منذ 10 أشهر تقريبًا، تشهد الساحة الإعلامية والصحفية موجة من الاجتماعات المتكررة التي تتفق في مجملها على شيء واحد، هو عدم رضا السلطة عن الأداء الإعلامي، وهو ما تبدى واضحًا في مطالبة الرئيس عبد الفتاح السيسي، في اجتماعه مع رؤساء الهيئات الإعلامية والصحفية في شهر أغسطس الماضي، بوضع خارطة طريق شاملة لتطوير الإعلام.
وهي مطالبة شكل رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي على إثرها لجنة أسماها "لجنة تطوير الإعلام المصري"، قبل أن يسند رئاستها إلى المهندس خالد عبد العزيز رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، وتجتمع لما يقارب 2 شهر متواصلين، لإنجاز تقرير عن سبل ذلك التطوير، أعلن عنه في يناير الفائت، وقد ضمت في تشكيلها 67 عضوًا من أساتذة الإعلام والمدربين والنقابيين ورؤساء التحرير.
غير أن السلطة لم تجد في هذه اللجنة ما يروي ظمأها إلى الإصلاح الإعلامي، فلجأت إلى خيار آخر تمثل في إعادة إحياء وزارة الدولة للإعلام، وعينت على رأسها ضياء رشوان الذي يبدو في نظرها دائمًا "صاحب مفتاح الحل" للأزمات الإعلامية والسياسية. وهو تصور يجد صداه فيما يحظى به رشوان من ثقة راسخة لدى النظام السياسي، بعد أن قاد نقابة الصحفيين لـ3 دورات مختلفة، وترأس الهيئة العامة للاستعلامات التي نقلت تبعيتها مؤخرًا إلى وزارته، فضلًا عن قيادته الحوار الوطني بين الأحزاب السياسية والسلطة، بينما تبدو المهمة الجديدة المنوطة به وكأنها الرهان الأخير للدولة في إصلاح المنظومة الإعلامية كما تتصورها.
أجندة واحدة بوجهين
وبعيدًا عن ظهور رشوان على الشاشات لتفنيد الشائعات والتعليق على القرارات الحكومية، فإن وزارته تتحرك منذ فبراير الماضي في اتجاهين لم ينتجا حتى الآن شيئًا ملموسًا في ملف التطوير.
ويتجلى الاتجاه الأول في التسريبات التي سبقت إجازة عيد الأضحى، إذ تحدثت عن تعيين مستشارين اثنين لوزير الدولة للإعلام هما جمال حسين، رئيس تحرير صحيفة "الأخبار المسائي" الأسبق، ونبيل عمر الكاتب الصحفي بـ"الأهرام"، وعضو اللجنة الرئيسية لتطوير الإعلام، وزاد على ذلك موقع "القاهرة 24" حين نقل عن مصادر خاصة أن عبد المعطي أبو زيد، رشح هو الآخر مستشارًا لرشوان للسياسات الإعلامية.
ولم تقف التسريبات عند هذا الحد، فقد امتدت لتكشف أن تلك الأسماء تأتي ضمن قائمة مبدئية لفريق عمل الوزارة الذي يسعى رشوان إلى استكماله، ويضم إلى جانب نبيل عمر وجمال حسين كلًا من الأستاذ الدكتور محمد شومان، العميد الأسبق لكلية الإعلام بالجامعة البريطانية، والأستاذ الدكتور أحمد يحيى، الرئيس السابق لقطاع الإعلام الداخلي بالهيئة العامة للاستعلامات، وخبير الإعلام الرقمي خالد البرماوي، والكاتب الصحفي محمد صلاح.
أما الاتجاه الثاني فتمثل في سلسلة الاجتماعات الموسعة التي عقدها رشوان مع رؤساء تحرير إصدارات المؤسسات القومية، ورؤساء قنوات التليفزيون وشبكات الإذاعة التابعة للهيئة الوطنية للإعلام، فضلًا عن لقاءاته مع رؤساء القنوات المملوكة للقطاع الخاص، وصولًا إلى اجتماعه مع رؤساء تحرير الصحف الخاصة والحزبية.
وهي اجتماعات بدت وكأنها نسخة مكررة من "أجندة وأهداف" اجتماعات اللجنة الرئيسية لتطوير الإعلام المصري التي انعقدت قبل ما يقارب عامًا، حتى إن كثيرًا من الأسماء المتداولة ضمن فريق عمل الوزارة، أو المشاركين في الاجتماعات الأخيرة مع رشوان، كانوا أعضاء في تلك اللجنة من قبل، كالكاتب الصحفي نبيل عمر وخبير الإعلام الرقمي خالد البرماوي والكاتب الصحفي عصام كامل والكاتب الصحفي علاء الغطريفي، إضافة إلى عدد من القيادات التحريرية في المؤسسات الصحفية القومية.
