بعد أشهر من التصعيد العسكري والمفاوضات المتعثرة، أسدل اتفاق واشنطن وطهران الستار على الحرب، التي اندلعت في فبراير الماضي، بحملة عسكرية مشتركة بين أمريكا وإسرائيل ضد إيران.
وقد نص الاتفاق، الذي رعته باكستان وأسهمت قطر في التمهيد له، على وقف نهائي للأعمال العسكرية وفتح مضيق هرمز وإنهاء الحصار البحري، ورغم ما يمنحه من فرصة لالتقاط الأنفاس إقليميًا ودوليًا، تظل ملفات مصيرية معلقة في الأفق، أبرزها مستقبل البرنامج النووي الإيراني، ووضع مضيق هرمز ما بعد المرحلة الانتقالية البالغة 60 يومًا، والدور الإقليمي لطهران ومستقبل شبكة أذرعها في المنطقة.
وفهم هذا الاتفاق لا يكتمل دون استحضار الأهداف التي أُشعلت من أجلها فتيل الحرب أصلًا، فقد انطلقت بهدف معلن أمريكيًا هو منع إيران من امتلاك سلاح نووي وضمان عدم تشكيل نظامها أي تهديد لإسرائيل في المقام الأول، ولجيرانها في ترتيب أقل أهمية، وهي العناوين العريضة التي حاولت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الدفاع عنها طوال الأشهر الماضية، قبل أن تتسع أهدافها تدريجيًا لتشمل ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، الذي كان مفتوحًا على مصراعيه قبيل اندلاع القتال.
ومع ذلك تؤشر نتائج الحرب إلى أن هذه الأهداف لم تتحقق في مجملها، وإن أراد الطرفان الاتفاق في نهاية المطاف وأظهر كل منهما نفسه منتصرًا، فترى واشنطن أنها حصلت على التزام غير مسبوق بعدم تطوير إيران لأسلحتها النووية، في حين اعتبرت طهران نفسها المنتصرة بعد أن صمدت في مواجهة هجوم مشترك من أمريكا وإسرائيل.
ترامب.. الخاسر الوحيد
في نظر كثير من المحللين الغربيين، يبدو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الخاسر الوحيد من هذه الحرب. فهو من استجاب لضغوط اللوبي اليهودي وأطلق شرارة القتال أملًا في ترويض إيران، لكن ما حدث كان العكس تمامًا، إذ حبس الاقتصاد العالمي أنفاسه تحت وطأة إغلاق مضيق هرمز، ودُفع بالمنطقة نحو حافة الهاوية لتدخل في دوامة من الفوضى وعدم الاستقرار.
والأمر اللافت أن النظام الإيراني الذي حاول ترامب تصويره منكسرًا نجح فعليًا في جر القوة العظمى إلى طاولة المفاوضات لرسم ملامح نظام إقليمي جديد يخدم مصالحه.
وتشير المحللة الألمانية البارزة يوليانا فون متلشتيت، في مقالها بصحيفة "دير شبيجل"، إلى أن النظام الإيراني الذي خسر الكثير من قادته حقق مكاسب مادية قياسية من مبيعات النفط، وتحوّل بفضل سيطرته على مضيق هرمز إلى لاعب إقليمي ودولي لا يمكن تجاوزه، ووصل الأمر إلى محاولة طهران فرض رسوم عبور على ناقلات الطاقة الدولية.
وتضع الكاتبة الألمانية دول الخليج والشعب الإيراني في مقدمة خاسري هذه الحرب، فدول الخليج باتت تواجه جارًا أكثر عدوانية وسعيًا لزعزعة الاستقرار، بينما سيجد الشعب الإيراني نفسه تحت وطأة نظام يزداد تشددًا وانغلاقًا، بعد فترة من الحراك الميداني كادت أن تُسفر عن بعض الإصلاحات السياسية.
في المقابل، ترى فون متلشتيت أن روسيا والصين هما المستفيدتان الحقيقيتان من هذه الحرب، إذ ستستغلان التراجع الأمريكي في المنطقة، مستندة في ذلك إلى تجربة حرب العراق التي كانت سببًا في ابتعاد واشنطن عن التدخلات المكلفة، فمن المحتمل أن تجعل حرب إيران الولايات المتحدة أقل رغبةً وقدرةً على حماية حلفائها في أوروبا الشرقية أو تايوان إذا ما تعرضوا لهجوم، وهذا ما يحقق نتيجة معاكسة تمامًا لما أراده ترامب، فبدلًا من إظهار قوة نفوذه، كشف عن تراجعه وضعفه.
