديمًا داخل الأوساط القضائية يتعلق بهوية نادي القضاة، وحدود دوره، وطبيعة المهام التي يجب أن يتصدرها خلال المرحلة المقبلة.

وتشهد المعركة الانتخابية صراعًا على مقعد الرئاسة بين ثلاثة قضاة، في مقدمتهم ربيع قاسم ومحمد رفعت جبر، إلى جانب المستشار محمد الذهبي، في حين يتوزع بقية المرشحين بواقع 6 على مقعد المستشارين المتقاعدين، و26 على مقاعد المستشارين، و17 على مقاعد رؤساء المحاكم والقضاة، و14 على مقاعد النيابة العامة. وتضم مقاعد النادي الإجمالية مقعد الرئيس، ومقعدًا للمتقاعدين، و5 مقاعد لأعضاء النيابة العامة، و5 للمستشارين، وخمسة للقضاة ورؤساء المحاكم الابتدائية.

تاريخ الدفاع عن الاستقلال

لفهم طبيعة النقاش الدائر حاليًا، لا بد من العودة إلى الخلفية التاريخية لنادي القضاة الذي لم يكن طوال عقود مجرد مؤسسة اجتماعية أو خدمية، وإنما لعب أدوارًا مؤثرة في عدد من المحطات السياسية والقانونية الكبرى التي شهدتها مصر. فمنذ تأسيسه، ارتبط اسم النادي بمطالب ترسيخ استقلال السلطة القضائية والدفاع عن ضمانات القضاة والحفاظ على مبدأ الفصل بين السلطات. وفي مراحل مختلفة من تاريخ الدولة المصرية، كان النادي ساحة للنقاشات القانونية والدستورية الكبرى، ومنبرًا للتعبير عن رؤى القضاة تجاه التشريعات والسياسات المرتبطة بمنظومة العدالة.

وقد شهدت عقود سابقة مواقف بارزة له في ملفات تتعلق باستقلال القضاء وإدارة العملية الانتخابية وضرورة الإشراف الكامل على الانتخابات البرلمانية والرئاسية، والعلاقة بين السلطات المختلفة، وهو ما جعل اسمه يرتبط في الوعي القضائي العام بدور يتجاوز حدود تقديم الخدمات التقليدية للأعضاء.

هذا الإرث التاريخي لا يزال حاضرًا بقوة في أذهان قطاع واسع من القضاة، بحسب المصادر، وهو ما يفسر جانبًا من الزخم الذي تشهده الانتخابات الحالية.

وتبرز حملة المستشار محمد رفعت جبر باعتبارها الأكثر تركيزًا على البعد المهني والمؤسسي للنادي، إذ يطرح جبر، الذي أطلق عليه القضاة "مرشح الاستقلال"، خلال لقاءاته الانتخابية رؤية للحفاظ على الدور التاريخي للنادي باعتباره ممثلًا معنويًا للقضاة، ومنبرًا يعبر عن اهتماماتهم المهنية وقضاياهم المؤسسية، إلى جانب استمراره في أداء أدواره الاجتماعية والخدمية.

وتؤكد المصادر أن جبر يشدد خلال جولاته على أن تحسين الخدمات يظل هدفًا مشروعًا ومطلوبًا، غير أنه لا ينبغي أن يكون الدور الوحيد للنادي، أو أن يأتي على حساب الملفات المرتبطة باستقلال القضاء وحقوق القضاة المهنية. وقد وجد خطاب جبر صدى واسعًا داخل أوساط القضاة الذين يرون أن المرحلة الحالية تتطلب حضورًا أكبر للملفات المهنية على أجندة النادي، لا سيما بعد أزمة تعيينات الهيئات القضائية وتدريب القضاة في الأكاديمية العسكرية، فضلًا عن أزمة ضعف رواتب القضاة التي برزت على برامج المرشحين.

في المقابل، يواصل المستشار ربيع قاسم تقديم برنامج انتخابي يركز بصورة أكبر على الملفات الخدمية والاجتماعية، إذ تتناول جولاته الانتخابية بشكل أساسي تطوير المنظومة الطبية وتحسين التعاقدات العلاجية، والتوسع في الخدمات الاجتماعية والمصايف والاستراحات.

وشهدت لقاءاته كذلك، بحسب المصادر، مناقشات حول بعض المطالب المتعلقة بأبناء القضاة، فضلًا عن أفكار تتعلق بمراجعة بعض الاشتراطات الخاصة بالدورات التدريبية المطلوبة للترقي داخل بعض الجهات والهيئات القضائية. وقد دفع هذا التركيز بعض القضاة إلى وصف قاسم داخل النقاشات الانتخابية بأنه "مرشح الخدمات" أو "مرشح المصايف"، في إشارة إلى هيمنة الملفات الخدمية على خطابه الانتخابي مقارنة بالقضايا المهنية والمؤسسية. ومع ذلك، تؤكد المصادر أن هذا الوصف لا يعكس بالضرورة موقفًا سلبيًا من برنامجه، إذ يرى مؤيدوه أن تحسين جودة الخدمات والرعاية الاجتماعية يمثل مطلبًا حقيقيًا وملحًا لقطاعات واسعة من القضاة.