وقد بررت وزارة رشوان هذه التحركات بأنها تندرج في سياق سلسلة اللقاءات التي يعقدها الوزير مع مكونات المنظومة الإعلامية "لتبادل الحوار والبحث عن سبل تحقيق المزيد من الارتقاء بأداء الإعلام والحفاظ على مكانته ودوره وتأثيره، وإيجاد حلول لما يواجهه من تحديات تتطلب التعاون بين الدولة والمؤسسات الإعلامية". وهي الأهداف ذاتها التي رفعت شعارًا لاجتماعات اللجنة الرئيسية في السابق، مما يوحي بأن الاجتماعات باتت غاية في حد ذاتها لا وسيلة إلى غاية.
ولم يبتعد خطاب رشوان عن تطوير الإعلام عما كان يتداول في اجتماعات اللجنة من قبل، إذ طالب المؤسسات الصحفية بالاهتمام بالإعلام الرقمي وإجراء دراسات حول اتجاهات القراء واحتياجاتهم، والاستثمار الأمثل في الأصول القائمة، واستغلال الأرشيف التاريخي للصحافة عبر تحويله إلى أرشيف رقمي، داعيًا إلى الاهتمام بالصحافة الاستقصائية والتوسع في التناول الاجتماعي والثقافي بأسلوب يستقطب الأجيال الجديدة. وفي سياق تعليقه على تقرير اللجنة الرئيسية، أعلن رشوان أنه عُرض على الرئيس السيسي تمهيدًا لاتخاذ ما يراه مناسبًا بشأنه، متوقعًا أنه سيحال في مرحلة لاحقة إلى رئيس مجلس الوزراء ثم إلى وزارته لاتخاذ الإجراءات اللازمة. وقد تأكد لـ"فكر تاني" أن التقرير وصل فعلًا إلى الوزارة مؤخرًا، من دون أن يتضح متى تبدأ خطوات التطوير الفعلية وبأي آليات.
وأمام هذا المشهد المتشابك، تطل تساؤلات جوهرية برأسها متى تنتهي الاجتماعات المتكررة حول تطوير الإعلام المصري؟ وهل تحتاج وزارة الدولة للإعلام فعلًا إلى كل هؤلاء المستشارين والمعاونين الذين جرى تسريب أسمائهم؟ وكيف يمكن الوصول إلى حل حقيقي لأمراض الإعلام المصري؟
وزارة من الصفر
توضح الكاتبة الصحفية أمينة النقاش، رئيسة مجلس إدارة صحيفة "الأهالي" وعضو مجلس الشيوخ، أن رشوان يعيد تشكيل وزارة الدولة للإعلام من الصفر، مشيرةً إلى أنه قال ذلك صراحة في الاجتماع الأخير مع رؤساء تحرير الصحف الخاصة والحزبية، ومؤكدة أن من حقه الاستعانة بمن يشاء من المستشارين.
وأضافت النقاش لـ"فكر تاني" أن رشوان "ذكي وواحد منا ونقابي شهير"، وأن مستشاريه جمال حسين ونبيل عمر "أكفاء ومشهود لهم"، معربة عن أملها في تحقيق التطوير الإعلامي بإسهامهم، غير أنها أحالت الحكم على هذه التجربة إلى النتائج الملموسة على أرض الواقع.
في المقابل، يرى الدكتور صابر حارص أستاذ الإعلام السياسي بجامعة سوهاج في حديثه لـ"فكر تاني" أن ثمة خطوات ينبغي أن تسبق الحديث عن المستشارين واجتماعات التطوير، أولها تحديد رسالة الوزارة وإطارها المرجعي، وتوضيح الأهداف المركزية للتناول الإعلامي وأساليب معالجة المشكلات. وقد وصف رشوان نفسه دور الوزارة في أول اجتماع بعد عودتها بأنه يتمثل في "تفعيل النصوص الدستورية وتعزيز التنسيق المؤسسي وتمثيل الحكومة إعلاميًا وشرح سياساتها للرأي العام"، مؤكدًا أنها لن تمارس دورًا تنفيذيًا في إدارة المؤسسات، وستعمل حلقة وصل بين الحكومة والهيئات الإعلامية.
ويذهب حارص إلى أن ثمة تساؤلات مشروعة لا تزال تنتظر إجابات من الوزارة، من بينها ما إذا كانت صورة الدولة المصرية لا تزال بحاجة إلى تحسين، وما إذا كانت مصداقية الإعلام المصري لا تزال محل تشكيك، وما دور الوزارة في معالجة هذين الملفين. ويقر صاحب الرأي بصراحة، قائلًا "أنا أستاذ في الإعلام ولا أفهم مرجعية الإعلام المصري، ولا أعرف المعايير التي يختار على أساسها الإعلاميون للظهور على الشاشات المصرية".
