الطماطم بـ70 والإيجار يزيد الرُبع.. تضخم مايو يُجيب من يسأل عن انخفاض الأسعار

تكشف مؤشرات التضخم الأخيرة، الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، عن حجم الضغوط التي يعانيها السواد الأعظم من المصريين في تلبية احتياجاتهم الأساسية، إذ تركّزت أعلى زيادة في وتيرة الأسعار على منتجات وخدمات لا غنى عنها في حياتهم اليومية.

والتضخم في جوهره ارتفاعٌ مستمر في المستوى العام للأسعار يُفضي إلى انخفاض القيمة الشرائية للعملة، أي أن المواطن يشتري في شهر معين كمية أقل من المنتجات مقارنة بالشهر الماضي رغم أن المبلغ واحد، كأن يشتري بمئتي جنيه نصف كيلو من اللحم في شهر، ثم لا يجد مقابل المبلغ ذاته في الشهر التالي إلا 300 جرام، ولا يعني "هبوط التضخم" نزول الأسعار، إنما تراجع وتيرة صعودها فحسب، كسيارة تسير بتسعين كيلومترًا في الساعة ثم تخفف سرعتها إلى ستين دون أن تتوقف.

السكن وما يرتبط به

في تقريره الشهري عن التضخم لشهر مايو، جاء قسم السكن والخدمات المرتبطة به، من مياه وكهرباء وغاز ووقود، في مقدمة الأقسام الأكثر ارتفاعًا، إذ بلغت نسبة الزيادة على الصعيد السنوي مقارنة بمايو 2025 نحو 30.8%، مع ارتفاع الإيجار الفعلي للمسكن بنسبة 26.3%، وصيانة المسكن وإصلاحه بنسبة 13.4%، والمياه والخدمات المتنوعة المتعلقة بالمسكن بنسبة 3.6%.

والإيجار الفعلي للمسكن هو القيمة النقدية التي يدفعها المستأجر شهريًا لمالك العقار، وترتبط زيادته بعقود الإيجار الجديدة في المقام الأول، لأن أول زيادة في عقود الإيجار القديم لن تتجاوز 15% وستكون في سبتمبر 2026 للوحدات السكنية وغير السكنية على حدٍّ سواء.

ويرى أحمد علي، وهو محامٍ ومدير لشركة سمسرة عقارية، أن ارتفاع الإيجار في الصيف أمر معتاد، إذ يسعى الملاك في المدن الساحلية بالذات إلى رفع قيم الإيجارات بشكل كبير لمن تنتهي عقودهم، في ظل وجود بديل أكثر ربحًا يتمثل في تأجير الوحدات للمصطافين بالليلة الواحدة. ويضيف في تصريحات لـ"فكر تاني"، أن "موسم الصيف يمكن أن يوفر للمالك دخلًا أعلى من تأجيرها طوال العام".

وتمنح عقود الإيجار الجديدة الملاكَ صلاحيات كاملة، فباتوا يرفضون تحرير عقود ثلاث سنوات كما كان معتادًا، ويطالبون بعقود سنوية تُجدَّد بزيادات كبيرة، حتى إن فئة منهم تطلب رفع الإيجار في بعض المناطق بنسبة تقترب من النصف، رغم أن العُرف السائد لا يتجاوز 10%، وهدفهم في ذلك إما أن يستجيب المستأجر أو "يلم حاجته ويخلي الشقة"، وفق تعبير أحمد علي.

وعلى الصعيد السياسي، يرى النائب محمود سامي، عضو مجلس النواب، أن المشكلة تكمن في غياب فلسفة أيديولوجية حكومية واضحة، مستشهدًا بنماذج غربية تتدخل فيها الحكومات لوضع حد أقصى للزيادات ترتبط أساسًا بمعدلات تضخم معقولة تتراوح بين 2% و7%، مشددًا على أنه ينبغي للحكومة المصرية أن تتبنى أيديولوجية واضحة في تعاملها مع المواطن بدلًا من تركه لقوى العرض والطلب وحدها.

