بعد مقالي الأول الذي حاولت فيه الإجابة عن سؤال يؤرقني دائمًا، وهو لماذا هناك محدودية في معرفة الإيرانيين والمصريين ببعضهم البعض، رغم كل ما يجمع بينهما من روابط ثقافية وتاريخية وإنسانية، تلقيت رسائل من أصدقاء إيرانيين ومصريين قالوا إن ما قرؤوه مسّ جزءًا من تجربتهم الشخصية.
أعادتني تلك الحوارات إلى إشكالية تشغلني منذ سنوات؛ ربما لا تكمن المشكلة فقط في أننا لا نعرف بعضنا البعض بما يكفي، بل في أننا لم نروِ قصصنا معًا؟
خلال السنوات الماضية، ومن خلال بحثي للدكتوراه عن الحركات الحقوقية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، أتيحت لي فرصة الحوار مع عدد كبير من النشطاء والباحثين والمحامين والصحفيين المصريين. في البداية كنت أعتقد أن أكثر ما سأكتشفه هو الاختلافات بيننا، لكن مع مرور الوقت بدأت أرى أوجه التشابه جلية أمامي.
لم تقتصر هذه التشابهات على طريقة الحديث أو حس الدعابة أو الاهتمامات اليومية، بل رأيت الارتباط وثيقًا بين التجارب الحياتية، وإن تشكلت في سياقات وطنية مختلفة.
وأذكر أنني خلال بعض المقابلات كنت أنسى للحظات أن الشخص الذي أتحدث معه مصري. ليس لأن الفوارق بين بلدينا غير موجودة، وإنما لأن طبيعة الأسئلة مألوفة للغاية. كنا نتحدث عن المجتمع المدني، ودور الشباب، والتغيرات الاجتماعية، والعلاقة المعقدة بين الدولة والمجتمع، والكرامة الإنسانية والأمل بالمستقبل. وكان يخيل إليّ أحيانًا أن هذا الحوار نفسه يمكن أن يدور في طهران أيضًا.
ومن هنا بدأت أفكر في مسألة أعمق من مجرد التعارف المتبادل.
في كثير من الأدبيات السياسية الغربية، يُنظر إلى المجتمع المدني باعتباره مجموعة من المنظمات غير الحكومية والمؤسسات المستقلة عن الدولة، لكن حين ننظر إلى مصر أو إيران تبدو الصورة أكثر تعقيدًا من ذلك.
ففي كلا البلدين لا تقوم الحياة الاجتماعية على المؤسسات الرسمية وحدها، فالعائلة، والعلاقات المحلية، والنقابات المهنية، والمبادرات الثقافية، والجمعيات الخيرية، والشبكات الاجتماعية غير الرسمية، كلها تلعب أدوارًا أساسية في تشكيل المجال العام. وربما لهذا السبب شهدت مجتمعاتنا تحولات اجتماعية عديدة انطلقت من داخل المجتمع نفسه قبل أن تجد طريقها إلى المؤسسات.
وينطبق الأمر ذاته على الحركات الاجتماعية، فمن المؤكد أن التاريخ السياسي المصري يختلف عن التاريخ السياسي الإيراني، لكن عندما يتحدث النشطاء في البلدين عن تجاربهم تتكرر مفردات متشابهة: الضغوط، والقيود، والتكيف، والأمل، والابتكار، والشبكات غير الرسمية، ومحاولات الحفاظ على المساحات المدنية.
وخلال حواراتي مع النشطاء المصريين، كثيرًا ما شعرت بأننا نتحدث اللغة الاجتماعية ذاتها، ليس من قبيل التطابق، بل لأن مجتمعاتنا واجهت أسئلة متقاربة: كيف يمكن الحفاظ على الأمل في الظروف الصعبة؟ كيف يمكن تحقيق التغيير الاجتماعي ضمن واقع سياسي واجتماعي معقد؟ وكيف يمكن للمجتمع أن يحافظ على قدرته على التنظيم والتضامن؟
وربما لهذا السبب أعتقد اليوم أن الإيرانيين والمصريين يحتاجون إلى ما هو أبعد من المعرفة المتبادلة. نحتاج إلى سرديات مشتركة.