ويقيم حارص حكمه على أداء الإعلام المصري بقوله إنه أخفق في دعم الدولة وتنمية المجتمع والارتقاء بأذواق الجماهير وتنمية مهاراتهم، وأمام هذه الإخفاقات يتساءل "بعد كل هذا الفشل، لا أدري أي وظيفة للإعلام المصري يريد القيام بها"؟
شروط المستشارين
أما الكاتب الصحفي عصام كامل، رئيس تحرير جريدة "فيتو"، وعضو اللجنة الرئيسية لتطوير الإعلام المصري، فيؤكد أنه ليس ضد تعيين مستشارين ومعاونين لوزير الدولة للإعلام، لكنه يشترط أن تكون مهمة هذا الفريق "واضحة"، وأن تتجلى آثاره العملية على الأرض بما يحسه الجمهور والمتابعون. وهذا الشرط بالذات يتقاطع مع ما يؤكده الدكتور حارص من أن قرار الاستعانة بهؤلاء "يجب أن يكون قائمًا على رؤية واضحة لتحقيق أقصى استفادة، خاصة أن هذه الوزارة تبدو بلا إمكانيات، وضياء رشوان لا يستطيع فعل كل شيء وحده".
ورغم ذلك، يرى حارص أن عودة الوزارة مع فريق من المستشارين أفضل من اللجنة الرئيسية لتطوير الإعلام المصري. غير أنه يضع لهذا الفريق سقفًا عاليًا من التوقعات، مطالبًا إياه بالتفكير الجدي في كيفية رفع مصداقية الإعلام وإعادة المشاهد المصري إلى الشاشة المحلية.
ويصف حارص الظاهرة السائدة اليوم بأنها "ظاهرة الازدراء مع المشاهدة"، أي أن المشاهد يتابع الإعلامي في الوقت ذاته الذي يزدريه فيه، وتتشكل لديه اتجاهات عدائية نحوه. ويزيد على ذلك أن أكثر من 95% من الجمهور يكادون لا يمدحون إعلاميًا مصريًا واحدًا، وهو في تقديره أمر بالغ الخطورة.
خطة الوزير
كشفت أمينة النقاش أن الاجتماع الأخير بين رشوان ورؤساء تحرير الصحف الخاصة والحزبية امتد لأكثر من 3 ساعات، وخلاله عرض رشوان خطته للتطوير الإعلامي، معترفًا بوجود أزمة حقيقية في الإعلام المصري ومؤكدًا أن الجميع معنيون بالتفكير في سبل الخروج منها. وقد أقر بأن "الصحف الورقية تتراجع، والمنصات الإلكترونية والسوشيال ميديا لا تقدم جديدًا"، مستشهدًا بتجارب دولية متباينة، ومنبهًا في الوقت نفسه إلى أنه ليس صاحب قرار، وأن دوره يقتصر على التنسيق بين المؤسسات الإعلامية والصحفية وتوفير المعلومات للقائمين على النشر.
لكن عصام كامل يرفض الاكتفاء بهذا التشخيص، موضحًا أن "تشخيص المرض الإعلامي في مصر ليس مهمة صعبة، فالكل يعرفه"، مشددًا على أن معالجته تستلزم إرادة سياسية من صانع القرار. ويثني كامل على التقرير النهائي للجنة الرئيسية لتطوير الإعلام، واصفًا إياه بأنه "محترم جدًا" لأنه تناول بجرأة "فكرة التضييق وغياب الحريات"، وأكد أن الصحفي والإعلامي يجب أن يحظيا بحرية تداول المعلومات، لأنهما "يعملان لصالح المواطن والمجتمع، لا السلطة".
ويوضح كامل لـ"فكر تاني" أن التقرير تضمن أطرًا زمنية لمشروعات صحفية وإعلامية متنوعة، بعضها قابل للتنفيذ في 6 أشهر، وبعضها في سنة، وبعضها قد يستغرق 3 سنوات. وقد احتوى التقرير على أفكار واعدة تتعلق بتطوير اقتصاديات الإعلام والاستفادة من الأرشيف الخاص بماسبيرو. وفي ضوء ذلك، دعا كامل الرئيس السيسي إلى تبني التقرير والسير على هداه، مشددًا على ضرورة أن تتلاقى إرادة مؤسسة الرئاسة مع رغبة الإعلاميين في إعلام أفضل تستحقه مصر، خاصة أنها تمتلك كوادر بشرية مؤهلة لذلك.