ولم يتحرك بند السكن في تضخم مايو بسبب الإيجار وحده، إذ أسهمت في ذلك السياسات الحكومية المباشرة برفع أسعار الخدمات المُسعَّرة إداريًا، فقد استمر تأثير رفع الحكومة أسعار الكهرباء على القطاع التجاري في أبريل الماضي بنسب تراوحت بين 20% وبلغت 91% في بعض الحالات، فضلًا عن رفعها على شرائح الاستهلاك المنزلي بنسب تراوحت بين 16% و28% للشرائح الأعلى. وفي الشهر ذاته، ارتفعت أسعار محاسبة العدادات الكودية إلى 2.75 جنيه للكيلو الواحد، وهو ما تضاعف أثره مع موجة حر الصيف وبدء الاعتماد على مكيفات الهواء. كذلك شهد مايو ارتفاعًا في قيمة مقايسات تركيب عدادات الكهرباء الجديدة بسبب ارتفاع أسعار المهمات الكهربائية من كابلات ومحولات وأكشاك ولوحات توزيع، بالتزامن مع ارتفاع تكلفة الاستيراد وزيادة أسعار الخامات عالميًا.

وأعلنت الحكومة كذلك زيادة في شرائح المياه، لتبدأ المحاسبة من جنيهين للمتر المكعب حتى عشرة أمتار، وترتفع إلى 4.5 جنيه للمتر عند تجاوز الاستهلاك 30 مترًا مكعبًا، بخلاف رسوم الصرف الصحي والخدمات الإدارية وضريبة القيمة المضافة. وفي التوقيت ذاته، امتلأت صفحات السوشيال ميديا بتساؤلات المواطنين عن أسباب ارتفاع فاتورة الغاز الطبيعي في مايو بنسبة بلغت الضعفين عن الاستهلاك المعتاد، رغم غياب أي قرار رسمي بالزيادة، مما يعني أن عوامل الإيجار والخدمات المرتبطة به قد صعدت معًا في آنٍ واحد.

مواسم الامتحانات

لم يكن السكن الحق الوحيد الذي ضربه التضخم ورفع كلفته، إذ ارتفع قسم التعليم بدوره 20% في مايو، بسبب قفزة في أسعار التعليم قبل الابتدائي والأساسي بنسبة 22%، والتعليم الثانوي العام والفني بنسبة 15.3%، فيما سجّل التعليم بعد الثانوي والفني ارتفاعًا حادًا بلغ 364.5%. ويُقاس تضخم "التعليم قبل الابتدائي والأساسي" بمجموعة من السلع والخدمات تشمل مصاريف المدارس الحكومية والخاصة والدولية ورسوم الامتحانات والأنشطة المدرسية وأسعار الدروس الخصوصية والكتب الخارجية، في حين يقيس بند "التعليم بعد الثانوي والفني" التغيرات في رسوم المعاهد فوق المتوسطة والدبلومات الفنية والبرامج التدريبية والمهنية غير الجامعية.

وينعكس هذا التضخم مباشرة على ميزانيات الأسر المصرية التي تخصص ما بين 4.5% وأكثر من 10% من إنفاقها السنوي للتعليم، يذهب نحو 47% منها لتغطية تكاليف الدروس الخصوصية التي تستنزف قرابة 132 مليار جنيه سنويًا، وذلك على نقيض ما صرّح به وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف من أن عودة الطلاب للانتظام في المدارس أثّرت سلبًا على سوق الدروس الخصوصية بأكثر من 50%.

ويرى أحمد. ع، مدير مدرسة ابتدائية، هذه التصريحات من منظور مغاير تمامًا، إذ يقول إن العام الدراسي الحالي كان الأكثر إثقالًا للأسر من حيث تكلفة الدروس الخصوصية، بسبب التقييمات المستمرة في المدارس التي دفعت الأسر إلى إعطاء أطفالها دروسًا خاصة حتى منذ العام الدراسي الأول، فضلًا عن اتساع صلاحيات المعلم في درجات أعمال السنة.