سؤال الهوية يعود إلى الواجهة

وبحسب المصادر، فإن جوهر النقاش الانتخابي الحالي لا يتعلق بالمفاضلة بين الخدمات والاستقلال باعتبارهما خيارين متناقضين، وإنما يتعلق بترتيب الأولويات وحدود الدور الذي ينبغي أن يؤديه النادي.

ويقول المستشار محمد ناجي دربالة، نائب رئيس محكمة النقض الأسبق وأحد أبرز رموز تيار استقلال القضاء، إن الحديث عن نادي القضاة يجب أن ينطلق من فهم صحيح لطبيعة الدور الذي قام به النادي عبر تاريخه الطويل، مشددًا على أنه "لم يُنشأ يومًا ليكون مجرد مؤسسة خدمية أو اجتماعية تقدم المصايف والرحلات والخدمات الطبية فقط، وإنما تأسس ليكون معبرًا عن ضمير القضاة وحارسًا لاستقلال السلطة القضائية والمدافع الأول عن حقوق القضاة وضماناتهم الدستورية".

ويوضح دربالة لـ"فكر تاني"، أن واحدة من أهم المحطات التاريخية التي جسدت الدور الحقيقي للنادي كانت معركة الإشراف القضائي الكامل على الانتخابات، التي خاضها القضاة على مدار سنوات طويلة دفاعًا عن نزاهة العملية الانتخابية وضمان سلامة إرادة الناخبين.

وكان نادي القضاة أحد أهم المنابر التي احتضنت هذه المطالب، حين تبنى القضاة من خلاله الدعوة إلى الإشراف القضائي الكامل على الانتخابات البرلمانية والرئاسية باعتباره ضمانةً أساسية لنزاهة الاقتراع وحماية الإرادة الشعبية. ورسخت تلك المرحلة في الوجدان القضائي فكرة أن نادي القضاة ليس مجرد مؤسسة اجتماعية أو خدمية، وإنما كيان مهني له رسالة ودور تاريخي يرتبطان بحماية استقلال القضاء وصيانة مكانته داخل الدولة.

ويشدد دربالة على أن الخدمات الاجتماعية والصحية والاقتصادية المقدمة للقضاة تظل أمرًا مهمًا ومطلوبًا، ولا خلاف على ضرورة تطويرها وتحسينها بصورة مستمرة، غير أن اختزال دور نادي القضاة في هذه الجوانب وحدها لا يتفق مع تاريخه ولا مع طبيعة الرسالة التي أنشئ من أجلها. مضيفًا أن "أي قراءة منصفة لتاريخ النادي تكشف بوضوح أن أهميته الحقيقية لم تكن يومًا في عدد المصايف أو التعاقدات أو الخدمات التي يقدمها، وإنما في قدرته على أن يكون صوتًا للقضاة ومنبرًا للتعبير عن تطلعاتهم المهنية والدفاع عن استقلال السلطة القضائية كلما استدعت الحاجة ذلك".

النادي مؤسسة اجتماعية

في المقابل، لا يتفق المستشار أحمد الخطيب، الرئيس الأسبق لمحكمة استئناف القاهرة، مع هذه الرؤية، إذ يرى أن تصنيف القضاة باعتبارهم تابعين لأطراف أخرى أمر لا يجوز، لأن القضاة سلطة مستقلة بطبيعتها. ويقول الخطيب لـ"فكر تاني"، إن بعض التصنيفات المتداولة خلال الموسم الانتخابي الحالي، والتي تتحدث عن وجود "مرشح للدولة" أو "مرشح مستقل" أو "مرشح مدعوم من جهات بعينها"، لا تعبر عن حقيقة الواقع القضائي، كما أنها لا تخدم المناخ المهني الذي ينبغي أن تسير فيه الانتخابات.

ويضيف أن القضاة بحكم طبيعة عملهم لا يجب أن تكون لهم انتماءات سياسية، وأن تقييم أي مرشح ينبغي أن يكون وفقًا لبرنامجه الانتخابي وما يطرحه من أفكار ورؤى لخدمة أعضاء النادي، لا من خلال إطلاق أوصاف أو أحكام سياسية عليه. ويوضح أن "القضاء في النهاية سلطة مستقلة، ومن ثم فإن الحديث عن مرشحين تابعين لجهات أو معادين لجهات أخرى أمر لا يتفق مع طبيعة المؤسسة القضائية"، مؤكدًا أن مثل هذه التصنيفات قد تؤدي إلى إثارة خلافات غير مبررة داخل الوسط القضائي.