هل انتصرت إيران أم خسرت أمريكا؟
من الزاوية الإيرانية، انتهت الحرب حين أرادوا لها أن تنتهي وبالخطوط الحمراء التي حددتها طهران للاتفاق، فبحسب مسودة مذكرة التفاهم المكونة من 14 بندًا بين إيران والولايات المتحدة، التي نشرتها وكالة "مهر"، تم التوصل إلى وقف دائم وفوري للحرب على جميع الجبهات بما فيها لبنان، مما يعني الحفاظ على مبدأ وحدة الساحات.
وبموجب بنود الاتفاق، تتعهد الولايات المتحدة بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لإيران واحترام سيادتها، فضلًا عن تعليق العقوبات المفروضة على بيع النفط والمنتجات البتروكيميائية ومشتقاتها، ومنح إيران وصولًا كاملًا إلى مواردها المالية الناتجة عنها، إلى جانب الإفراج عن 24 مليار دولار من الأموال الإيرانية المجمدة خلال فترة المفاوضات النهائية البالغة 60 يومًا.
في مقابل ما ستقدمه الولايات المتحدة، تلتزم طهران بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية وبعدم إنتاج سلاح نووي، فيما يُستبعد بشكل نهائي من جدول الأعمال أي نقاش حول البرنامج الصاروخي الإيراني أو دعم جماعات المقاومة.
ويعدد الباحث الإيراني مصدق بور مكتسبات طهران، قائلًا إن أمريكا لم تحقق أيًا من أهدافها المعلنة أو غير المعلنة، فلم تُفكِّك إيران برامجها النووية والصاروخية، ولم تُقدِم على إزالة مواد نووية دون قيد أو شرط، ولم تتوقف عن دعم جبهة المقاومة، كما عجزت الولايات المتحدة عن الإطاحة بنظام ولاية الفقيه، وهو ما اعترف به المسؤولون الأمريكيون مرارًا وتكرارًا.
ويقول بور في تصريح لـ"فكر تاني"، إن "الفشل يعني أن الطرف الذي بدأ الحرب لم يحقق أهدافه"، مشيرًا إلى أن الخسائر البشرية في صفوف المدنيين والاغتيالات التي طالت المسؤولين والقادة، وفي مقدمتهم المرشد السابق علي خامنئي، تمثل تكاليف باهظة، غير أنها لا تعني الفشل وأظهرت قدرةً على التحمل والتكيف.
بيد أن أستاذ علوم السياسة بجامعة القدس أيمن الرقب، يرى أن أي دولة انخرطت في هذه الحرب تكبّدت خسارةً بشكل أو بآخر، فإيران تعرضت لضربات عسكرية موجعة قلّصت قدراتها لسنوات، إلى جانب أضرار جسيمة لحقت ببنيتها التحتية تحتاج إلى مليارات لإعادة إعمارها، كما أن الولايات المتحدة هي الأخرى تضررت من إطالة أمد القتال على هذه الجبهة. لذا، يسعى كل طرف إلى تصوير نفسه منتصرًا في مشهد تتشابك فيه الخسائر والمكاسب.
طوق نجاة لحزب الله
كان لافتًا في بيان رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف أن وقف القتال بين الولايات المتحدة وإيران سيشمل جميع الجبهات، وفي مقدمتها لبنان الذي شهد تصعيدًا كبيرًا في الأسابيع الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله في جنوب البلاد والضاحية الجنوبية لبيروت.
وعدّ مراقبون ذلك انتصارًا لإيران من خلال تكريس مبدأ وحدة الساحات، مما يعزز موقع حزب الله الذي يواجه ضغطًا داخليًا متصاعدًا لنزع سلاحه مقابل انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان.
نجاح المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة أبقى على حزب الله فاعلًا في المشهد اللبناني، وهو ما يوضحه المحلل الفلسطيني أيمن الرقب لـ"فكر تاني"، مشيرًا إلى أن نهاية الحرب بالقضاء على النظام الإيراني كانت ستسهل عملية إخراج حزب الله من المعادلة اللبنانية، عكس الوضع الراهن الذي يتيح للحزب أن يفرض شروطه في التفاوض مع الدولة اللبنانية وإسرائيل.
غير أن الباحث في الأمن الإقليمي أحمد سلطان يعتقد أن نجاح إيران في الحفاظ على حزب الله في هذه المرحلة، من خلال اتفاق إقليمي ملزم لإسرائيل وتهديدها بتجميد المفاوضات حال استمرار القصف الإسرائيلي على الضاحية الجنوبية لبيروت، لا يلغي فكرة إعادة ترتيب وضع وكلاء إيران في المنطقة وشكل الدعم المقدم من طهران، في ضوء الأضرار التي لحقت بما يعرف بمحور المقاومة.