ونصّت تعديلات قانون التعليم الأخيرة على تخصيص 20% من المجموع الكلي لأعمال السنة في مرحلة التعليم الأساسي، وهو ما رصدته المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بوصفه بابًا مفتوحًا لاستخدام الدرجات أداةً ضد الطلاب بشكل غير منصف، خاصة في غياب معايير موحدة، مما يربط الحصول على الدرجات بالعلاقة خارج أطر المدرسة لا بالأداء الدراسي الفعلي.

ويؤكد مدير المدرسة أن الدروس الخصوصية امتدت لأول مرة في التاريخ لتشمل مادة التربية الدينية، حيث دفع شرط الحصول على 70% كحد أدنى للنجاح كثيرًا من الأسر إلى اللجوء لمدرسي اللغة العربية وبعض شيوخ التحفيظ لتدريس أبنائها خشية قضاء الصيف في إعادة الدراسة. ويظهر مايو تحديدًا ارتفاعًا في تضخم التعليم لأنه موسم الامتحانات في مصر وما يرافقها من دروس خصوصية وطباعة ملازم، فضلًا عن كونه الشهر الذي يسبق امتحانات الثانوية العامة، والفرصة الأخيرة لسداد القسط الثاني من الرسوم المدرسية تجنبًا لحجب النتيجة.

المستعجل يركب الموتوسيكل

تكشف أرقام تضخم مايو عن تحول التنقل إلى معادلة حسابية صعبة للأسر المصرية، إذ سجّل قسم النقل والمواصلات ارتفاعًا سنويًا قدره 21.4%، محافظًا بذلك على مستوى يتجاوز 21% للشهر الثالث على التوالي، بعد أن سجّل في أبريل 24.5% وفي مارس 29.36%.

وفي مايو 2026 مقارنة بمايو 2025، ارتفعت أسعار المركبات بنسبة 11.6%، والإنفاق على النقل الخاص من وقود وقطع غيار وزيوت وصيانة بنسبة 19.6%، في حين ارتفعت تذاكر النقل الجوي والبحري والأرضي كالمترو والقطارات بنسبة 24%.

ورفعت شركات "موبيل وشل وكاسترول" أسعار زيوت المحركات في الشهر الماضي بدعوى ارتفاع تكلفة المواد البترولية عالميًا، ليتراوح سعر اللتر بين 410 و700 جنيه حسب الشركة، مما زاد من الأعباء الملقاة على أصحاب السيارات الخاصة وسيارات النقل الجماعي على حد سواء. وقبل ذلك، رفعت السكك الحديدية أسعار تذاكر القطارات في 27 مارس 2026 بنسبة 12.5% للخطوط الطويلة و25% للخطوط القصيرة، وقد انعكس هذا الارتفاع على حسابات أبريل لأن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء يُعدّ تقرير التضخم من يوم 26 من الشهر حتى 26 الذي يليه.

ويُثقل ارتفاع أسعار النقل العام كاهل الطبقات الأقل دخلًا بصفة خاصة، فمنذ عام 2018 حين انتقلت هيئة المترو من نظام تسعير ثابت بجنيهين إلى نظام مبني على المسافة، ارتفعت أسعار الرحلات الطويلة بنحو عشرين ضعفًا، في حين لم يواكب الدخل هذه الارتفاعات، إذ لا يتجاوز الحد الأدنى للأجور اليوم ستة أضعاف ما كان عليه عام 2014. وقد غيّرت هذه الأعباء من الثقافة الشعبية وعززت الإقبال على الدراجات النارية بين الرجال والنساء على حد سواء، حتى تصدّرت قائمة المركبات الأكثر ترخيصًا خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2026 بنحو 57% من إجمالي التراخيص.