ولا أقصد بذلك تجاهل الاختلافات أو الادعاء بأن تجاربنا متشابهة تمامًا، على العكس، فالسردية المشتركة تبدأ بالاعتراف بالاختلاف، لكنها تسمح لنا أيضًا برؤية ما نتقاسمه من هموم وأسئلة وتجارب.
وربما تكمن أهمية هذه السرديات في أن إيران ومصر ليستا مجرد دولتين أخريين في الشرق الأوسط، فكلتاهما من أقدم المجتمعات في المنطقة، وكلتاهما تمتلكان تقاليد راسخة في بناء المؤسسات والثقافة والفكر والحياة العامة. ولهذا فإن كثيرًا من الأسئلة المطروحة اليوم في القاهرة تبدو مألوفة في طهران أيضًا: ما طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع؟ كيف يمكن التوفيق بين التقاليد والتغيير؟ ما موقع الدين في الحياة العامة؟ وكيف يمكن حماية الكرامة الإنسانية وبناء مستقبل أفضل للأجيال القادمة؟
قد تختلف الإجابات من بلد إلى آخر، لكن اللافت أن الأسئلة نفسها غالبًا ما تكون مشتركة.
وربما يكون أهم ما يمكن أن يتعلمه الإيرانيون والمصريون من بعضهم البعض ليس نموذجًا سياسيًا جاهزًا، ولا وصفة سحرية للمستقبل، بل طرقًا مختلفة في التعامل مع تحديات متشابهة. فكل مجتمع طوّر عبر تاريخه أساليب خاصة للتنظيم والتكيف والحفاظ على التماسك الاجتماعي. والتعرف على هذه التجارب لا يمنحنا حلولًا جاهزة، لكنه يوسع أفق رؤيتنا ويساعدنا على النظر إلى واقعنا من زوايا جديدة.
لكن المشكلة أن صورنا عن بعضنا البعض غالبًا ما تتشكل عبر وسطاء: الإعلام، والخطابات السياسية، والتوترات الإقليمية، والروايات الرسمية. وفي مثل هذه الظروف قد يعرف الإيراني مصر من خلال الأخبار السياسية أكثر مما يعرفها من خلال المصريين أنفسهم، وينطبق الأمر ذاته على كثير من المصريين في نظرتهم إلى إيران.
أما تجربتي الشخصية فتقول شيئًا مختلفًا، فكلما توفرت فرصة للحوار المباشر، بدت المسافات أقصر مما كنا نتخيل. وفي كثير من الأحيان اكتشفنا أن ما اعتبرناه اختلافًا جوهريًا لم يكن سوى نتيجة سنوات طويلة من غياب التواصل.
ولهذا تزداد قناعاتي بأهمية الروابط الإنسانية المباشرة بين الباحثين، والطلاب، والصحفيين، والفنانين، والنشطاء، وحتى بين المواطنين العاديين. فهذه الروابط قد لا تحل المشكلات السياسية المعقدة في المنطقة، لكنها تساعد على بناء فهم متبادل أكثر واقعية، وهو أمر ليس قليلًا في منطقة عانت طويلًا من سوء الفهم وانعدام الثقة.
وعلى عكس ما يُشاع أحيانًا، فإن بناء الثقة بين الشعوب ليس فكرة مثالية أو حالمة. فقد شهد تاريخ منطقتنا الحديثة فترات طويلة من التبادل الثقافي والفكري بين المصريين والإيرانيين، سواء عبر الأدب أو الفن أو الجامعات أو الترجمة أو النقاشات الفكرية. وهذا يعني أن التواصل بين المجتمعين ليس مشروعًا مستقبليًا فحسب، إنما أيضًا جزء من تجربة تاريخية يمكن البناء عليها من جديد.
وربما لا يكون السؤال الأهم اليوم هو مقدار الاختلاف بين الإيرانيين والمصريين، بل لماذا لم ننجح بعد في بناء سردية مشتركة حول ما يجمعنا من تجارب وأسئلة وآمال؟
فإن تمكنّا يومًا من بناء مثل هذه السردية، فقد نكتشف أن المسافة بين مجتمعاتنا أقل بكثير مما تصورنا لسنوات طويلة، وأن ما يجمعنا لا يقل أهمية عما يفرقنا.