ويشير سلطان في حديثه لـ"فكر تاني" إلى أن تقييم خسائر الحرب في إيران لم يبدأ بعد، لا سيما أن الاتفاق مع الولايات المتحدة لا يزال في طور الصياغة، ومن الوارد أن ينهار في أي لحظة إذا أصرت طهران على بنود ترفضها واشنطن، كفرض رسوم مرور على السفن في مضيق هرمز أو استئناف أنشطتها النووية.
غضب إسرائيلي
كاد الاتفاق الإيراني الأمريكي أن ينسف كليًا في ساعاته الأخيرة بسبب الهجمات الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت، وهو ما أحدث شقاقًا علنيًا بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إذ أقدم الأخير على قصف بيروت قبل ساعات من توقيع الاتفاق، فيما عكس الرغبة الإسرائيلية في وأد أي تقارب محتمل على جبهة إيران وإعادة ترتيب المشهد في لبنان.
ويرى أستاذ العلوم السياسية أيمن الرقب أن نتنياهو أحد الخاسرين من توقيع الاتفاق بين إيران والولايات المتحدة، وإن تضمن التزام طهران بعدم تطوير برنامجها النووي. ويرد ذلك إلى غضب اليمين الإسرائيلي من عدم مواصلة القتال حتى النهاية، فهم يرون أن الضربات لم تؤدِ إلى سقوط النظام الإيراني ولم تقطع أذرعه في المنطقة، وأن إيران لا تزال قادرة على تهديد إسرائيل في أي وقت.
ويتفق معه المحلل الإيراني مصدق بور، الذي يشير إلى أن أحد أبرز الأهداف الاستراتيجية لإسرائيل من هجماتها على إيران خلال العام الماضي كان زعزعة توازن القوى الإقليمي عبر إضعاف إيران واختراق الحاجز الجيوسياسي لمحور المقاومة، لتكون هي المتحكمة في نظام إقليمي جديد في الشرق الأوسط. ويتابع بور لـ"فكر تاني" أن نتنياهو كرر مرارًا عبارة "تغيير وجه الشرق الأوسط"، لكن مع إخفاق هذا المشروع وظهور معادلات جديدة في المنطقة، انتقلت إسرائيل من محاولة "إرساء النظام" إلى "زعزعة النظام"، وهو ما تكشفه الهجمات الأخيرة على لبنان في محاولة للإبقاء على مستوى التوتر ومنع استقرار الأوضاع الجديدة وعودة النفوذ الإقليمي لإيران وحلفائها. ولذا يتوقع بور تصاعد الأعمال الإسرائيلية المزعزعة للاستقرار في الفترة المقبلة، إذ يدرك نتنياهو أن إيران، بعد أن خاضت مواجهة مكلفة مع الولايات المتحدة، ستغدو خصمًا أشد جرأةً وأكثر ثقةً يصعب احتواؤه متى استعادت قدراتها وأعادت بناء شبكة حلفائها.
خسائر خليجية
وإن كانت إيران قد تعرضت لخسائر جسيمة جراء استهداف بنيتها التحتية، فإن دول الخليج تظل الخاسر الأكبر من هذه الحرب، إذ تكبّدت خسائر فادحة تُقدر بعشرات المليارات نتيجة الهجمات الإيرانية التي استهدفت منشآت الطاقة بشكل رئيسي، فضلًا عن الهجمات التي طالت المطارات وتداعياتها على حركة الطيران والسياحة، وسط تقديرات أممية بأن تبلغ التكلفة الإجمالية للصراع على دول المنطقة نحو مئتي مليار دولار.
ورغم هذه الخسائر، أثار نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس جدلًا واسعًا بتصريحه عن مساهمة دول خليجية في صندوق إعادة إعمار إيران، الذي يوجّه استثمارات بقيمة 300 مليار دولار لصالح إعادة الإعمار الإيراني، مشروطًا بالتزام طهران بوقف نشاطها النووي ومتابعة سلوكها إزاء الجماعات المسلحة في المنطقة ونشاطها الإقليمي.
ويشير المحلل أيمن الرقب إلى أن دول الخليج دفعت ثمن الحرب من اقتصادها وأمنها جراء الهجمات، لكن التقديرات التي أُجريت بعد أشهر من القتال الشرس وتأثيره على الاقتصاد العالمي تخلص إلى أن بقاء النظام الإيراني أفضل من سقوطه في غياب هندسة محكمة، حتى لا يُسفر ذلك عن فوضى كبرى في محيطها الأمني.
وفي المحصلة، منح اتفاق واشنطن وطهران الرئيس ترامب مخرجًا من حرب يرى مراقبون أنه يتمنى لو لم يُشعلها أصلًا. ويبقى هذا السلام المؤقت هشًا مُعرضًا للانهيار في أي وقت، ما دامت الأسباب الجذرية الكامنة وراء الأزمة لم تُحسم بعد.