الأكل والدواء

في قسم الطعام والمشروبات، ارتفع التضخم في مايو بنسبة 7.5%، شملت الحبوبَ والخبز بنسبة 2.6%، واللحوم والدواجن بنسبة 3.8%، والأسماك والمأكولات البحرية بنسبة 5%، والألبان والجبن والبيض بنسبة 1.4%، والزيوت والدهون بنسبة 4.8%. وقفزت الخضروات قفزة لافتة بلغت 46.4%، مع بلوغ سعر كيلو الطماطم 70 جنيهًا في بعض المناطق خلال مايو الماضي، لتسجّل أعلى مستوياتها السعرية آنذاك، فضلًا عن ارتفاع أسعار الخيار والجزر. وكان الانخفاض الوحيد من نصيب الفاكهة التي تراجعت بنسبة 7.9% مع محاولة تجار التجزئة تخفيض الأسعار لتشجيع الاستهلاك. كما ارتفعت مجموعة الدخان بنسبة 16.9%، والبن والشاي والكاكاو بنسبة 9.1%، والمياه المعدنية والغازية والعصائر الطبيعية بنسبة 6.8%، والسكر والأغذية السكرية بنسبة 0.2%.

والغذاء بطبيعته لا يخضع للمرونة السعرية للطلب، فمهما ارتفعت أسعاره، سيظل الناس مجبرين على شرائه، وهو ما تؤكده أرقام عام 2017 حين وصل معدل التضخم السنوي للسلع الغذائية إلى 38.89%، فزاد إنفاق الأسرة المصرية على الطعام والشراب بنسبة 2.7% عن عام 2015 رغم تضخمه المرتفع. غير أن الأثر يتفاوت بين الشرائح الاجتماعية، فالأسر ذات المستوى المعيشي المرتفع قادرة على إعادة هيكلة إنفاقها بتخفيض بنود الترفيه لصالح الغذاء، بينما تجد الشرائح الأقل دخلًا نفسها أمام مفاضلات قاسية بين الاحتياجات الأساسية، قد تضطرها إلى خفض كمية الغذاء ونوعيته، أو إخراج الأطفال من التعليم، أو التوفير في خدمات الرعاية الصحية.

وتتجلّى خطورة هذا الواقع في ضوء دراسة التكلفة الاقتصادية والاجتماعية لسوء التغذية عند الأطفال في مصر، التي كشفت أن 33% من الأطفال في سن المدرسة و41% من السكان في سن العمل عانوا من مشكلات تأخر النمو في عام 2009، متوقعة ارتفاع تكلفة هذا الواقع بنسبة 32% لتصل إلى 4.884 مليار دولار في عام 2025 إذا ظلت معدلات سوء التغذية على حالها.

أما الصحة، فتمثل الإنفاق السنوي الثالث من حيث الأهمية في ميزانية الأسرة المصرية، إذ بلغت نسبته 10.4% وفق آخر بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء الصادرة عام 2019. وسجّل قسم الرعاية الصحية في مايو ارتفاعًا بلغ 5.3%، بسبب ارتفاع خدمات العيادات الخارجية من أسعار كشف وفحوصات واستشارات بنسبة 13.5%، وخدمات المستشفيات من إقامة وتمريض وأدوية بنسبة 20.1%. وارتفعت مبيعات الدواء بنسبة 13.6% لتسجّل 100 مليار جنيه خلال أول أربعة أشهر من العام مقابل 88 مليار جنيه في الفترة المماثلة من العام الماضي، وفق تقديرات علي عوف، رئيس شعبة الأدوية باتحاد الغرف التجارية.

ويُشير عوف إلى أن الأسعار تشهد حالة من الاستقرار حاليًا بفضل ثبات سعر الدولار ووجود مخزون استراتيجي يغطي احتياجات السوق لمدة تتراوح بين 3 و6 أشهر في أغلب المستحضرات، وذلك على النقيض من أبريل 2025 حين احتل قسم الرعاية الصحية المرتبة الأولى بين مكونات التضخم بنسبة 34.5% بسبب ارتفاع أسعار الدولار آنذاك.

وفي المحصلة، يتوقع البنك المركزي المصري تسارع المعدل السنوي للتضخم العام حتى الربع الثالث من عام 2026، بسبب الآثار غير المواتية لفترة الأساس التي تُقاس عليها الأرقام، فضلًا عن ضغوط العرض الناجمة عن الصراع الإقليمي الراهن وما أعقبه من تحركات في سعر الصرف وإجراءات لضبط الأوضاع المالية العامة، مما يعني أن مايو ربما لن يكون الفصل الأخير في ملف تأثير التضخم على جيوب المصريين.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة