بعد دقائق قليلة من تعرضها لهجوم إلكتروني، قررت الصحفية إيمان عادل إغلاق حسابها على "فيسبوك"، معتقدة أنها بذلك تحمي نفسها من الحملة الرقمية التي اندلعت فجأةً ضدها، غير أنها أدركت لاحقًا أنها أغلقت بيديها النافذة الوحيدة التي كان بوسعها من خلالها توضيح الحقائق، فيما كانت المعلومات المضللة والادعاءات المسيئة تنتشر على نطاق واسع دون أن يكون أمامها ما تقوله.
لم تكن إيمان عادل قد واجهت أي هجوم رقمي على مستوى كبير حتى مارس الماضي، حين تعرضت لأول حملة عنف إلكتروني في حياتها. تقول لـ"فكر تاني" إنها كتبت قصصًا عديدةً عن أشخاص واجهوا خطاب الكراهية وتعرضوا لحملات العنف الرقمي، لكنها لم تعش ذلك من قبل، مشيرةً إلى أن مواجهة العنف الرقمي مختلفة تمامًا عن الكتابة عنه.
تجربة إيمان ليست استثناءً، فـالعنف الرقمي ضد المرأة بات اليوم شكلاً من أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي، يُمارَس عبر الوسائط الرقمية المختلفة، ويشمل الأذى اللفظي والنفسي والجنسي، من خلال التهديد والمضايقات والتشهير والابتزاز، فضلًا عن نشر صور خاصة دون إذن أصحابها، ولا يقل هذا النوع من العنف خطورة عن العنف الجسدي، إذ يؤدي إلى تقييد حرية النساء والفتيات في التعبير والمشاركة العامة، ويستوجب استجابةً قانونيةً ومؤسسيةً متخصصة. وقد نبهت الأمم المتحدة إلى أن هذا الشكل من العنف بات تهديدًا خطيرًا سريع التنامي يسعى إلى إسكات أصوات كثير من النساء، ولا سيما اللواتي يتمتعن بحضور عام ورقمي بارز في مجالات السياسة والنشاط المدني والصحافة.
وتكشف أرقام المنظمة الأممية حجم المشكلة، إذ تعرضت 38% من النساء للعنف عبر الإنترنت، في حين شهدت 85% منهن عنفًا إلكترونيًا موجهًا إلى غيرهن.
من منظور الضحايا
بدأت الحملة ضد إيمان بعد مناشدة إنسانية نشرتها لتمكين زوجها السابق، الصحفي السوري سامر مختار، من تجديد إقامته في مصر، لكنه رُحِّل فجأة دون أن يتمكن من توديع طفلهما ذي السبع سنوات، واستُخدمت هذه الواقعة لاحقًا ذريعةً لشن حملة تحريض وتشويه موسعة ضد الصحفية، بحسب تحالف صحفيات مصر. وتقول إيمان إن "الحملة بدأت بمجرد ما وضع زوجي السابق قدمه في الطائرة المُرحَّل بها إلى خارج البلاد"، فحاولت تجاوزها في البداية بتغيير إعدادات منشوراتها المتعلقة بالقضية لتكون للأصدقاء فقط، ثم قررت إغلاق حسابها على فيسبوك، "اعتقدت أنني بذلك أحمي نفسي من الحملة الرقمية، والأمر سينتهي خلال يومين ولم أكن أرغب في تلقي رسائل مسيئة ولا أن أهتز نفسيًا، لكن ذلك لم يكن صحيحًا"، وجدت الصحفية الشابة نفسها وسط سيل من رسائل واتصالات أصدقاء وأشخاص ربما التقت بهم مرة واحدة في حياتها، يستفسرون عن معلومات خاطئة تنتشر عنها على فيسبوك وهم على وشك تصديقها.
هنا أدركت إيمان خطأ قرارها، تقول "وجدت الضرر الواقع عليَّ كبيرًا، والكثير من الناس على وشك تصديق ما يُقال عني، لذا كان لا بد أن أوضح الحقائق لأن الأمر يمس سمعتي ومستقبلي ويمس زوجي ومستقبل ابني وأهلي". وتضيف أن "إغلاق الفيسبوك كان بمثابة إغلاق الباب في وجه من يريدون معرفة الحقيقة". فأعادت فتح حسابها لكتابة منشور تتصدى فيه لآثار الهجمة وترد على استفسارات معارفها وتوضح الحقائق كلها، غير أنها أُصيبت بصدمة جديدة حين وجدت صورها وصور زوجها وابنها تتداول على نطاق واسع مع هجوم إلكتروني عنيف لم تكن تتخيل حجمه. "أصبحت حديث السوشيال ميديا حرفيًا، الموضوع كان انفجارًا، لكن صدمتي الكبرى كانت أن من بين المهاجمين زملاء صحفيين من المفترض أن يكون لديهم وعي بحملات الكراهية والعنف الرقمي، وأن يكون عندهم تضامن ولو نسبي حتى ولو بالصمت مع زملائهم، والبحث عن الحقيقة".
لتجنب وطأة العنف الرقمي، لجأت إيمان إلى الانعزال عن العالم بضعة أيام، وعانت لأكثر من أسبوعين من ارتفاع ضغط الدم والأرق المزمن، ومع ذلك، لم تكن تريد لهذه الحملة أن تنجح في النيل منها ومن أسرتها، فبدأت محاولة التعافي بسرعة والعودة إلى العمل واستعادة روتينها اليومي شيئًا فشيئًا.
وفي تلك التجربة القاسية، كان الندم حاضرًا. فعلى الرغم من حرصها الدائم على عدم نشر صور أفراد أسرتها على السوشيال ميديا، كانت قد حضرت قبل أيام من الحملة حفل زفاف مع زوجها وابنها، وأشار إليها بعض الأقارب والأصدقاء في صور تظهرهم معًا، فنسيت إلغاء الإشارة. وخلال الهجوم الإلكتروني، أُخذت تلك الصور ونُشرت على نطاق واسع. وتؤكد إيمان أنها لم تندم على شيء طوال تلك الحملة سوى عدم حمايتها لبياناتها وصورها وصور زوجها وابنها، اللذين جرى انتهاك خصوصيتهما بسبب هذا الخطأ.
لم تستعد إيمان الشعور بالأمان الكامل حتى اليوم، غير أنها عازمة على استعادته مع عودة حياتها الطبيعية إلى ما كانت عليه. وترى، وإن كانت لا تعدّ نفسها الشخص المناسب لتقديم النصائح، أن الإبلاغ عن العنف الرقمي للجهات المعنية في وقت مبكر قبل استفحاله قد يكون حلًا ناجعًا.
الصحفيات أكثر عرضةً للعنف الرقمي
تكشف الأرقام أن الصحفيات يعشن في منطقة أشد خطورةً من سواهن على الفضاء الرقمي، فوفقًا للأمم المتحدة، أفادت 73% من الصحفيات بتعرضهن للعنف الرقمي، في مقابل 38% فقط من النساء غير الصحفيات. ويرصد المرصد المصري للصحافة والإعلام تزايدًا ملحوظًا في حالات الاستهداف الرقمي خلال الأعوام الأخيرة، كثير منها يدمج بين طبيعة العمل الصحفي والبعد الجندري للهجمة.
ومثل إيمان، طال التهديد والترهيب عبر الإنترنت الصحفية الشابة ماريانا سامي، المتخصصة في الشأن القبطي، وذلك عدة مرات، أبرزها بسبب مناقشتها قضية الأحوال الشخصية للمسيحيين، حين جرى التشهير بها وبصورتها ونُشرت ادعاءات مضللة عنها بهدف تشويه صورتها.
ولم يقتصر الأمر على تدوينات ضدها، إذ امتد إلى تلقيها رسائل تهديد عبر تطبيق "ماسنجر" واتصالات هاتفية، خلال هجوم إلكتروني عنيف من أنصار تنظيم "داعش" بسبب كتاباتها المناهضة للتنظيم الإرهابي. "هددوني بالقتل ودشنوا حملة لإغلاق حسابي على فيسبوك"، تقول ماريانا.
وتتذكر ماريانا مشاعرها في تلك اللحظات، قائلة لـ"فكر تاني"، "حينها كنت صغيرة في السن وليس لدي أي خبرة في التعامل مع حملات العنف الرقمي، لذا كنت أشعر بضغط وخوف شديد، لم أكن أتخيل أن هناك أشخاصًا بهذا العنف". وجراء هذا الهجوم، كانت تراجع نفسها بشكل مؤذٍ نفسيًا، وتقول إنها كانت تتمنى أن تكون واعيةً بأن ذلك مجرد ترهيب لإسكاتها، "بدلًا من لوم نفسي والاعتقاد بأنني أخطأت".
ولم تتخذ ماريانا أي خطوات قانونية في حينها ضد من هاجموها، لكنها تتمنى الآن لو فعلت ذلك، مؤكدةً أن أكثر ما ساعدها على استعادة الشعور بالأمان هو تعلمها من تلك الهجمات وتحليلها لنمط المشاركين فيها، حتى باتت تمتلك مناعة نسبية ضدها. تقول "هم يحاولون إرهاب الشخص الذي يهاجمونه لأنهم فارغون، وأفكارهم غير ثابتة، لدرجة أنهم لا يملكون أي حيلة سوى توجيه السباب والشتائم". ومع ذلك، تعترف ماريانا بأنها تشعر أحيانًا برهبة حين تكون حملات العنف الرقمي ضخمة، وتنصح النساء اللواتي يتعرضن لهجوم إلكتروني باتخاذ الإجراءات القانونية ضد المهاجمين، مؤكدةً أن ذلك "يحمي ويقلل الشعور بالخوف"، مع إقرارها بأن الخوف مشاعر مبررة لا يمكن إنكارها، لكن يمكن تحجيمها.
أزمة مجتمعية
ترى الكاتبة الصحفية فيولا فهمي أن العنف الإلكتروني ليس ظاهرةً مستقلة، فهو في جوهره انعكاس لحالة العنف العام الموجودة في المجتمع، ولا يعدو كونه مرآة تُبيّن أن الظاهرة باتت متجذرة في المجتمع المصري. فاستهداف النساء عبر الفضاء الإلكتروني هو امتداد طبيعي للعنف والتمييز والتشهير والابتزاز والتنمر الذي يطال النساء والفتيات كل يوم في الشارع والعمل ووسائل المواصلات، خصوصًا اللواتي ينشطن في المجال العام. وتؤكد فهمي لـ"فكر تاني"، أن العنف الرقمي ضد الصحفيات والناشطات يستهدف إخراجهن من المجال العام من خلال ترهيبهن وإبقائهن في دائرة الخوف ودفعهن إلى ممارسة رقابة ذاتية مشددة على أنفسهن "أكتب أم لا، أعلن موقفي ورأيي أم لا، كل حالة من الشك والريبة والرهبة تجعلهن يفرضن على أنفسهن قيودًا كبيرةً جدًا". ولهذا تشدد على أن مواجهة التحديات الرقمية تحتاج إلى تدريبات متخصصة وتعزيز للثقة بالنفس لدى الصحفيات والنساء والفتيات الراغبات في العمل بالمجال العام.
ولا تقتصر هذه الأفعال على الفضاء الرقمي، إذ كثيرًا ما تقود إلى عنف في الواقع كالإكراه والعنف الجسدي، وقد تطول آثارها وتُخلّف ضررًا مستمرًا على الناجيات. وكما يمكن للفضاءات الإلكترونية أن تبث الحياة والقوة في النشاط الحقوقي والعدالة الاجتماعية، فإن العنف الذي تيسره التكنولوجيا يشكل تهديدًا خطيرًا لحرية التعبير والنشاط الحقوقي الذي تمارسه النساء والفتيات، بحسب منظمة العفو الدولية.
الوقاية خط الدفاع الأول
يقدم الصحفي والخبير الرقمي شحاتة السيد جملةً من النصائح للصحفيات، قائلًا إن الوقاية تظل خط الدفاع الأول في مواجهة العنف الرقمي، مشددًا على أهمية تقليل المعلومات الشخصية المتاحة للعامة، واستخدام كلمات مرور قوية ومختلفة، وتفعيل المصادقة الثنائية لحماية الحسابات.
وينصح كذلك بمراجعة إعدادات الخصوصية بشكل دوري وعدم فتح الروابط المشبوهة، والتحقق من هوية الأشخاص والجهات قبل مشاركة أي معلومات. ولا يقل أهميةً عن ذلك، في نظره، توثيق أي إساءة إلكترونية فور وقوعها عبر الاحتفاظ بصور الشاشة والروابط والبيانات المرتبطة بها، مع استخدام أدوات الحظر والإبلاغ المتاحة على المنصات الرقمية. ويضيف السيد ضرورة تحديث الأجهزة باستمرار، واستخدام وسائل اتصال آمنة عند التعامل مع الملفات الحساسة، والانتباه لمحاولات انتحال الشخصية أو تتبع الموقع الجغرافي، موضحًا أن وجود شبكة دعم مهنية من الزملاء والمؤسسات المعنية بسلامة الصحفيين يمثل عاملًا مهمًا في مواجهة حملات التشهير والتحرش والاستهداف المنظم.
وفي السياق ذاته، قدمت الأمم المتحدة مجموعةً من النصائح للحد من خطر الوقوع ضحيةً للإساءة عبر الإنترنت، وفقًا لما أوردته "بي بي سي"، تتمحور حول التفكير مليًا قبل نشر أي شيء إذ قد يبقى متاحًا للأبد، وتقليل المعلومات الشخصية المنشورة على الإنترنت كالعنوان ورقم الهاتف، وتحذير الأصدقاء والمعارف من نشر معلومات شخصية عن الشخص المعني. كما تنصح المنظمة بالتعرف على إعدادات الخصوصية في تطبيقات التواصل الاجتماعي، وتعطيل خاصية تحديد الموقع الجغرافي في جميع الحسابات، والإبلاغ عن الحسابات المشبوهة أو المهددة.
العنف الرقمي مُجرم قانونًا
ويُجرِّم قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات العنفَ على الإنترنت، إذ تنص المادة (25) منه على الحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر، وبغرامة لا تقل عن خمسين ألف جنيه ولا تتجاوز مائة ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين.
ويوضح أحمد عبد اللطيف، المحامي بالاستئناف، في تصريحات لـ"فكر تاني"، أن العنف الرقمي وفق القانون المصري هو إساءة استخدام وسائل تقنية المعلومات بهدف ارتكاب جريمة أو إلحاق ضرر بأحد الأشخاص، وأن أبرز صوره السب والقذف واختراق الحسابات والتهديد والابتزاز الإلكتروني.
وينصح عبد اللطيف النساء اللواتي يتعرضن للعنف الرقمي بتوثيقه أولًا بالاحتفاظ بالدليل سواء منشورًا أو رسالة، ثم التوجه إلى إدارة تكنولوجيا المعلومات بوزارة الداخلية لتحرير بلاغ ضد مرتكب الجريمة. ويشدد على ضرورة عدم تنبيه المعتدي بأن صاحبة الشكوى بصدد الإبلاغ عنه، حتى لا يحذف منشوره أو تعليقه أو رسالته فيُفقد الدليل.
حجم الأزمة
تُظهر الأرقام فجوة بين حجم الظاهرة وضآلة الاستجابة، فقد خلصت ورقة بحثية صادرة عام 2025 عن منتدى السياسات العامة بمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار إلى أن معدلات التعرض للعنف الرقمي بين النساء في المناطق الحضرية وصلت إلى نحو 85%، في مقابل معدلات إبلاغ لا تتجاوز 4.36%. ووفقًا لـمؤشر المساواة بين الجنسين لعام 2023 الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تحتل مصر المرتبة 101 من بين 193 دولة من حيث المساواة بين الجنسين. وكشفت دراسة صادرة عام 2023 حول العنف الرقمي ضد المرأة في مصر أن "فيسبوك" و"فيسبوك ماسنجر" هما المنصتان الأكثر استخدامًا لممارسة هذا النوع من العنف، وإن كانت منصات أخرى، كـ"تليجرام"، تُستخدم بدورها لممارسة العنف الرقمي المنظم.
وخلف هذه الأرقام الجافة، تقف إيمان أمام شاشتها مرةً أخرى، ربما كانت تُغلق حسابها ظانة أنها تُغلق الباب، وهي في الحقيقة تفتح سؤالًا أعمق يُلقي بظلاله على كل امرأة تحمل رأيًا وتجرؤ على نشره، سؤال لا تزال الشاشات الزرقاء تتداوله في صمت.