وتوافقه النقاش الرأي، مؤكدة أن المشكلات باتت معروفة وليست بحاجة إلى اختراع، وفي مقدمتها ضعف جاذبية الصحافة الورقية، غير أنها تحذر من المقارنة غير المنصفة مع الغرب أو الدول التي لا تزال تزدهر فيها هذه الصحافة. وترد النقاش جانبًا كبيرًا من المشكلة إلى ارتفاع نسبة الأمية الأبجدية في مصر، وإلى أن المنصات الإعلامية الرقمية تشترط بدورها قدرًا من الثقافة التكنولوجية، فضلًا عن "الأمية الثقافية والغياب شبه التام لقيمة القراءة في المجتمع"، وهو كله مرهق بأزمة اقتصادية طاحنة تلقي بظلالها على المشهد برمته.
وتضيف النقاش بعدًا آخر للأزمة يتعلق بخريجي أقسام وكليات الإعلام، الذين لا تتوفر لهم فرص التدريب المناسب، فيما تعجز المؤسسات الصحفية والإعلامية القائمة عن استيعابهم تدريبًا أو تعيينًا. وهي ترى أن نقابة الصحفيين تحولت إلى "جمعية لرعاية المتعطلين"، من خلال فتح أبواب التحاق أعداد متزايدة باتت تنظر إلى بدل التدريب والتكنولوجيا باعتباره المغنم الأول من الفيد بالنقابة، بدلًا من النظر إلى تنمية المهنة وتجديد كفاءاتها ووضع سلم أجور عادل.
وتنبه النقاش إلى أبعاد أعمق وراء هذا الواقع، إذ ترى أن "الضغط الاقتصادي والاجتماعي المتراكم على المواطن، إلى جانب التضييق على حقه في معرفة شؤون بلده، يجعلانه في النهاية مستعدًا لتصديق أي شائعة يسمعها"، مشيرة إلى غياب الحريات الحقيقية في بيئة نشر المعلومات.
أزمات المؤسسات القومية
وفيما يخص المؤسسات الصحفية القومية تحديدًا، تشير النقاش إلى معادلة فاسدة تحكم إدارتها وهي "معادلة تقول إن الكفاءة ضد الولاء، وهذا خطأ جوهري". وترى أنه من الممكن أن يجمع الشخص بين الكفاءة والولاء للدولة والمجتمع والمهنة في آن واحد، مطالبة بمساواة حقيقية في فرص الترقي الوظيفي بدلًا من الاحتكام إلى الولاء وحده الذي جرى تكريسه على مدى عقود.
ويلتقي الدكتور حارص مع هذا الرأي متوسعًا فيه، قائلًا إن "كارثة مصر تكمن في معايير اختيار الأشخاص الذين يضطلعون بالوظائف الإعلامية المهمة، وكذلك في اختيار القائمين على لجان التطوير، إذ قد تجد شخصًا عضوًا في إحداها لمجرد أنه حفظ بضع كلمات أو حصل على درجة الدكتوراه أو أجاد تسويق نفسه في الوسط".
ويستحضر حارص للمقارنة أسماء بارزة في تاريخ الإعلام المصري كمحمد حسنين هيكل وأنيس منصور وموسى صبري ومكرم محمد أحمد، ليتساءل باستنكار عن الأسماء التي يمكنها أن تقارب إسهاماتهم اليوم. ويخلص إلى أنه حتى لو وجدت أسماء جديرة فإنها ستخصم من رصيد النظام السياسي بسبب الأزمة العميقة لفقدان الثقة في الإعلاميين.
وفي المحصلة، يعيش الإعلام المصري حالة من التناقض الصارخ، فالنظام يشكو من إعلام يسيطر عليه تمامًا، ويعجز في الوقت نفسه عن السيطرة على الشائعات بعد أن تبخرت ثقة الجمهور بهذا الإعلام. ومن الجانب الآخر، يتدهور الإعلام من الداخل بفعل التضييق وضعف مناخ الحرية وضعف التنافس الناجم عن الاستحواذ على كل المنصات وحظر حرية الإصدار، وهو كله يتضافر مع أزمة اقتصادية تضرب المهنيين في صميم قدرتهم على الاستمرار.
في هذا المناخ يتحول ملف تطوير الإعلام الذي مضى عليه ما يقارب العام إلى فرض عين من أجل إنقاذ المجتمع، غير أن اللجان انعقدت وخرجت بتقارير وخطط، وشكلت وزارة جديدة عقدت بدورها مزيدًا من الاجتماعات واللقاءات، لتكون في نهاية المطاف ضجيجًا بلا طحين، تدور في حلقات مفرغة دون أن تقترب خطوة واحدة من حل الأزمة، ودون أن تعيد للمشهد الإعلامي صورته أو ثقته. فهل ينجح ضياء رشوان في إنقاذ المنظومة هذه المرة، أم تنتهي الجولة بلا نتيجة ترضي الجمهور أو النظام على حد سواء؟