وعن الجدل الدائر بشأن طبيعة دور نادي القضاة، يوضح الخطيب أن القانون رسم للنادي دورًا أساسيًا يتمثل في كونه مؤسسة اجتماعية وخدمية تهدف إلى رعاية أعضائها وتقديم الخدمات المختلفة لهم، وأن هذا الدور يمثل الأساس الذي قام عليه النادي تاريخيًا من الناحية القانونية والتنظيمية. ويرى أن الاهتمام بالخدمات المقدمة للقضاة لا يجب النظر إليه باعتباره أمرًا ثانويًا أو هامشيًا، وإنما يمثل جزءًا أصيلًا من المهام التي أُنشئ النادي من أجلها.

ومع ذلك، يشدد الخطيب على أن اقتصار الدور الأساسي للنادي على الجوانب الاجتماعية لا يعني غيابه عن القضايا المهنية التي تمس القضاة أو السلطة القضائية، مستندًا إلى التاريخ القضائي المصري الذي شهد أكثر من مناسبة تحرك فيها القضاة دفاعًا عن قضايا تتعلق باستقلال القضاء أو شؤون العدالة، سواء خلال عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك أو خلال فترة حكم جماعة الإخوان المسلمين. ويؤكد أن تلك المواقف لم تكن تعبيرًا عن انخراط القضاة في العمل السياسي، وإنما كانت مرتبطة بقضايا قضائية تتقاطع بطبيعتها مع الشأن العام بحكم موقع القضاء داخل الدولة، لأن القضاة لم يتحركوا تاريخيًا في قضايا سياسية مجردة لا صلة لها بالعدالة، وإنما كان تحركهم دائمًا مرتبطًا بمسائل تمس السلطة القضائية واختصاصاتها وضمانات استقلالها.

ويختتم الخطيب بالتأكيد على أن نجاح نادي القضاة يرتبط بقدرته على تحقيق التوازن بين أداء دوره الاجتماعي والخدمي من ناحية، والحفاظ على دوره المهني الداعم للقضاة في القضايا التي تمس شؤونهم واستقلالهم من ناحية أخرى، في إطار احترام القانون والاختصاصات الدستورية للمؤسسات القضائية المختصة.

ارتفاع أسهم جبر رغم محدودية الظهور الإعلامي

وتلفت المصادر القضائية إلى أن إحدى الظواهر اللافتة في الانتخابات الحالية تتمثل في الارتفاع الملحوظ لأسهم المستشار محمد رفعت جبر داخل قطاعات من القضاة، رغم ما يصفه مؤيدوه بمحدودية ظهوره الإعلامي مقارنة بالمنافسين. وترجع المصادر ذلك إلى اعتماده بصورة أساسية على اللقاءات المباشرة والجولات الميدانية، فضلًا عن تركيزه على القضايا التي تشغل اهتمام شريحة واسعة من القضاة المهتمين بالدور المؤسسي للنادي.

وتضيف أن كثيرًا من المؤشرات المتداولة داخل الوسط القضائي تتحدث عن اتساع قاعدة مؤيديه خلال الأسابيع الأخيرة، لا سيما مع تصاعد النقاشات حول مستقبل النادي ودوره في المرحلة المقبلة.

وفي المحصلة، فإن أهمية انتخابات النادي لا تعود فقط إلى أسماء المرشحين أو طبيعة البرامج المطروحة، وإنما إلى ما تمثله من نقاش أعمق حول مستقبل نادي القضاة نفسه. فبعد عقود لعب خلالها النادي أدوارًا مؤثرة في الدفاع عن استقلال القضاء والتفاعل مع القضايا المرتبطة بمنظومة العدالة، يجد القضاة أنفسهم اليوم أمام سؤال جوهري يتعلق بطبيعة هذا الدور وحدوده وأولوياته. هل يظل النادي محافظًا على تقاليده التاريخية باعتباره صوتًا مهنيًا يعبر عن القضاة ويشارك في النقاشات الكبرى المتعلقة باستقلال السلطة القضائية، أم يتجه بصورة أكبر نحو التركيز على الخدمات والرعاية الاجتماعية باعتبارها الاحتياج الأكثر إلحاحًا لأعضائه؟ هذا السؤال هو الذي يمنح الانتخابات الحالية أهميتها، وهو ما يفسر الاهتمام غير المسبوق الذي تحظى به داخل الأوساط القضائية قبيل فتح صناديق الاقتراع.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة